أرشيف المدونة

شبهة قول النبي "أما ابن عمي فهتك عِرضي"

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول الرسول الكريم

شبهة قول النبي “أما ابن عمي فهتك عرضي

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

 هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول أخلاق رسولنا الكريم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

ادَّعى النصارى أنَّ أبا سفيانَ بن حِرب كان قد فَعَلَ برسول الله صلى الله عليه وسلم  كذا وكذا.! وإني لأستحي مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ أكتبَ عنه ما قاله هؤلاء الأنجاس الأرجاس عليهم لعائن الله تتراً متتابعة إلى يوم القيامة !!

 واستدلوا بما رواه الإمام الحاكم قال:

{ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَـا قَالَ: مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلَامٌ وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَقَدْ عَمِيَتِ الْأَخْبَارُ عَلَى قُرَيْشٍ ، فَلَا يَأْتِيَهُمْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ صَانِعٌ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّـةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَنِيَّةَ الْعِقَابِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ عَمِّكَ ، وَابْنُ عَمَّتِكَ ، وَصِهْرُكِ ، فَقَالَ: ” لَا حَاجَةَ لِي فِيهِمَـا ، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي ، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي ، قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ ” فَلَمَّـا خَرَجَ الْخَبَرُ إِلَيْهِمـَا بِذَلِكَ وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأَذْنَنَّ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا ، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا أَوْ جُوعًا ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَّ لَهُمَـا فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ قَوْلَهُ فِي إِسْلَامِهِ، وَاعْتِذَارِهِ مِمَّا كَانَ مَضَى فِيهِ ، فَقَالَ:

لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً … لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ

لَكَا لِمُدْلِجِ الْحَيْرَانُ أَظْلَمَ لَيْلَةً … فَهَذَا أَوَانُ الْحَقِّ أَهْدِي وَأَهْتَدِي

فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَكُمْ … وَقُلْ لِثَقِيفٍ تِلْكَ عِنْدِي فَاوْعَدِي

هَدَانِي هَادٍ غَيْرَ نَفْسِي وَدَلَّنِي … إِلَى اللَّهِ مَنْ طَرَدْتُ كُلَّ مَطْرَدِ

أَفِرُّ سَرِيعًا جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ … وَأَدَّعِي وَلَوْ لَمْ أَنْتَسِبْ لِمُحَمَّدِ

هُمْ عُصْبَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَواهُمْ … وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلِمْ وَيُفَنَّدِ

أُرِيدُ لِأَرِضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلَافِظٍ … مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلِّ مَقْعَدِ

فَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي نَالَ عَامِرًا … وَلَا كَلَّ عَنْ خَيْرٍ لِسَانِي وَلَا يَدِي

قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ … تَوَابِعُ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ

وَإِنَّ الَّذِي أَخَرَجْتُمْ وَشَتَمْتُمْ سَيَسْعَى … لَكُمْ سَعْيَ امْرِئٍ غَيْرِ قَعْدَدِ

قَالَ: فَلَمَّا أَنْشَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِلَى اللَّهِ مَنْ طُرِدْتُ كُلَّ مَطْرَدِ ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِهِ ، فَقَالَ: ” أَنْتَ طَرَدْتَنِي كُلَّ مَطْرَدِ ” ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ” مَاتَتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَبْوَاءِ ، وَهِيَ تَزُورُ خَوَالَهَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ }.(1)

وللرد على هذه الفرية أقول:

أولاً: الرواية صحيحة:

فليس لأحدٍ أن يطعنَ فيها بسبب أنه يجهل معناها الصحيح أو لأنَّ النصارى يريدون الطعن بها في سيدنا وحبيب قلوبنا صلى الله عليه وسلم, فالرواية صحيحة لا مَطْعَنَ فيها.

قال الشيخ الألباني:

{ فالحديث صحيح بهذه الطرق والشواهد}.(2)

ثانياً: المعنى الصحيح للرواية مِن كتب اللغة:

من المعلوم لكل ذي عقل أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان عربياً، وكان ينطق بالعربية، فإذا ما أراد شخصٌ ما أن يفهم كلامه عليه الصلاة والسلام، فعليه أن يرجع للغة العرب حتى يَفهمَ كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم فَهماً صحيحاً، ولا يُخَرِّف هذا التخريف الذي قاله المفتري.

محل استدلال النصارى من الرواية هو قوله { أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي }.

فما هو معنى “هَتْك العِرْض” في لغة العرب؟

قال الإمام ابن منظور:

{ وعِرْضُ الرجلِ حَسبَهُ وقيل نفْسه وقيل خَلِيقَته المحمودة وقيل ما يُمْدح به ويُذَمُّ، وفي الحديث إِن أَعْراضَكم عليكم حَرامٌ كحُرْمةِ يومكم هذا، قال ابن الأَثير: هو جمع العِرْض المذكور على اختلاف القول فيه، قال حسان: فإِنَّ أَبي ووالِدَه وعِرْضِي لِعِرْض مُحَمَّدٍ مِنْكُم وِقَاءُ، قال ابن الأَثير: هذا خاصّ للنفس يقال أَكْرَمْت عنه عِرْضِي أَي صُنْتُ عنه نَفْسي وفلان نَقِيُّ العِرْض أَي بَرِيءٌ من أَن يُشْتَم أَو يُعابَ، والجمع أَعْراضٌ وعَرَضَ عِرْضَه يَعْرِضُه واعتَرَضَه إِذا وقع فيه وانتَقَصَه وشَتَمه أَو قاتَله أَو ساواه في الحسَب، أَنشد ابن الأَعرابي وقَوْماً آخَرِينَ تَعَرَّضُوا لي ولا أَجْني من الناسِ اعتِراضا أَي لا أَجْتَني شَتْماً منهم، ويقال لا تُعْرِضْ عِرْضَ فلان أَي لا تَذْكُرْه بسوء }.(3)

وحتى لا يَدَّعِيَ أحدٌ أنه لا يعرف كيف يبحث في كتاب مثل لسان العرب لابن منظور، ولا من أين يحصل عليه، فنستطيع أن نُسَهِّلَ عليه الأمرَ جداً بأن نذكرَ له كتاباً سيجده فِي بيته وَفِي كُلِّ بيتٍ تقريباً وهو كتاب المعجم الوجيز.

قال محررو المعجم الوجيز:

{ العِرْضُ: ما يُمْدَح وَيُذَمُّ مِنَ الْإِنْسَانِ، سَوَاءً كَانَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ سَلَفِهِ، أَوْ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُه }.(4)

وهذه صورة للقارئ الكريم من كتاب المعجم الوجيز:

clip_image004

كذلك جاء في لسان العرب معنى كلمة انتهاك العِرض.

قال الإمام ابنُ مَنْظُور:

{ والنَّهْك: المبالغة في كل شيء، والنَّاهِك والنَّهِيكُ: المبالغ في جميع الأَشياء. الأَصمعي: النَّهْك: أَن تبالغ في العمل فإِن شَتَمْتَ وبالغتَ في شَتْم العِرْض قيل: انْتَهَكَ عِرْضَه }.(5)

قال الإمامُ الزَّبِيدِيُّ:

{ ومن المَجازِ : نَهَكَ عِرضَه : بالَغَ في شَتْمِه }.(6)

{ وانْتَهَكَ عِرضَه : بالَغَ في شَتْمِه عن الأَصْمَعِي }.(7)

إذاً فقوله صلى الله عليه وسلم (أما ابن عمي فَهَتَكَ عِرْضِي) تعني خاض في عِرضِي وتكلم فيَّ.

والمعنى الحاصل مِن هذه الرواية أنَّ أبا سُفيانَ رضي الله عنه قبل إسلامه قام بهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم, وأطلق لسانه فيه.

وليس فيها أبداً هذا المعنى القبيح الذي فهمه جُهَّالُ النصارى الذين لا يعرفون شيئاً في اللغة العربية، وهذا المعنى لا يفهمه إلا من مُسِخَ عَقْلُه, وانقلب فِكْرُه, وَسَلَّمَ إلى غيره مفاتيح رأسه.

ثالثاً: فَهْمُ عُلماءِ الإسلام للرواية:

قال الإمام الحاكم بعد ذكره للرواية:

{ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُمَا حَلِيمَةُ،

 وَابْنُ عَمِّهِ ، ثُمَّ عَامَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُعَامَلَاتٍ قَبِيحَةٍ، وَهَجَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ حَتَّى أَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي ، يَقُولُ فِيهَا:

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ}.(8)

وعليه فقد فَسَّرَ الإمامُ الحاكمُ الروايةَ بعد أنْ ذَكَرَهَا بأنها تعني أن أبا سفيان قبل إسلامه هجا النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم في عِرضه.

قال الإمام ابن سعد:

{ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ شَاعِرًا، فَكَانَ يَهْجُو أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَكَانَ مُبَاعِدًا لِلْإِسْلَامِ شَدِيدًا عَلَى مَنْ دَخَلَ فِيهِ، وَكَانَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ أَيَّامًا، وَكَانَ يَأْلَفُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَكَانَ لَهُ تِرْبًا، فَلَمَّـا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَادَاهُ وَهَجَاهُ وَهَجَا أَصْحَابَهُ، فَمَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً عَدُوًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم، وَلَا تَخَلَّفَ عَنْ مَوْضِعٍ تَسِيرُ فِيهِ قُرَيْشٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم}.(9)

قال الإمام أبو عمر بن عبد البر:

{ وَكَانَ أَبُو سُفْيَان بْن الحارث بْن عبد المطلب من الشعراء المطبوعين، وَكَانَ سبق له هجاء فِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإياه عَارَضَ حسانُ بنُ ثابت بقوله:

أَلَا أَبْـلِـغْ أَبَا سُفْيَانَ عَـنِّي … مُـغَلْغَلةً فَقَدْ بَرَحَ الخفاءُ

هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْـجَزاءُ

وقد ذكرنا الأبياتَ فِي باب حسان. والشعر محفوظ. ثم أسلم فحسن إسلامه فيقال: إنه مَا رفع رأسه إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حياءً منه}.(10)

قال الإمام ابن الأثير:

{وَرُوِيَ أنَّ الذين كانوا يهجون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مشركي قريش: أَبُو سفيان بْن الحارث بْن عبد المطلب، وعبد اللَّه بْن الزبعري، وعمرو بْن العاص، وضرار بْن الخطاب}.(11)

قال الإمام ابن حجر العسقلاني:

{ وكان أبو سفيان مِـمَّنْ يُؤْذِي النَّبِيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وَيَهْجُوهُ ويؤذي المسلمين، وإلى ذلك أشار حسان بن ثابت في قصيدته المشهورة:

هَجَوْتَ مُـحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وعند اللَّه في ذاك الجزاءُ }.(12)

قال الإمام ابن تيمية:

{ ومن ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب : قصته في هجائه النبي صلى الله عليه و سلم و في إعراض النبي صلى الله عليه و سلم عنه لما جاءه مسلما مشهورة مستفيضة … أهدر – النبيُّ صلى الله عليه وسلم – دَمَ أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديد المشركين الذين كانوا أشد تأثيرا في الجهاد باليد و المال وهو قادم إلى مكة لا يريد أن يسفك دماء أهلها بل يستعطفهم على الإسلام، ولم يكن لذلك سبب يختص بأبي سفيان إلا الهجاء، ثم جاء مسلماً، وهو يعرض عنه هذا الإعراض، وكان من شأنه أن يتألف الأباعد على الإسلام فكيف بعشيرته الأقربين؟ كلُّ ذلك بسبب هَتْكِهِ عِرْضَهُ كما هو مُفَسَّرٌ في الحديث }.(13)

رابعاً: الأنبياء معصومون من هذه النقائص:

اتفقت الأمة الإسلامية على عصمة أنبياء الله ورسله من الوقوع في مثل هذه القاذورات والتي لا توجد إلا في كتاب النصارى، فالإسلام العظيم ينزه أنبياء الله جميعاً عن مثل هذه النقائص.

قال الإمام ابن تيمية:

{ إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر : هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف … وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول }.(14)

فبهذا يقرر علماءُ الأمةِ القولَ بعصمةِ الأنبياءِ مِن الكبائرِ والفواحش.

ولا شَكَّ ولا رَيْبَ أنَّ هذا الفعلَ الذي يتخيله النصارى يُعَدُّ من النقائص التي تُلْحِقُ بالإنسان العارَ والشنارَ, فلذلك نزَّه اللهُ أنبياءَه ورسلَه من الوقوع في مثلها.

خامساً: هذا الفعل لم يكن إطلاقاً عند العرب:

أقولُ أنَّ هذا الفعل المشين القبيح لم يكنْ معروفاً عند العرب, وإنما كان فاشياً في غيرهم من الأمم مثل الروم النصارى.

قال الإمام ابن كثير:

{ وَأَمَّا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا فَقَدْ كَانَ صَيِّنًا فِي نَفْسِهِ، حَازِمًا فِي رَأْيِهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَا تُعْرَفُ لَهُ صَبْوَةٌ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِهِ مَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَصَّ عَلَيْنَا قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ فِي كِتَابِهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ ذَكَرًا يَأْتِي ذَكَرًا كَمَا تُؤْتَى النِّسَاءُ }.(15)

فهذا دليل قاطع على عدم وجود هذا الفعل القبيح في العرب قبل وبعد النبوة, فالوليد بن عبد الملك يقول أنه لولا أنَّ الله عز وجل قَصَّ علينا قصة قوم لوط في القرآن الكريم، أنه ما يتخيل إطلاقاً أن ذَكَراً يأتي ذَكَراً كما تؤتى النساء, فهو لم يسمع عن هذا الفعل في قومه مطلقاً.!

سادساً: فَهْمُ النصارى للرواية لا يستقيم عقلاً:

أقول أنَّ فَهْمَ النصارى السقيم العقيم للرواية لا يستقيم والعقل البشري السليم الصحيح.

لأن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال الكلمة هكذا ولم يخجل منها، ومعلومٌ أنَّ أي إنسانٍ فُعِلَ به هذا

الفعل يخجل من الإفصاح عن ذلك أمام الناس، إذْ أنَّ الأمر مَنْقَصَةٌ وليس بمفخرة ليقولها الإنسان على الملأ هكذا أمام الناس.

سابعاً: تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل:

إذَا علمتَ أيها القارئ الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن فِعْلِ قوم لُوطٍ وَجَعَلَ له عقوبةً قاسيةً.

روى الإمام أبو داود في سننه قال:

{ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ }.(16)

هذا ما جاء بكتبنا في معنى هذه الرواية, فماذا قال النصارى في كتبهم بخصوص هذا الأمر ؟

ففي كتاب النصارى أفعالٌ يشيب لـها الولدان ومع ذلك ينسبها النصارى إلى الأنبياء والمرسلين.!!

يقول كاتب سفر صموئيل الثاني:

{قَدْ تَضَايَقْتُ عَلَيْكَ يَا أَخِي يُونَاثَانُ, كُنْتَ حُلْواً لِي جِدّاً مَحَبَّتُكَ لِي أَعْجَبُ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ}.(17)

وحتى لا يتهمني أحد بسوء النية فلننظر ما قالت ترجمة الحياة:
{ وَمَحَبَّتُكَ لِي كَانَتْ مَحَبَّةً عَجِيبَةً، أَرْوَعَ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ }.(18)

يقول القمص تادرس يعقوب ملطي:

{ محبة النساء لرجالهن عجيبة، إذ يتركن بيوت آبائهن وأهلهن ويلتصقن برجالهن، إنْ مَرِضُوا يخدمنهن…أما حُبُّ يوناثان فكان أعذب وأحلى… كَانَ بِحَقِ حُلْوًا في حُبِّه! أيُّ شيءٍ أعذب من الحب الأخوي الخالص الذي لا يطلب ما لنفسه بل ما لصديقه! }.(19)

فترك النصارى نصوصَ كتابهم الجنسية التي تَنُصُّ صراحةً على الزنا والدعارة والفجور والتي يُلْصِقُهَا كتابهم المحرَّفُ بأنبياء الله وراحوا يستدلون برواية ثم يحرِّفون معناها ليقدحوا في رسولنا الطاهر المطهر الذي فاضت طهارته على العالمين، وإنما حرَّف النصارى معنى الرواية لتتوافق مع ما تربَّى عليه النصارى في كتابهم من روايات وقصص عن الجنس والزنا والدعارة المقدسة.

 

مراجع البحـث:

 (1) المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم النيسابوريج3 ص48 ط دار الحرمين – القاهرة، ت: مقبل بن هادي الوادعي.

 (2) سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ج7 ص1030 ط مكتبة المعارف – الرياض.

 (3) لسان العرب للإمام أبي الفضل جمال الدين ابن منظور ج4 ص2887 ، ط دار المعارف – القاهرة .

 (4) المعجم الوجيز من إصدار مجمع اللغة العربية ص414 ط وزارة التربية والتعليم – مصر.

 (5) لسان العرب للإمام أبي الفضل جمال الدين ابن منظور ج6 ص4561 ، ط دار المعارف – القاهرة.

 (6) تاج العروس من جواهر القاموس للإمام الزَّبيدي ج27 ص378 ط وزارة الإرشاد والأنباء – الكويت، ت: عبد الستار أحمد فرَّاج.

 (7) تاج العروس من جواهر القاموس للإمام الزَّبيدي ج27 ص381 ط وزارة الإرشاد والأنباء – الكويت، ت: عبد الستار أحمد فرَّاج.

 (8) المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم النيسابوريج3 ص50 ط دار الحرمين – القاهرة، ت: مقبل بن هادي الوادعي.

 (9) الطبقات الكبرى للإمام محمد ابن سعد الزُّهْرِيّ ج4 ص46 ط مكتبة الخانجي- القاهرة، ت: د/علي محمد عمر.

(10) الاستيعاب في معرفة الأصحاب للإمام أبي عمر بن عبد البر ج4 ص1674 ط دار الجيل – بيروت، ت: علي محمد البجاوي.

(11) أسد الغابة في معرفة الصحابة للإمام  أبي الحسن ابن الأثير ج2 ص6 ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(12) الإصابة في تمييز الصحابة للإمام ابن حجر العسقلاني ج12 ص304 ط مركز هجر- الجيزة، ت: د/عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(13)  الصارم المسلول على شاتم الرسول للإمام ابن تيمية ج2 ص268 ط رمادي – الدَّمَّام، ت: محمد عمر الحلواني، محمد كبير شودري.

(14) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ج4 ص319 ط خادم الحرمين الشريفين – السعودية، ت: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.

(15) البداية والنهاية للإمام عماد الدين ابن كثير ج12 ص403 ط دار هجر- الجيزة، ت: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(16) سنن أبي داود للإمام أبي داود السجستاني ص802 ح4462 ط دار المعارف – بيروت، ت: مشهور بن حسن آل سلمان.

(17) كتاب النصارى – ترجمة الفانديك – العهد القديم –  سفر صموئيل الثاني فصل 1 فقرة 26 ص362 ط دار الكتاب المقدس – القاهرة.

(18) كتاب النصارى – ترجمة الحياة – العهد القديم –  سفر صموئيل الثاني فصل 1 فقرة 26 ص398 ط جي سي سنتر- القاهرة.

(19) تفسير سفر صموئيل الثاني للقمص تادرس يعقوب ملطي ص14 ط مركز الدلتا – الاسكندرية.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

 

الإعلانات

شبهة تغيير عثمان ابن عفان للمصاحف

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

شبهة رواية تغيير عثمان ابن عفان للمصاحف

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول عصمة القرآن الكريم.

قالوا كيف تقولون أن كتابكم محفوظ من التغيير وعندكم رواية تقول أن الخليفة الثالث عثمان ابن عفان غيَّر في القرآن آية ؟

واستدلوا بما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن:

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي يُونُسَ، قَالَتْ: قَرَأَ عَلَيَّ أَبِي، وَهُوَ ابْنُ ثَمـَانِينَ سَنَةً، فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمـاً وَعَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى) قَالَتْ: قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَ عُثْمَـانُ الْمَصَاحِفَ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ وَغَيْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ».(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

فالسندُ فيه امرأة مجهولة، ورجل ضعيف منكر الحديث.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحاً فقط ، ويجب أن تنطبق عليه شروط خمس وهي:

1- اتصال السند.

2- عدالة الرواة.

3- ضبط الرواة.

4- انتفاء الشذوذ.

5- انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلّلاً}.(2)

علل الرواية:

العِلَّة الأولى: حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي يُونُسَ مجهولة الحال.

فهذه المرأة لم يُوَثِّقْهَا أحدٌ مِنْ علماء الجرح والتعديل.

قال الشيخُ أكرم ابنُ محمد الأثري:

{حُميدة بنت أبي يونس الأنصارية، مولاة عائشة، من الثانية، لم أعرفها، ولم أجد لها ترجمة، ولم يعرفها الشيخ شاكر قبلي (5393)، ولم يتعرض الشيخ التركي في تحقيقه ((لتفسير الطبري)) (4/ 345) لترجمتها بشيء..}.(3)

إذاً، فحميدة مجهولة، ورواية الـمجهول عندنا مردودة غير مقبولة.

قال الإمام أبو عمرو ابنُ الصلاح:

{ الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ جَمِيعًا، وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْجَمَـاهِيرِ }.(4)

قال الإمام ابْنُ كَثِيرٍ:

{ فَأَمّا الْـمُبْهَمُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ ، أَوْ من سُمِّيَ وَلَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ فهذا ممن لا يَقْبَلُ رِوَايَتَهُ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ }.(5)

العلة الثانية: ابن أبى حميد منكر الحديث.

قال الإمام الذهبي:

حماد بن أبى حميد المدنى، وهو محمد بن أبى حميد الانصاري. ضعيف.

قال البخاري: منكر الحديث.

وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء.

وقال النسائي: ليس بثقة.(6)

فالسند ساقط ضعيف.

ملحوظة:

ذَكَرَ أبو عبيد للرواية طريقاً آخرَ فقال: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ وَغَيْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ»

وهذا الإسناد وإِنْ سَلِمَ من جهالة حُميدة ، وذكر بدلاً منها عبدَ الرحمنِ ابنَ هُرْمُزَ وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ إلا أنه مازال على ضعفه ونكارته لأنَّ فيه ابْنَ أَبِي حُمَيْدٍ ، وهذا يُعَدُّ اضطراباً من ابْنِ أَبِي حُمَيْدٍ هذا.

ثانياً: كتاب آخر يذكر الرواية:

لا يفوتني أن أنبِّه أن هذه الرواية محل بحثنا ، ذكرها الإمام ابن أبي داود في كتابه “المصاحف” بنفس هذا الإسناد الذي ذكره أبو عبيد.(7)

ولقد حَكَمَ مُحَقِّقُ الكتاب الدكتورُ محبُ الدين عبد السبحان واعظ على الرواية بالضعف ، فهي مَرْوية بنفس هذا الإسناد الضعيف.

تنبيه:

يستدل بعض النصارى على صحة الرواية بأن السيوطي ذكرها في الدر المنثور والإتقان !

وهذه لعمر الله فاجعة كبرى ، فالقوم يظنون أن تعديد ذِكْرِ المراجع التي تذكر الرواية حتى لو كانت بلا إسناد يدل على صحتها ! ولكنْ لا بأس فإنَّ مَنْ يؤمن بأن الربَّ عزَّ وجلَّ خروف يجوز عليه أن يكون بهذه الفهاهة والسفاهة. تعالى الله عن قول الكافرين عُلُواً كبيراً.

ثالثاً: في حالة صحة الرواية فلها مِحْمَلٌ حَسَنٌ تُحْمَلُ عليه:

أقول أن هذه الرواية على فرض صحتها فلها مَحْمَلٌ حَسَنٌ تُحْمَلُ عليه وليس فيها هذا المعنى الذي ورد في ذهن النصراني صاحب الشبهة.

لأن من المعلوم أن سيدَنا عثمان رضي الله عنه حينما جَمَعَ المصاحفَ أَسْقَطَ في هذا الجمعِ كُلَّ ما نُسِخَتْ تلاوتُه في العَرْضَةِ الأخيرة ، وذلك أن زيدَ ابنَ ثابت هو الذي قام بجمع القرآن وهو الذي حَضَرَ العَرْضَةَ الأخيرةَ التي أَخْبَرَ جبريلُ فيها النبيَ صلى الله عليه وسلم بما نُسِخَ من القرآن.

فلو كان في مصحف عائشة هذه الزيادةُ الواردة في الروايةِ محلِ البحثِ فهي حتماً من منسوخِ التلاوة كما سنبين في رابعاً.

رابعاً: السيوطي وضع الرواية تحت قسم منسوخ التلاوة:

ذكر الإمام السيوطي في الإتقان أبواباً في علوم القرآن الكريم وذكر النوعَ السابعَ والأربعينَ

في ناسخه ومنسوخه باب ما نسخت تلاوته دون حكمه.(8)

ثم بعدها ذكر السيوطي هذه الرواية محل بحثنا داخل هذا النوع من المنسوخ.(9)

خامساً: الرواية على فَهْمِ النصراني الخاطئ تخالف الصحيحَ المتفقَ عليه:

هذه الرواية مخالفة لـما اتفقت عليه الأمة الإسلامية

قال الإمام أبو عبيد راوي الرواية:

{ وَالَّذِي أَلَّفَهُ عُثْمَـانُ، هُوَ الَّذِي بَيْنَ ظَهْرِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَهُوَ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا مِثْلَمَا يُحْكَمُ عَلَى الْمُرْتَدِّ مِنَ الِاسْتِتَابَةِ، فَإِنْ أَبَى فَالْقَتْلُ }.(10)

وهذا يعني أن الإمام أبا عبيد لم يفهم من الرواية هذا الفهم السقيم العقيم الذي فهمه النصراني أو الرافضي

بل قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ بعد ذِكْرِ هذه الرواية وما يُشَابِـهُهَا:

{ هَذِهِ الْحُرُوفُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ مِنَ الزَّوَائِدِ لَمْ يَرْوِهَا الْعُلَمَاءُ، وَاحْتَمَلُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِثْلُ الَّذِي بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَلَمْ يَجْعَلُوا مَنْ جَحَدَهَا كَافِرًا. إِنَّمَا تُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ. وَيْحَكُمُ بِالْكُفْرِ عَلَى الْجَاحِدِ لِهَذَا الَّذِي بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ خَاصَّةً وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الْإِمَامِ الَّذِي نَسْخَهُ عُثْمَانُ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَإِسْقَاطٍ لِمَا سِوَاهُ ثُمَّ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، يَعْرِفُهُ جَاهِلُهُمْ كَمَا يَعْرِفُهُ عَالِمُهُمْ، وَتَوَارَثُهُ الْقُرُونُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَتَتَعَلَّمَهُ الْوِلْدَانُ فِي الْمَكْتَبِ. وَكَانَتْ هَذِهِ إِحْدَى مَنَاقِبِ عُثْمَـانَ الْعِظَامِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الزَّيْغِ طَعَنَ فِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لِلنَّاسِ ضَلَالُهُمْ فِي ذَلِكَ }.(11)

تنبيه:

نحن المسلمين لا نَقْبَلُ قِرَاءَةً من قراءاتِ القرآن الكريم إلا إذا توافر فيها شروط ثلاثة:

1- اتصال السند.

2- موافقة الرسم العثماني ولو احتمالا.

3- موافقة وجه من أوجه النحو.

قال الإمامُ ابنُ الـجَزَرِيِّ:

{ كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتِ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَوَافَقَتْ أَحَدَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَـانِيَّةِ وَلَوِ احْتِمَـالًا وَصَحَّ سَنَدُهَا، فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ رَدُّهَا وَلَا يَحِلُّ إِنْكَارُهَا، بَلْ هِيَ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمْ عَنِ الْعَشْرَةِ، أَمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْـمَقْبُولِينَ، وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ..هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ..}.(12)

فهذه الزيادة { وَعَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى} ليست صحيحةَ السندِ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وكذلك لَيْسَتْ موافقةً للرسم العثماني . إذاً فهي شاذةٌ لا تَثْبُتُ وهي أيضاً مخالفة لإجماع الأمة الإسلامية.

سادساً: عثمان ابن عفان لم يُغَيِّرْ شيئاً أبداً:

لقد ثبت بالسند الصحيح عن عثمان رضي الله عنه أنه لم يُغَيِّرْ شيئاً في المصحف مطلقاً.

روى البخاري في صحيحه:

{ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَـانَ بْنِ عَفَّانَ { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ }.(13)

وهذه والله قاصمةُ ظهرٍ وقاطعةُ لسانٍ لكل من يطعن في سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه.

سابعاً: من فمك أُدينك:

ألم ينظر هذا النصراني إلى ما في كتبه ؟

ألم يرَ حجمَ التحريفات والتخريفات التي في كتابه ؟

وهل مَنْ كان بيتُه من زجاج يقذف الناس بالحجارة ؟

تقول الترجمة الرهبانية اليسوعية:

{ إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية ولكن عددها كثيرٌ جداً على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها.

واكتشاف مصدر هذه الفوارق ليس بالأمر العسير ، فإن نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ، وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أي نسخة كانت – مهما بُذل فيها من الجهد بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه ، يُضاف إلى ذلك أن بَعْضَ النُّسَّاخِ حاولوا أحياناً ، عن حُسْنِ نية أن يُصَوِّبُوا ما جاء في مِثَالِهم وبَدَا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي ، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ ، ثم يمكن أن يضاف إلى ذلك كله أن استعمال كثير من الفقرات من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة أدَّى أحيانا كثيرة إلى إدخال زخارف غايتها تجميل الطقس أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت عليه التلاوة بصوت عالٍ .

ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مَرِّ القرون تراكم بعضُه على بعضِه الآَخَر . فكان النَّصُّ الذي وصل آخرَ الأمرِ إلى عهد الطباعة مُثْقَلاً بمختلف ألوان التبديل ، ظهرت في عدد كبير من القراءات }.(14)

مراجع البحـث:

(1) فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلّام ص324 ، ط دار ابن كثير – بيروت، ت: مروان العطية ومحسن خرابة ووفاء تقي الدين.

(2) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ، دار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عنتر.

(3) المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري للشيخ أكرم محمد الأثري ج2 ص835 ط الدار الأثرية – الأردن ، دار ابن عفان – القاهرة.

(4) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص111 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ودار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عنتر.

(5) الباعث الحثيث اختصار علوم شرح الحديث للإمام ابن كثير ص92 ، تأليف أحمد شاكر ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(6) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج2 ص358 ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(7) المصاحف للإمام أبي بكر ابن أبي داود السجستاني ج1ص370 ط دار البشائر – بيروت ، ت: د/محب الدين عبد السبحان واعظ.

(8) الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454 ط وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية.

(9) الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1458 ط وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية.

(10) فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلّام ص326 ، ط دار ابن كثير – بيروت، ت: مروان العطية ومحسن خرابة ووفاء تقي الدين.

(11) فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلّام ص325 ، ط دار ابن كثير – بيروت، ت: مروان العطية ومحسن خرابة ووفاء تقي الدين.

(12) النشر في القراءات العشر للإمام محمد ابن الجزري ج1 ص9 ط دار الكتب العلمية – بيروت ، ت: الشيخ علي محمد الضَّبَّاع .

(13) صحيح البخاري للإمام محمد ابن إسماعيل البخاري ص1109 ح4530، ط دار ابن كثير – بيروت.

(14) الترجمة الرهبانية اليسوعية ص12، ص13، مقدمة العهد الجديد، ط دار المشرق – بيروت،ترجمة بولس باسيم.

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

شبهة تغيير الحجاج الثقفي لمصحف عثمان بن عفان

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

شبهة تغيير الحجاج الثقفي لمصحف عثمان بن عفان

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول عصمة القرآن الكريم.

قالوا كيف تقولون أن كتابكم محفوظ من التغيير وعندكم رواية تقول أن الحجَّاج ابنَ يوسف الثقفي قام بتغيير حروف من القرآن الكريم ؟

واستدلوا بما رواه ابن أبي داود في كتابه “المصاحف” قال:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ غَيَّرَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ أَحَدَ عَشَرَ حَرْفًا قَالَ:

كَانَتْ فِي الْبَقَرَةِ (لَمْ يَتَسَنَّ وَانْظُرْ) بِغَيْرِ هَاءٍ فَغَيَّرَهَا {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] بِالْهَاءِ،

وَكَانَتْ فِي الْمَائِدَةِ (شَرِيعَةً وَمِنْهَاجًا) فَغَيَّرَهَا {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ،

وَكَانَتْ فِي يُونُسَ (هُوَ الَّذِي يَنْشُرُكُمْ) فَغَيَّرَهُ {يُسَيِّرُكُمْ} [يونس: 22] ،

وَكَانَتْ فِي يُوسُفَ (أَنَا آتِيكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) فَغَيَّرَهَا {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 45] ،

وَكَانَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ [ص:158] (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ لِلَّهِ لِلَّهِ) ثَلَاثَتُهُنَّ، فَجَعَلَ الْأُخْرَيَيْنِ (اللَّهُ اللَّهُ) ،

وَكَانَتْ فِي الشُّعَرَاءِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ (مِنَ الْمُخْرَجِينَ) ، وَفِي قِصَّةِ لُوطٍ (مِنَ الْمَرْجُومِينَ) فَغَيَّرَ قِصَّةَ نُوحٍ {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116] وَقِصَّةَ لُوطٍ {مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167] ،

وَكَانَتِ الزُّخْرُفُ (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعَايشَهُمْ) فَغَيَّرَهَا {مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32] ،

وَكَانَتْ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا (مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ) فَغَيَّرَهَا {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] ،

وَكَانَتْ فِي الْحَدِيدِ (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاتَّقَوْا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) ، فَغَيَّرَهَا {وَأَنْفَقُوا} [البقرة:195] ،

وَكَانَتْ فِي إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ) فَغَيَّرَهَا{بِضَنِينٍ} [التكوير:24] “.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

فسندُها فيه رجلٌ متروكُ الحديث ساقطُ العدالة عند علماء الحديث ، وكثيراً ما حذَّر العلماء منه.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحاً فقط ، ويجب أن تنطبق عليه شروط خمس وهي:

1- اتصال السند.

2- عدالة الرواة.

3- ضبط الرواة.

4- انتفاء الشذوذ.

5- انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلّلاً}.(2)

عِلَّة الرواية: عَبَّادُ بْنُ صُهَيْبٍ متروك الحديث.

قال الإمام الذهبي: عباد بن صهيب البصري ، أحد المتروكين .

· قال ابن المديني: ذهب حديثه .

· وقال البخاري والنسائي وغيرهما: متروك.

· وقال ابنُ حبان: كان قدرياً داعيةً ومع ذلك يروي أشياءَ إذا سَمِعَهَا المُبتدئُ في هذة الصناعة شهد لها بالوضع }.(3)

وعليه نقول أن هذا السندَ ساقطٌ ضعيفٌ لأن فيه راوياً متروكَ الحديث.

ثانياً: مُحَقِّقُ كتاب المصاحف حَكَمَ على الرواية بالضعف:

قال الدكتور محبُ الدينِ عبد السبحان واعظ:

هذا إسناد ضعيف جداً ، وعباد ابن صهيب متروك.(4)

ثالثاً: الرواية تخالف الصحيح المتفق عليه:

هذه الرواية مخالفة لـما أجمعت عليه الأمة الإسلامية واتفقت عليه.

قال الإمامُ أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد:

{ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَـاءُ أَنَّ مَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَـانَ بْنِ عَفَّانَ وَهُوَ الَّذِي بِأَيْدِي الْـمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ حَيْثُ كَانُوا هُوَ الْقُرْآنُ الـْمَحْفُوظُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ لِـمُسْلِمٍ إِلَّا بِمَـا فِيهِ ..}.(5)

وهذا إجماع من الأمة الإسلامية على مصحف عثمان ابن عفان رضي الله عنه بلا زيادة ولا نقصان ،

ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن إجماع الأمة معصوم.

روى ابن أبي عاصم في كتاب السُّنَّة:

عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

{ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي مِنْ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ }.(6)

ومصحف عثمان الذي أجمعت عليه الأمة هو نفسه المصحف الموجود الآن بين أيدينا اليوم لم يتغيَّر ولم يتبدَّل.

رابعاً: الحجاج كان يَتَّبِعُ مصحف عثمان ولا يخالفه:

هكذا نقلت لنا كتبُنا الإسلامية ما كان عليه الحجاج ابن يوسف الثقفي من تعظيم وتوقير وإجلال لمصحف عثمان ابن عفان رضي الله عنه.

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ

{ وَكَانَ ظَلُوْماً، جَبَّاراً، نَاصِبِيّاً، خَبِيْثاً، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ، وَإِقْدَامٍ، وَمَكْرٍ، وَدَهَاءٍ، وَفَصَاحَةٍ، وَبَلاَغَةٍ، وَتعَظِيْمٍ لِلْقُرَآنِ }.(7)

إذاً ، فالإمام الذهبي ذكر لنا محاسنَ ومساوئَ الحجَّاج ، فكان من محاسنه أنه كان مُعَظِّمـاً للقرآن الكريم.

فهلْ مَنْ يكونُ مُعَظِّمـاً للقرآن الكريم سيغيَّر فيه حرفاً ؟!

وهناك الكثير من الأدلة على تعظيم الحجاج للقرآن الكريم:

قال الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام:

{ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَسَدْتُ الْحَجَّاجَ عَدُوَّ اللَّهِ عليَّ شئ حَسَدِي إِيَّاهُ عَلَى حُبِّهِ الْقُرْآنَ وَإِعْطَائِهِ أَهْلَهُ عليه..}.(8)

قال الإمام بدر الدين العيني في كتابه عمدة القاري:

{ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَـا كَانَ يَتَّبِعُ مُصْحَفَ عُثْمَـانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يُخَالِفُهُ }.(9)

قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم:

{ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَـا كَانَ يَتَّبِعُ مُصْحَفَ عُثْمَـانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يُخَالِفُهُ }.(10)

خامساً: لو غيّر الحجاج حرفاً في القرآن لَقَتَلَهُ الخليفة:

أقول لو غيَّر الحجاجُ ابنُ يوسف الثقفي حرفاً واحداً في القرآن الكريم لقتله الخليفةُ عبدُ الملك ابنُ مروان ، فالخليفة رحمه الله كان حافظاً للقرآن الكريم تالياً له عالـمـاً به محافظاً عليه.

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

{ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ:لَقَدْ رَأَيْتُ المَدِيْنَةَ وَمَا بِهَا شَابٌّ أَشَدُّ تَشْمِيْراً وَلاَ أَفْقَهُ وَلاَ أَنْسَكُ وَلاَ أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللهِ مِنْ عَبْدِ المَلِكِ }.(11)

سادساً: من فمك أُدينك:

ألم ينظر هؤلاء إلى ما في كتبهم ؟ ألم يروا حجم التحريفات والتخريفات التي وقعت في كتابهم ؟

وهل من كان بيته من زجاج يقذف الناس بالحجارة ؟

يقول الأب فاضل سيداروس اليسوعي في كتابه تكوين الأناجيل:

{دُوِّنت الأناجيل الأربعة بسلطة الرسل . فنحن نعلم أن مرقس كان تلميذ بطرس الرسول ولوقا تلميذ بولس . وهذا لا يمنع من أن يكون إنجيل متى قد أصدره تلاميذه بعد إضافات ، إذ نذكِّر بوجود متى الآرامي ومتى اليوناني ، ولا أن يكون تلاميذ يوحنا قد أصدروا إنجيله ، إذ أن الفصل 21 مضاف ، شأن نهاية إنجيل مرقس .. }.(12)

فالأب فاضل اليسوعي يعترف أن الاناجيل زاد فيها التلاميذ وعبثوا فيها كما يحلو لهم ، فتلاميذ متَّى أضافوا على إنجيله ، وتلاميذ يوحنا أضافوا الإصحاح 21 كاملا ! ، وتلاميذ مرقس أضافوا آخر 12 عدداً على إنجيله.!

فأين وحيُ الله في كتابكم وماذا بقي لكم ؟!

مراجع البحـث:

 (1)  المصاحف للإمام أبي بكر ابن أبي داود السجستانيج1 ص280 ط دار البشائر – بيروت ، ت: د/محب الدين عبد السبحان واعظ.

 (2)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ،  دار الفكر –  سوريا  ، ت: نور الدين عنتر .

 (3)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج4 ص28 ط دار الكتب العلمية – بيروت .

 (4)  المصاحف للإمام أبي بكر ابن أبي داود السجستانيج1 ص280 ط دار البشائر – بيروت ، ت: د/محب الدين عبد السبحان واعظ.

 (5)  التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للإمام أبي عمر ابن عبد البر ج4 ص278ط وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب.

 (6)  السُّنَّة للإمام ابن أبي عاصم ج1 ص41 ط المكتب الإسلامي – بيروت ، ت: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

 (7)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج4 ص343 ط مؤسسة الرسالة – بيروت .

 (8)  تاريخ الإسلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج6 ص326 ط دار البيان العربي – بيروت ، ت: د/عمر عبد السلام تدمري.

 (9)  عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام بدر الدين العيني ج10 ص128ط دار الكتب العلمية – بيروت ، ت: عبد الله محمود محمد عمر.

(10) صحيح الإمام مسلم ابن الحجاج بشرح الإمام النووي ج9 ص63 ط مؤسسة قرطبة – مصر.

(11) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج4 ص246 ط مؤسسة الرسالة – بيروت .

(12) تكوين الأناجيل للأب فاضل سيداروس اليسوعي ص62 ، 63 ط دار المشرق – بيروت .

الرد مصوراً على هذه الشبهة

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

%d مدونون معجبون بهذه: