سؤال حول علم الناسخ والمنسوخ

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد سألني أحد غير المسلمين سؤالًا يتعلق بمسألة النسخ في القرآن الكريم فقال:

ask.naskh

فرردت عليه بحول الله وقوته أقول:

إذا كنتَ تبحث عن الحقيقة فأرجو أن تقرأ كلامي كاملا لأنه سيزيل الإشكال لديك تمامًا بإذن الله.
وأما إذا كنت تريد الاستهزاء فقط فلا داعي لتضييع وقتك ووقتي!
أولا: شوف يا أستاذ، قوله تعالى: { ما يبدل القول لديَّ } السياق فيها لا يتحدث عن القرآن الكريم أصلًا.
وإنما هذه الآية تتحدث عن وعيد الله للكفار حينما يدخلون النار، كما جاء قبلها يقول سبحانه للملائكة: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29)}. سورة ق.
فواضح من قوله تعالى: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (*) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } أن الآية تتحدث عن الكافرين حينما يدخلون النار ويختصمون مع شياطينهم في النار، فيقول الله لهم إنه قد توعَّدهم بالنار إذا كفروا، وأن وعيده هذا لن يتبدل، { وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ}.
ولذلك قال بعدها: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}. أي أني لم أظلمكم حينما أدخلتُكم النار. فلماذا يا عزيزي تأتي بآية تتحدث عن عدم تبديل الله لقوله في الوعيد للكافرين وتذكرها في سياق عدم تبديل آيات القرآن الكريم؟!
ثانيا: قوله تعالى: {ولا مبدل لكلمات الله}. لو حضرتك قرأت أولَ الآية وآخِرَها لعلمتَ يقينًا أن الآية لا تتحدث عن القرآن الكريم، وهذه الآية كاملة: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ}.
إذًا فقوله تعالى: {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} جاء بعد قوله عن المرسلين: {وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}، فالآية هنا تتحدث عن وعد الله للرسل أنه سينصرهم بعد صبرهم على تكذيب قومهم وإيذائهم لهم.
فلماذا يا عزيزي تأتي بآية تتحدث عن وعد الله للرسل بنصرهم وتذكرها في سياق عدم تبديل آيات القرآن الكريم؟! هل حضرتك تعمدت ذلك أم أنك لا تعلم بالفعل؟!
ثالثا: الآية تقول: {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ }، أي لا يستطيع أَحَدٌ أن يبدِّلَ كلامَ الله، فهل هذا الكلام ينطبق أيضًا على الله نفسه؟! حينما يقول الله سبحانه إن البشر لا يستطيعون تبديل كلامه، فما علاقة هذا بالله سبحانه وتعالى؟! أليس الله يقول في القرآن الكريم: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101].
فالله سبحانه وتعالى أثبت بهذه الآية أنه يُبَدِّل الآيات، وهذا له حِكَمٌ عظيمة معروفة ومبثوثة في الكتب، وأيضا قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106].
فالقرآن لا يتناقض مع بعضه أبدًا لأنه تنزيل العزيز الحكيم جل جلاله.
رابعا: النسخ في التشريعات الإسلامية له حكم عظيمة كما أشرت سابقًا، ولو حضرتك كَلَّفْتَ نفسك أن تبحث عنها لعلمت يقينًا أن هذا القرآن منزّل من عند الله تبارك وتعالى، فقد ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها حكمة عظيمة من هذه الحِكَمِ فقالت: [ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المُفَصَّل، فيها ذِكْرُ الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نَزَلَ الحلالُ والحرامُ، ولو نزل أوَّلَ شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبدًا، ولو نزل: لا تَزْنُوا، لقالوا: لا نَدَعُ الزِّنا أبدًا ]. صحيح البخاري – حديث: 4993
ومن هذا الكلام يتبين أن الله سبحانه وتعالى أنزل التشريع إلى خلقه بالتدريج حتى لا ينفروا منه، فلم ينزل سبحانه الحلالَ والحرامَ في أول الدعوة الإسلامية، ولكن بعد تغلغل الإيمان في قلوب المسلمين بدأت التشريعات والأحكام والحلال والحرام في النزول.
مثال: هل الطبيب إذا جاء إليه مريض بعدة أمراض يعالج جميع أمراض مرة واحدة؟! أم يعطيه دواء يعالج به مرضًا أو مرضين، ثم بعد فترة يقول الطبيب للمريض: اترك العلاج الأول، وخذ هذا العلاج الجديد؟!
فهل يقال إن هذا الطبيب يستهزئ بالمريض لأنه تعامل مع بهذه الطريقة أم يقال إن هذا الطبيب حكيم وصاحب حكمة عظيمة؟!

وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى ،،،،

 

قصة ثعلبة بن عبد الرحمن غير صحيحة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد سألني أحد الإخوة عن قصة الصحابي ثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري التي رواها الحافظ أبو نعيم في كتابه “معرفة الصحابة”، قال:
[ حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب الجرجرائي، ثنا موسى بن هارون، ومحمد بن الليث الجوهري، قالا: ثنا سليم بن منصور بن عمار، ثنا أبي، عن المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر، ” أن فتى، من الأنصار، يقال له ثعلبة بن عبد الرحمن أسلم، وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في حاجة، فمر بباب رجل من الأنصار، فرأى امرأة الأنصاري تغتسل، فكرر إليها النظر، وخاف أن ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج هاربا على وجهه، فأتى جبالا بين مكة والمدينة، فولجها، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما، وهي الأيام التي قالوا ودعه ربه وقلاه، ثم إن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن الهارب من أمتك بين هذه الجبال، يتعوذ بي من ناري . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يا عمر، ويا سلمان، انطلقا، فأتياني بثعلبة بن عبد الرحمن ” . فخرجا في أنقاب المدينة، فلقيهما راع من رعاء المدينة، يقال له ذفافة، فقال له عمر: يا ذفافة، هل لك علم بشاب بين هذه الجبال ؟ فقال له ذفافة: لعلك تريد الهارب من جهنم ؟ فقال له عمر: وما علمك أنه هرب من جهنم ؟ قال: لأنه إذا كان في جوف الليل، خرج علينا من بين هذه الجبال واضعا يده على أم رأسه، وهو يقول: يا رب، ليت قبضت روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولا تجردني في فصل القضاء . قال عمر: إياه نريد . قال: فانطلق بهم ذفافة، فلما كان في جوف الليل، خرج عليهم من بين تلك الجبال واضعا يده على أم رأسه، وهو يقول: يا ليت قبضت روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولم تجردني لفصل القضاء . قال: فعدا عليه عمر، فاحتضنه، فقال: الأمان الأمان، الخلاص من النار . فقال له عمر بن الخطاب: أنا عمر بن الخطاب . فقال: يا عمر، هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنبي ؟ قال: لا علم لي، إلا أنه ذكرك بالأمس، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلني وسلمان في طلبك . فقال: يا عمر، لا تدخلني عليه إلا وهو يصلي، أو بلالا يقول: قد قامت الصلاة . قال: أفعل . فأقبلوا به إلى المدينة، فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الغداة، فبدر عمر وسلمان الصف، فما سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشيا عليه، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ” يا عمر، ويا سلمان، ما فعل ثعلبة بن عبد الرحمن ” ؟ قالا: ها هو ذا يا رسول الله . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه، فقال: ” يا ثعلبة ” . قال: لبيك يا رسول الله . فنظر إليه، فقال: ” ما غيبك عني ” ؟ . قال: ذنبي يا رسول الله . قال: ” أفلا أدلك على آية تمحو الذنوب والخطايا ” ؟ قال: بلى، يا رسول الله . قال: ” قل: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ” . قال: ذنبي أعظم يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بل كلام الله أعظم ” . ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالانصراف إلى منزله، فمرض ثمانية أيام، فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هل لك في ثعلبة ؟ فإنه لما به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” قوموا بنا إليه ” . فلما دخل عليه، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فوضعه في حجره، فأزال رأسه عن حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لم أزلت رأسك عن حجري ” ؟ قال: إنه من الذنوب ملآن . قال: ” ما تجد ” ؟ قال: أجد مثل دبيب النمل بين جلدي وعظمي . قال: ” فما تشتهي ” ؟ قال: مغفرة ربي . قال: فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ربك يقرئك السلام، ويقول: لو أن عبدي هذا لقيني بقراب الأرض خطيئة للقيته بقرابها مغفرة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أفلا أعلمه ذلك ” ؟ قال: بلى . قال: فأعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فصاح صيحة، فمات، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسله وكفنه، وصلى عليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على أطراف أنامله، فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تمشي على أطراف أناملك . قال: ” والذي بعثني بالحق، ما قدرت أن أضع رجلي على الأرض من كثرة أجنحة من نزل لتشييعه من الملائكة ]. معرفة الصحابة ج1 ص498، ط دار الوطن – الرياض.
فرددتُ على الأخ السائل أقول:

————————————–

حياك الله أخي الكريم
هذه الرواية لا تصح من جهة إسنادها، فقد رواها أبو نعيم في كتابه “حلية الأولياء” وكتابه ” معرفة الصحابة “، وغيره، وهذا الإسناد لا يصح للعلل الآتية:
1. أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب الجرجرائي: مُتهم بوضع الحديث.
2. سليم بن منصور بن عمار: ضعيف الحديث.
3. منصور بن عمار أبو سليم: ضعيف الحديث أيضًا.
4. المنكدر بن محمد بن المنكدر: لين الحديث.
وقد ضَعَّفَهَا الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العسقلاني في كتابه “الإصابة”، فقال:
[ قال ابن مَنْدَه بعد أن رواه مختصرًا: تفرد به منصور. أهـ ، قلتُ: وفيه ضَعْفٌ، وشيخه أضعف منه، وفي السياق ما يدل على وهن الخبر لأن نزول { ما ودعك ربك وما قلى } كان قبل الهجرة بلا خلاف ]. الإصابة في تمييز الصحابة (1/ 405).
ولذلك ذكر ابنُ الجوزي هذه القصة في كتابه ” الموضوعات”، كما ذكرها السيوطي في ” اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة “، كما ذكرها ابن عِراق الكناني في كتابه ” تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة “، وهذه الكتب جميعًا كتب متخصصة في بيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة والباطلة.
ومع الأسف، فقد روّج بعضُ الدعاة لهذه القصة ظَنًّا منهم أنها صحيحة، والله المستعان !!
وينبغي على المشايخ والدعاة أن يتحروا صحيح سير الصحابة رضي الله عنهم ولا ينقلوا جميع ما جاء في الكتب بلا تمحيص ولا تنقيح ولا تحقيق.

والحمد لله رب العالمين ،،،،

حوار هادئ مع شخص مهذب حول القرآن الكريم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

فقد كتب أحد المخالفين يقول:

سيدي الكريم. نفترض أن القرآن جُمِع بين اللوحين في عهد أبي بكر ثم نسخ منه في عهد عثمان. عندي أسئلة على هذه النسخة الأصلية.
لماذا لا نجد أي بقايا لهذه النسخة ولا حتى لمصحف عثمان ؟ بالمقابل توجد بقايا قديمة للاناجيل من القرن الثالث والتوراة ستة قرون قبل الميلاد.
هاذا عن آية الرجم في قول عمر بن الخطاب ؟ كانت محفوظة في الصدور أم فقط في صدر عمر ؟
قول عائشة بنت أبي بكر أن داجنا دخل بيتها وأكل صحيفة من القرآن. هل كانت هذه الصحيفة محفوظة في الصدور أم لا ؟
هل حرق عثمان ما جمعه أبو بكر ؟ إذا نعم فلماذا وإذا لا فماذا كان مصيرها ؟
مع وجود مجمع أبي بكر ثم مصحف عثمان كيف تفسر وجود 14 قراءة معتمدة للقرآن وأكثر من ألف قراءة أخرى ؟
هل لاحظت أنك عرضت أكثر من رواية لحديث علي وهذا دليل على أن النقل الشفوي للمعلومة غير آمن 100 في 100.
هل من غير المستبعد أن يكون القرآن دخله بعض التغيير والتحريف ؟
إذا كان عمر يؤمن باللوح المحفوظ فلماذا يخشى على النسخة الأرضية للقرآن ؟ بالمقارنة مع اقتتال المبشرين بالجنة بعضهم مع بعض في معارك الفتن رغم أنهم كانوا مؤمنين ببشارتهم بالجنة إذن لا داعي أن يتقاتلوا
في ظل وجود اللوح المحفوظ هل يمكن لك أن تعدد لنا أوجه الاختلاف مع النسخة الأرضية ؟
هل مثلا سور الفاتحة والمعوذتان ضمن اللوح المحفوظ ؟ هل يتضمن آية الرجم ؟ هل يتضمن ما أكله الداجن في بيت عائشة ؟
هل هو بعدة قراءات أم بقراءة واحدة وماهي هذه القراءة من بين القراءات المتداولة اليوم ؟
هل يتضمن اللوح المحفوظ الآيات المنسوخة ؟ وشكرا لك

فأجبته بحول الله وقوته قائلًا

أهلا وسهلا بك أيها الزميل المحترم
تقول: [نفترض أن القرآن جُمِع بين اللوحين في عهد أبي بكر ثم نسخ منه في عهد عثمان]. ولست أدري لماذا تفترض شيئا قد حَدَثَ بالفعل؟! فالرواية واضحة تمام الوضوح في صحيح البخاري وتنص صراحة على هذا الكلام!
———–
بخصوص السؤال الأول: [لماذا لا نجد أي بقايا لهذه النسخة ولا حتى لمصحف عثمان ؟].
الجواب: عدم وجود هذه النسخة في زماننا الحالي لا يعني أنها لم تكن موجودة سابقًا، والمسلمون لا يتعلَّقون بنسخة معينة للقرآن الكريم أو حتى للسنة النبوية، لأن هذه الأوراق تَبْلَى وتتفتت وتذهب، ولذلك يقوم المسلمون بشيء فريد، وهو كتابة نسخ جديدة بشكل مستمر، بشرط أن يكون عليها سماعات، ومعنى السماعات هو أن يكتب الناسِخُ نسخته سَمَاعًا على شيخه الذي يتعلم منه!
فالقرآن الكريم لا يعتمد على مجرد مخطوطات مكتوبة، بل الأصل في نقله هو التلقِّي الشَّفَهِي المباشر ثم الحفظ في الصدور.
وتستطيع يا عزيزي أن تستدل على ما قد مضى بما تراه أمام عينك الآن في هذه النقطة:
سَلْ نفسك: لماذا إذا أخطأ الإمام وهو يصلي بالناس في الصلاة يرد عليه المصلون خلفه ويصححون خطأه؟! مع أن الإمام إذا أخطأ في القراءة أثناء الصلاة فهذا لا يضر المصاحف المكتوبة، ولا يعني أبدا تغير القرآن أو تحريفه!
سَلْ نفسك: إذا ضاعت كل الكتب الموجودة على وجه الأرض، فلماذا لا يستطيع أي قوم أن يعيدوا كتابة كتابهم مرةً أخرى دون أدنى خطأ إلا المسلمون فقط ؟!
القرآن الكريم كتاب يستحيل تحريفه ولو اجتمع كل الكُفَّار لأجل ذلك.
وهذه ليست مجرد شهادة مني كمسلم مؤمن بهذا الكتاب فقط، بل هناك الكثير من أشهر الباحثين المعادين للإسلام اعترفوا بهذه الحقيقة!
ومنهم على سبيل المثال المستشرق جوزيف شاخت، يقول:
[ إن أول مصادر الشرع في الإسلام وأكثرها قيمة هو الكتاب ( يقصد القرآن), وليس هناك من شك في قطعية ثبوته وتنزهه على الخطأ على الرغم من إمكان سعي الشيطان لتخليطه, كما أنه ليس من شك أيضا أنه وصل إلينا من غير تحريف ].
أصول الفقه ص19 ط دار الكتاب اللبناني – بيروت.
لاحظ أنه أثناء اعترافه بهذه الحقيقة لم يستطع أن يمنع نفسه من الطعن في القرآن بالإشارة لقصة الغرانيق الباطلة بقوله: [على الخطأ على الرغم من إمكان سعي الشيطان لتخليطه]!
بالمناسبة، هذا المصحف يُنْسَبُ إلى عثمان رضي الله عنه:
https://waqfeya.com/book.php?bid=6934
———–
بخصوص السؤال الثاني: [ماذا عن آية الرجم في قول عمر بن الخطاب ؟ كانت محفوظة في الصدور أم فقط في صدر عمر ؟].
الجواب: آية الرجم كان يحفظها عمر وغيرُه من الصحابة، وقد نقلوها إلينا، فهي لم تضع أصلًا !!
وهذا نصُّ الآية: [والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نَكَالًا من الله والله عزيز حكيم]. مسند أبي داود الطيالسي – حديث رقم: 540
ولكنها آية منسوخة التلاوة كما جاء ذلك مُصَرَّحًا به في نفس الرواية، فيقول الصحابي أبيُّ بن كعب: [ فَرُفِعَ فِيمَـا رُفِعَ ] .
———–
بخصوص السؤال الثالث: [ قول عائشة بنتُ أبي بكر أن داجنا دخل بيتها وأكل صحيفة من القرآن. هل كانت هذه الصحيفة محفوظة في الصدور أم لا ؟].
الجواب: هذه الرواية ضعيفة، لأن في سندها راويًا اسمه محمد بن إسحاق بن يسار، وهو مدلِّس مشهور بالتدليس، ولم يصرح بالسماع من شيخه!
والرواية تقول إن هذه الصحيفة كانت تحتوي على آية الرجم، وقد بَيَّنْتُ لك أنها باقية حتى اليوم، ولكنها مما نُسِخَتْ تلاوته، قال الحافظ البيهقي:
[ آية الرجم حكمها ثابت وتلاوتها منسوخة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا ]. السنن الكبرى ج8 ص367، ط دار الكتب العلمية – بيروت.
———–
بخصوص السؤال الرابع: [هل حرق عثمان ما جمعه أبو بكر ؟ إذا نعم فلماذا وإذا لا فماذا كان مصيرها ؟].
الجواب: الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه لم يحرق الصحف التي أمر الخليفة الأول أبو بكر بجمعها، وإنما أَخَذَ هذه الصحف ونَسَخَ منها المصاحف الستة، ثم رَدَّ هذه الصحف إلى السيدة حفصة ابنة الخليفة الثاني عمر رضي الله عنهما مرة أخرى.
ورواية البخاري التي فيها الدليل على كلامي هذا عرضتها في حلقتي في الدقيقة 15:33
ويقال إن عبد الملك بن مروان أخذ هذه الصحف بعد وفاة السيدة حفصة وأحرقها.
———–
بخصوص السؤال الخامس: [مع وجود مجمع أبي بكر ثم مصحف عثمان كيف تفسر وجود 14 قراءة معتمدة للقرآن وأكثر من ألف قراءة أخرى ؟].
الجواب: القراءات الأربع عشر قراءات معتمدة قرأ بها النبيُ صلى الله عليه وسلم، وعلمها لأصحابه، ويدل على ذلك حديث هشام بن حكيم مع عمر بن الخطاب!
عن عمر بن الخطاب قال: [سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرتُ حتى سَلَّمَ، فلببته بردائه فقلت: مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟! قال هشام: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: كذبتَ، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ، قال عمر: فانطلقتُ به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعتُ هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، قال عمر: فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه]. رواه البخاري.
لاحظ أن الاثنين قالوا إنهما تعلما هذه القراءة من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرةً! وحينما أعاد كُلٌّ منهما القراءة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم أَقَرَّهُ الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ينكر عليه!
فكل القراءات الصحيحة أوحاها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام عَلَّمَهَا لأصحابه، والصحابة بَلَّغوها وعَلَّمُوها كلها للأمة الإسلامية.
———–
الجواب: بخصوص السؤال السادس: [هل لاحظت أنك عرضت أكثر من رواية لحديث علي وهذا دليل على أن النقل الشفوي للمعلومة غير آمن 100 في 100].
أقول: تكامل الروايات ليست دليلا على جواز الشك بها، لأن الصحابي غير مُلْزَم أن يروي كل رواية كاملة بجميع ألفاظها ، فحينما يُسْأَل الصحابيُ عن شيء ما فقدْ يجيب السائل على قدر سؤاله، وقد يتوسع في الجواب، وهذا الأمر يختلف من شخص إلى آخر !، فالنبي صلى الله عليه وسلم سأله أحد الصحابة عن حكم الوضوء من ماء البحر، فقال: [ هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ ]. لاحظ معي أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم احتوى على مسألتين، والجزء الأول فيه الإجابة عن السؤال: [ هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ ]، ومع ذلك لم يَكْتَفِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل أعطى السائل زيادة على الجواب بحكم آخر وهو جواز أكل أسماك البحر وحياتنه حتى لو ماتت، وهكذا يفعل الجميع، فقد يُسأَلُ أحد الصحابة عن حكم أكل ميتة البحر فيقول فقط: [ الحِلُّ مَيْتَتُهُ ]. وهذا طبعًا ليس تحريفًا للحديث أو شكًّا به.
———–
بخصوص السؤال السابع: [هل من غير المستبعد أن يكون القرآن دخله بعض التغيير والتحريف ؟].
الجواب: بل يستحيل أن يدخله تحريف أو تغيير على الإطلاق.
———–
بخصوص السؤال الثامن: [إذا كان عمر يؤمن باللوح المحفوظ فلماذا يخشى على النسخة الأرضية للقرآن ؟ ].
الجواب: لأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا هَيَّأَ الأسباب الماديَّة لحدوثه، فليس معنى أن الله حافظ لهذا الكتاب من التحريف أن يتركه المسلمون بلا عناية وجمع وتدوين وحفظ، بل نقول إن حفظ الله للقرآن الكريم من التحريف والضياع كان عن طريق تهيئة هذه الأسباب التي أدت لحفظه.
———–
بخصوص السؤال التاسع: [في ظل وجود اللوح المحفوظ هل يمكن لك أن تعدد لنا أوجه الاختلاف مع النسخة الأرضية ؟].
الجواب: تستطيع أن تفتح أي مصحف من مصاحف القراءات القرآنية، لتعرف جميع القراءات القرآنية التي أنزل الله بها القرآن الكريم، وهي عينها الموجودة في اللوح المحفوظ.
———–
بخصوص السؤال العاشر: [هل مثلا سور الفاتحة والمعوذتان ضمن اللوح المحفوظ ؟ هل يتضمن آية الرجم ؟ هل يتضمن ما أكله الداجن في بيت عائشة ؟].
الجواب: هذا السؤال أجبت عنه في السؤال السابق، فاللوح المحفوظ يحتوي على كل شيء، سواء كان القرآن الكريم بجميع قراءاته أو غيره.
وأما رواية الداجن فقد أجبتك أعلاه بأنها رواية غير صحيحة، وعلى فرض صحتها فالآية لم تضع، وإنما هي موجودة ومعروفة.
———–
بخصوص السؤال الحادي عشر: [هل هو بعدة قراءات أم بقراءة واحدة؟ وماهي هذه القراءة من بين القراءات المتداولة اليوم ؟].
الجواب: القرآن الكريم نزل بعدة قراءات ليحتمل جميع المعاني التي أراد الله سبحانه وتعالى إيصالها للبشر، وسأضرب لك مثالًا واحدًا على اختلاف القراءات لإثراء المَعنى.
في سورة البقرة يقول الله سبحانه وتعالى: { وما الله بغافل عما تَعملون}.
وقوله ( تَعملون ) خطاب للحاضرين، وجاءت نفس الآية في قراءة أخرى ( يَعملون ) وهذا الكلام عن الغائبين.
فَبَدَلًا من أن يُنَزِّلَ اللهُ آيتينِ، آية يخاطب فيها الحاضرين وآية يخاطب فيها الغائبين ؛ أنزل الله آيةً واحدةً، وأنزلها بقرائتَينِ، فأوصل لنا المعنيينِ، بأسلوب وجيز مختصر، فعرفنا أن الخطاب للحاضرين والغائبين معًا.
وهكذا أنزل الله القرآن الكريم بجميع قراءاته لتوصيل جميع المعاني المطلوب إيصالها للبشر.
———–
بخصوص السؤال الثاني عشر: [ هل يتضمن اللوح المحفوظ الآيات المنسوخة ؟].
الجواب: نعم اللوح المحفوظ يحتوي على الآيات المنسوخة وكل شيء يخطر على بالك فيما مضى وحدث أو سيحدث إلى قيام الساعة.
والدليل على ذلك هو قول النبي صلى الله عليه وسلم:
[ إن أوَّلَ ما خلقَ الله القلمُ، فقال له: اكتُبْ، قال: ربَّ، وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كل شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ]. سنن أبي داود (7/ 86).
أرجو أن أكون قد وُفِّقْتُ في إجابة أسئلتك، وَفَّقنا الله وإياك لما يحب ويرضى ،،،،

عمار بن ياسر يشتم عثمان بن عفان!!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد سألني أحد الإخوة الأفاضل عما جاء في هذه الصورة من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد.

yashtom.3othman
فاستعنت بالله وكتبت ردًا على هذه الرواية أقول:
أولا: إنْ صَحَّتِ الرواية ووقع هذا السَّبُّ من عمار في حق عثمان رضي الله عنهما فلقد وقع ما هو أكثر من السَّبِّ، وهو القتال!!
ووقوع القتال بين المؤمنين لا يعني الفِسْق أو الكُفْر أو ينفي العدالة عن أحد الطرفين أو كليهما، فقد قال الله سبحانه وتعالى:
{ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }.(1)
فمع وقوع القتال بينهما وَصَفَ اللهُ الفريقينِ بالمؤمنين، وبعد أن تَوَّجَ الله هذه الطوائف المتقاتلة بالشهادة لها الإيمان شَهِدَ لها في الآية التي تليها بِالْأُخُوَّةِ الإيمانية، فقال جَلَّ جلاله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }.(2)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ .. ].(3)
قال الإمام ابن كثير:
[ وَهَاتَانِ الْفِئَتَانِ هُمَا أَصْحَابُ الْجَمَلِ، وَأَصْحَابُ صِفِّينَ. فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا يَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَتَنَازَعُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُلْكِ، وَمُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ الْعَائِدِ نَفْعُهَا عَلَى الْأُمَّةِ وَالرَّعَايَا، وَكَانَ تَرْكُ الْقِتَالِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ ].(4)
وأيضا قد شَهِدَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لمعاوية رضي الله عنه وفريقه بالإسلام، فقال للحسن بن علي رضي الله عنهما:
[ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ].(5)
وهذا عَيْنُ ما حَدَثَ بين فريق الحسن بن علي رضي الله عنهما وفريق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وقد تم الصُلْحُ بين الفريقين بالفعل، وتحققت النبوءة النبوية بعد أكثر من أربعين سنة!!
وهذا كله يدل على أن القتال لا ينفي الإسلام أو الإيمان عن الفرق المتقاتلة، فإن كان وقوع القتال بين المؤمنين لا يجعلهم فاسقين، فمن باب أولى ألا يكون الشتم كذلك!
ولا يحتج علينا أَحَدٌ بحديث: [سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر]، لأن هذا محمول على مَنَّ سَبَّ أَو قاتَلَ مسلمًا من غير تأْويل، وقيل: إِنما قال ذلك على جهة التغليظ، لا أَنه يُخْرِجُه إِلى الفِسْقِ والكفر.(6)

ولو فرضنا وقوع السب من بعض الصحابة؛ فكان ماذا ؟! أليس الصحابة بَشَرًا كالبشر، يُصِيبُون ويُخْطِؤون، ويضحكون ويبكون، ويَسعدون ويحزنون، ويرضون ويغضبون، ويأكلون ويشربون، ويطيعون ويعصون؟! فهل قال لكم أحد إننا نقول بعصمتهم؟! ألم يقع الزنا من ماعز والغامدية؟! ألم يَتَخَلَّفْ بعضُهُم عن الغزو وتابوا حتى تاب الله عليهم وتقبل توبتهم؟! ألم يُخَالِفْ بعضُهُم أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أُحُدٍ فنزلوا من على الجبل مما أَدَّى لهزيمة المسلمين يومئذ؟!
نعم الصحابة رضي الله عنهم بشر يُخطئون ويصيبون، ولكنهم كانوا صالحين، يسارعون بالتوبة إذا عَصوا وأخطؤوا ، فماذا إنْ وَقَعَ مِن أَحَدِهِم خطأ أو معصية، مع نُدْرَةِ معصيتهم وقِلَّةِ أخطائهم؟! 

ثانيًا: أول شروط صحة الرواية هو اتصال السند، وهذه الرواية في سندها انقطاع ظاهر! وإليك الرواية بسَنَدِهَا:
قال الإمام ابن سعد:
[قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي غادية قال: سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة قال: فتوعدته بالقتل قلت: لئن أمكنني الله منك لأفعلن. فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس. فقيل هذا عمار. فرأيت فرجة بين الرئتين وبين الساقين. قال فحملت عليه فطعنته في ركبته. قال: فوقع فقتلته. فقيل قتلت عمار بن ياسر. وأخبر عمرو بن العاص فقال: [سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول إن قاتله وسالبه في النار] . فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تقاتله. فقال: إنما قال قاتله وسالبه]..(7)
وأبو حفص وكلثوم بن جبر لم يحضرا هذه الواقعة!
قال الإمام الذهبي:
[إِسْنَادُهُ فِيْهِ انْقِطَاعٌ].(8)
ومن المعلوم أن أول شروط صحة الرواية هو اتصال الإسناد.
قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح:
[ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلَّلًا ].(9)
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر:
[وقال سائر أهل الفقه وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار – فيما علمتُ – : الانقطاع في الأثر عِلَّةٌ تمنع من وجوب العمل به، وسواء عارضه خبرٌ مُتَّصِلٌ أم لا ].(10)
فليس مجرد توثيق الرواة كافٍ لتصحيح الرواية كما كتب ناشر الصورة عليها ليوهم القارئ بصحة الرواية!
ثالثا: هناك استثناء شرعي واضح لبعض الناس بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وابن سعد صاحب الطبقات ذكر هذه الرواية ضمن الطبقة الأولى من البدريين من المهاجرين والأنصار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ].(11)
قال الله سبحانه وتعالى:
{ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.(12)

فهؤلاء قوم قد حطوا رِحَالَهم في الجنة، والاستدلال بمثل هذا على جواز سَبِّ الصحابة كعثمان بن عفان وغيره من أبطل الباطل وأضلِّ الضلال!
فهل مَنْ يَسُبُّ الصحابة اليومَ يأمن على نفسه النفاق أو نزل فيه نصٌّ صحيحٌ صريحٌ يضمن له الجنة كهؤلاء الأكَابِر؟!

والحمد لله رب العالمين ،،،،

مراجع البحث:
1. سورة الحجرات – آية: 9.
2. سورة الحجرات – آية: 10.
3. صحيح البخاري – حديث رقم: 7121. 
4. البداية والنهاية ج9 ص192.
5. صحيح البخاري – حديث رقم: 2704.
6. لسان العرب لابن منظور ج1 ص455، ط دار صادر – بيروت.
7. الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص241، ط مكتبة الخانجي – القاهرة.
8. سير أعلام النبلاء ج2 ص544، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.
9. علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11، ط دار الفكر المعاصر – لبنان، دار الفكر – سوريا.
10. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج1 ص5.
11. صحيح البخاري – حديث رقم: 4274.
12. سورة التوبة – آية: 100.

%d مدونون معجبون بهذه: