أرشيف المدونة

هل سَخِرَ معاوية من السيدة أم أيمن ؟!

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف شبهات عدنان إبراهيم حول الصحابي معاوية بن أبي سفيان y 

هل سَخِرَ معاوية بن أبي سفيان من السيدة أم أيمن ؟!

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:  

 هذه سلسلة ردود علمية على شبهات الدكتور عدنان إبراهيم حول الصحابة رضي الله عنهم.

تكلم د/ عدنان عن معاوية رضي الله عنه وقدح فيه قائلًا أن معاوية يسخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استدل بروايات لا تصح, وإليكم البيان:

استدلَّ بما ذكره الإمام الذهبي قال:

{ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِيِّ، قَالَ: قَدِمَ أُسَامَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، وَأَلْطَفَهُ، فَمَدَّ رِجْلَهُ.

فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ أَيْمَنَ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ظُنْبُوْبِ سَاقِهَا بِمَكَّةَ، كَأَنَّهُ ظُنْبُوْبُ نَعَامَةٍ خَرْجَاءَ.

فَقَالَ: فَعَلَ اللهُ بِكَ يَا مُعَاوِيَةُ، هِيَ وَاللهِ خَيْرٌ مِنْكَ!

قَالَ: يَقُوْل مُعَاوِيَة: اللَّهُمَّ غُفْراً.

الظُّنْبُوْبُ: هُوَ العَظْمُ الظَّاهِرُ. وَالخَرْجَاءُ: فِيْهَا بَيَاضٌ وَسَوَادٌ }.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولا: الرواية  غير صحيحة:

فسندها تالف ساقط فيه علل تمنعنا من قبوله.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم خبرًا حتى تنطبق عليه شروط قبول الرواية بقسميه الصحيح والحسن, وللصحيح شروط خمس وهي:

ü            اتصال السند.

ü            عدالة الرواة.

ü            ضبط الرواة.

ü            انتفاء الشذوذ.

ü            انتفاء العلة.

قال أبو عمرو بن الصلاح :{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذًّا ، وَلا مُعَلَّلًا }.(2)

علل الرواية:

العلة الأولى: أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِيُّ.

قال الإمام الذهبي:

{ الهيثم بن عدي الطائي أبو عبد الرحمن المنبجي ثم الكوفي

قال البخاري: ليس بثقة، كان يكذب.

 قال يعقوب بن محمد: سكتوا عنه.

وروى عباس عن يحيى قال: ليس بثقة، كان يكذب.

 وقال أبو داود: كذاب.

 وقال النسائي و غيره: متروك الحديث }.(3)

العلة الثانية: الانقطاع.

فَعَلَى فَرْضِ أنَّ الهيثم هذا كان ثقة، فالرواية أيضا ضعيفة بسبب الانقطاع.

فالهيثم بن عدي مُتَوَفَّى سنة 207 هجرية، وكان عمره وقتها 93 عاما.

قال الإمام الذهبي: { تُوُفِّيَ بِفَمِ الصَلْحِ، فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَمائَتَيْنِ، وَلَهُ ثَلاَثٌ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً }.(4)

وهذا يعني أنه وُلِدَ سنة 114 من الهجرة، في حين أن معاوية رضي الله عنه تُوُفِّيَ سنة 60 هجرية.

وأسامة بن زيد رضي الله عنه تُوُفِّيَ سنة 54 هجرية.

ثانيا: كُتُبٌ أخرى تذكر الرواية:

هذه الرواية ذكرها الإمامُ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء نَقْلًا عن كتاب تاريخ مدينة دمشق للإمام ابن عساكر.(5)

كما ذكرها البلاذري في كتابه أنساب الأشراف:

قال البلاذريُّ:

{  الْمَدَائِنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَائِدٍ قَالَ، قَالَ مُعَاوِيَةُ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: رَحِمَ الله أُمَّ أَيْمَنَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سَاقَيْهَا وَكَأَنَّهُمَا ظنبوبا نَعَامَةٍ خَرْجَاءَ، فَقَالَ: هِيَ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أُمِّكَ وَأَكْرَمُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ:

وَأَكْرَمَ أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: 13) }.(6)

علل الرواية:

العلة الأولى: عبد الله بن فائد، أبو اليقظان.

وهذا الرجل له ترجمة شائكة جِدًّا، مَفَادُهَا أنَّ هذا الرجل له أسماءٌ وكُنًى كثيرةٌ، منها اسمه هذا و(سُحَيم بن حفص)، و(عامر بن أبي محمد)، و(عامر بن حفص)، و(أبو إسحاق المالكي)، و(أبو اليقظان)، وغيرها من الأسماء !

 وقصته هذه لخَّصها الإمام الخطيب البغدادي !

قال الإمام الخطيب البغدادي:

{ …قال لي أبو الحسن المدائني أبو اليقظان هو سحيم بن حفص وسحيم لقب وها عامر بن حفص وكان لحفص ابن يقال له محمد وكان أكبر ولده ولم يكن به وكان حفص أسود يعرف بالأسود وقال لي أبو اليقظان سمتني أمي خمسة عشر يوما عبد الله فإذا قلت: حدثنا أبو اليقظان فهو أبو اليقظان فإذا قلت: سحيم بن حفص وعامر بن حفص وعامر بن أبي محمد وعامر بن الأسود وسحيم بن الأسود وعبد الله بن فائد وأبو إسحاق المالكي فهو أبو اليقظان}.(7)

وهو رجل مجهول الحال، لا يوجد مَنْ وَثَّقَهُ مِنْ عُلماءِ الجرح والتعديل. ورواية مجهول الحال لا يُحتجُّ بها عند العلماء.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{ الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ جَمِيعًا، وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ }.(8)

العلة الثانية: الانقطاع.

فعبد الله بن فائد أو سحيم بن حفص هذا لم يُدركْ أسامة بن زيد أو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم.

قال ياقوتُ الحمويُّ:

{ سُحَيْم بن حفص، أبو اليقظان، الراوية، الأخباريُّ…تُوُفِّيَ سنة تسعين ومائة }.(9)

فلو فرضنا أنه عاش 120 سنة، فهو أيضًا لَمْ يُدْرِكْ أَحَدَهُمَا أو كليهما. فالرواية منقطعة.

العلة الثالثة: البلاذري لَمْ يوثقه أحد من العلماء..

أقول أنَّ البلاذريَّ مُؤلِّفَ الكتاب لَمْ يُوَثِّقْهُ واحدٌ من علماء الجرح والتعديل.

وهذه النقطة تكلمنا عنها في الرد على فرية نبوءة النبي r بموت معاوية على غير الإسلام.

ثالثا: طالما أنَّ الرواية ضعيفة؛ فلماذا ذكرها العلماء ؟

الرافضة وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وسار على دربهم بسبب جهلهم بكتب أهل السُّنَّة والجماعة يسألون دائما هذا السؤال بعد أن ننسف لهم افتراءاتهم عن الصحابة، ويقولون: طالما أن الرواية ضعيفة, فلماذا يرويها الإمام ابن عساكر في تاريخه أو يذكرها الذهبي في سيره ؟؟

وهذا نفس السؤال الذي يسأله أتْبِاعُ عدنان إبراهيم بعد نسف الروايات مَحلَ استدلالهم !

وللرد على هذا السؤال أقول:

علماؤنا مثل الإمامِ ابنِ عساكر وغيره من المؤرخين كالطبري وابن الأثير والذهبي وابن كثير حينما صنفوا كتبهم هذه لم يشترطوا الصِّحَّةَ في كُلِّ ما ينقلونه !

بل كان هدفهم الوحيد هو جمع وتدوين كل ما قيل في الحقبة التاريخية الخطيرة.

وأما المتأخرون منهم فكان هدفهم سرد ما قيل عن كل شخص أو عن كل حقبة زمنية بغض النظر عن صحة الرواية وضعفها.

رابعًا: الرواية تخالِف الصحيحَ الثابتَ:

ادَّعَى عدنان إبراهيم في استدلاله بهذه الرواية أن معاوية لم يكن يوقِّر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم/ وسنعرض شيئا من أقوال علماء وثقات هذه الأمة عن أخلاق معاوية !

قال الإمامُ ابنُ كثير:

{ قَالَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْظَمَ حِلْمًـا، وَلَا أَكْثَرَ سُؤْدُدًا، وَلَا أَبَعْدَ أَنَاةً، وَلَا أَلْيَنَ مَخْرَجًا، وَلَا أَرْحَبَ بَاعًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مُعَاوِيَةَ }.(10)  

وقبيصة بن جابر الأسديُّ من سادة ونبلاء التابعين, وكان رحمه الله كوفيًّا !

 وهذا كلام الإمام الذهبي نفسه في معاوية رضي الله عنه، والذهبي هو صاحب الكتاب الذي ينقل منه عدنان إبراهيم !

قال الإمام الذهبي:

 { وَمُعَاوِيَةُ: مِنْ خِيَارِ المُلُوْكِ الَّذِيْنَ غَلَبَ عَدْلُهُم عَلَى ظُلْمِهِم، وَمَا هُوَ بِبَرِيْءٍ مِنَ الهَنَاتِ – وَاللهُ يَعْفُو عَنْهُ }.(11)

قال الإمام الذهبي:

{ حَسْبُكَ بِمَنْ يُؤَمِّرُهُ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ عَلَى إِقْلِيْمٍ ـ وَهُوَ ثَغْرٌ ـ فَيَضْبِطُهُ، وَيَقُوْمُ بِهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَيُرْضِي النَّاسَ بِسَخَائِهِ وَحِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ تَأَلَّمَ مَرَّةً مِنْهُ، وَكَذَلِكَ فَلْيَكُنِ المَلِكُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ – صلى الله عليه وآله وسلم – خَيْرًا مِنْهُ بِكَثِيْرٍ، وَأَفْضَلَ، وَأَصْلَحَ، فَهَذَا الرَّجُلُ سَادَ وَسَاسَ العَالَمَ بِكَمَالِ عَقْلِهِ، وَفَرْطِ حِلْمِهِ، وَسَعَةِ نَفْسِهِ، وَقُوَّةِ دَهَائِهِ وَرَأْيِهِ}.(12)

روى الإمام أبو بكر الخلَّالُ:

{ قال أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُكْتِبُ: كُنَّا عِنْدَ الْأَعْمَشِ، فَذَكَرُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَدْلَهُ، فَقَالَ الْأَعْمَشُ: فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكْتُمْ مُعَاوِيَةَ؟ قَالُوا: فِي حِلْمِهِ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، بَلْ فِي عَدْلِهِ }.(13)

خامساً: من فمك أُدينك:

عدنان إبراهيم له مقطع على موقع اليوتيوب يفتري فيه على صحيح الإمام البخاري، في محاولة يائسة لصد الناس عن هذا الكتاب العظيم، فقال أثناء كلامه أنَّ الإمامَ الذهبيَّ هو الحافظُ المؤرِّخُ العلَّامَةُ العظيمُ، العليمُ بالرِّجال !!

فلماذا ترك عدنانُ إبراهيم قولَ الإمام الذهبي في معاوية رضي الله عنه ؟!

هل عدنان إبراهيم أعلمُ بالرجال من الإمام الذهبيِّ ؟

ومدحُ معاوية رضي الله عنه لم يرد فقط عن الإمام الذهبي، وإنما عن كثير من علماء هذه الأمة !

روى الإمام ابن عساكر:

{ عن أبي الأشهب قال: قيل للحسن البصري: «يا أبا سعيد، إن هاهنا قوماً يشتمون أو يلعنون معاوية و ابن الزبير». فقال: «على أولئك الذين يلعنون، لعنة الله» }.(14)  

 والخلاصة أن هذه الروايات التي يذكرها عدنان مجرد أكاذيب وخرافات يريد عدنان حشرها في عقول أتباعه.

مراجع البحـث:

 (1)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج2 ص507, ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون.

 (2)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11، ط دار الفكر المعاصر – لبنان،  دار الفكر –  سوريا، ت: نور الدين عنتر.

 (3)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي  ج7 ص111، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: مجموعة من المحققين.

 (4)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج10 ص104, ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون.

 (5)  تاريخ مدينة دمشق للإمام ابن عساكر ج8 ص82 ، ط دار الفكر – بيروت. ت: محب الدين أبو سعيد العمروي.

 (6)  أنساب الأشراف للبلاذري ج5 ص40 ، ط دار الفكر – بيروت, ت: د/سُهِيل ذكَّار(شيعي) ، د/رياض زركلي .

 (7)  موضح أوهام الجمع والتفريق للإمام الخطيب البغدادي ج2 ص326, ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: أبي الفداء عبد الله القاضي.

 (8)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص111، ط دار الفكر المعاصر – لبنان،  دار الفكر –  سوريا، ت: نور الدين عنتر.

 (9)  معجم الأدباء لياقوتُ الحموي ج3، ص1342, طبعة دار الغرب الإسلامي – بيروت، ت: د/ إحسان عباس.

(10) البداية والنهاية للإمام عماد الدين بن كثير ج8 ص138 طبعة دار هجر –  الجيزة، ت: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(11) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج3 ص159, طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون.

(12) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج3 ص133, طلعة مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون.

(13) السُّنَّة للإمام أبي بكر الخلَّال ج2، ص437, طبعة دار الراية – الرياض، ت: د/ عطيّة الزهراني.

(14) تاريخ مدينة دمشق للإمام ابن عساكر  ج59 ص206، طبعة دار الفكر – بيروت. ت: محب الدين أبو سعيد العمروي.

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

الرد مصورًا على هذه الفرية 

الإعلانات

فرية أمر معاوية بسبِّ عليِّ بن أبي طالب !

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف شبهات الروافض حول الصحابي معاوية بن أبي سفيان

فرية معاوية بن أبي سفيان سَنََّ شتم علي بن أبي طالب على المنابر !

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

 هذه سلسلة ردود علمية على شبهات  الشيعة الروافض حول الصحابة رضي الله عنهم.

قالوا: كيف تحبون معاوية وتوالونه وهو الذي سَنََّ سَبََّ عليِّ بن أبي طالب على المنابر ؟

 واستدلوا بما رواه الطبري قال:

{ قال هشام بن مُحَمَّد، عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقعب ابن زهير، وفضيل بن خديج، والحسين بن عُقْبَةَ المرادي، قَالَ: كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَاجَتْمَعَ حديثهم فِيمَا سقت من حديث حجر ابن عدي الكندي وأَصْحَابه: أن مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ لما ولي الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ الْكُوفَة فِي جمادى سنة إحدى وأربعين دعاه، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فإن لذي الحلم قبل الْيَوْم مَا تقرع العصا… وَقَدْ أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتمادا عَلَى بصرك بِمَا يرضيني ويسعد سلطاني، ويصلح بِهِ رعيتي، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تَتَحَمَّ عن شتم علي وذمه، والترحم عَلَى عُثْمَـانَ والاستغفار لَهُ، والعيب عَلَى أَصْحَاب علي، والإقصاء لَهُمْ، وترك الاستماع مِنْهُمْ، وبإطراء شيعة عُثْمَـان رضوان اللَّه عَلَيْهِ، والإدناء لهم، والاسماع مِنْهُمْ فَقَالَ الْمُغِيرَة: قَدْ جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي دفع وَلا رفع وَلا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم قَالَ: بل نحمد إِنْ شَاءَ اللَّهُ }.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولا: الرواية  غير صحيحة:

فسندها تالف ساقط مليء بالعلل التي تمنعنا من قبوله.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم خبرًا حتى تنطبق عليه شروط قبول الرواية بقسميه الصحيح والحسن, وللصحيح شروط خمس وهي:

اتصال السند.

عدالة الرواة.

ضبط الرواة.

انتفاء الشذوذ.

انتفاء العلة.

قال أبو عمرو بن الصلاح :{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذًّا ، وَلا مُعَلَّلًا }.(2)

علل الرواية:

العلة الأولى: هشام بن محمد بن السائب الكلبي.

قال الإمام الذهبي:

{ قال أحمد بن حنبل: إنما كان صاحب سَمَرٍ وَنَسَبٍ، مَا ظَنَنْتُ أنَّ أَحَدًا يُحَدِّثُ عَنْهُ.

وقال الدارقطنيُّ وغيره: متروك.

وقال ابنُ عساكر: رافضي؛ ليس بثقة.

وقال الذهبي: وهشام لا يُوثق به }.(3)

العلة الثانية: أَبُو مِخْنَف؛ لُوط بن يحيى.

قال الإمام الذهبي:
{ لُوط بن يحيى أبو مِـخْنَـف؛ أخباري تالف لا يوثق به.

 تركه أبو حاتم وغيره.

وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: ضعيف.

 وقال ابنُ مَعِينٍ: ليس بثقة. وقال مرة ليس بشيء.

وقال ابنُ عَدِيٍّ: شِيعِيٌّ مُحترق صاحبُ أخبارهم }.(4)

العلة الثالثة: الانقطاع.

المجالد بن سعيد، والصقعب ابن زهير، وفضيل بن خديج، والحسين بن عُقْبَةَ المرادي؛ كل هؤلاء لم يدركوا هذه الوقائع فجميعهم وُلِدُوا بعد موت معاوية رضي الله عنه.!

أضف إلى ذلك أن مجالد بن سعيد ضعيف, وفضيل بن خديج قال أبو حاتم الرازي مجهول والراوي عنه متروك. والحسين بن عقبة لم أجد له ترجمة, والثقة الوحيد فيهم هو الصقعب بن زُهَير, وكما قلت أنه لم يدرك زمان معاوية رضي الله عنه ولا حتى رآه.!!

وعليه فالرواية ساقطة تالفة, لا تقوم بها حجة.!!

ثانيا: محققا تاريخ الطبري يُضَعِّفُونَ الرواية:

هذه الرواية ذكرها محققا تاريخ الطبري وقالا:

{ إسناده تالف, وفي متنه نكارة }.(5)

ثالثا: طالما أن الرواية ضعيفة فلماذا ذكرها الطبري:

الرافضة بسبب جهلهم بكتب أهل السُّنَّة والجماعة يسألون دائما هذا السؤال بعد أن ننسف لهم افتراءاتهم عن الصحابة؛ طالما أن الرواية ضعيفة, فلماذا يرويها الإمام الطبري في تاريخه؟؟

وهذا نفس السؤال الذي يسأله أتْبِاعُ عدنان إبراهيم بعد نسف الروايات محل استدلالهم !

وللرد على هذا السؤال أقول:

علماؤنا مثل الإمام الطبري وغيره حينما صنفوا كتبهم  هذه لم يشترطوا الصحة في كل ما ينقلونه

بل كان هدفهم الوحيد هو جمع وتدوين كل ما قيل في الحقبة التاريخية الخطيرة.

وسنضرب على ذلك مثالًا من كلام الإمام الطبري نفسه في مقدمة تاريخه.

قال الإمام الطبريُّ:

{فَمَـا يَكُنْ فِي كِتَابِي هَذَا مِنْ خَبَرٍ ذَكَرْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْـمَـاضِينَ، مِمَّا يَسْتَنْكِرُهُ قَارِئُهُ، أَوْ يَسْتَشْنِعُهُ سَامِعُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ وَجْهاً فِي الصِّحَّةِ وَلَا مَعْنَى فِي الْـحَقِيقَةِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِنَا، وَإِنَّمَـا أُتِىَ مِنْ قَبَلِ بَعْضِ نَاقِلِيهِ إِلَيْنَا، وَإِنَّا إِنَّمـَا أَدَّيْنَا ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا أُدِّيَ إِلَيْنَا }.(6)

فهذا الإمام الطبري جزاه الله خيرا يُصَرِّحُ أنه مجرد ناقل أمين لهذه التركة الضخمة من الأقوال والأفعال المروية إليه بالأسانيد, فجمع غفر الله له كل ما يقال بسنده, وتركه لنا.

فهل يجوز لنا أن نأخذ نحن كل ما في الكتاب دون بحث أو تمحيص أو تحقيق, وننسب للصحابة رضي الله عنه هذه الأهوال والروايات المكذوبة التي تنسب إليهم كل خبيث ومنكر ؟

رابعا: كتب أخرى تذكر الرواية:

هذه الرواية ذكرها الإمامُ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ.(7)

كثيرًا ما يحتج علينا بعضُ الرافضة وأتباع عدنان إبراهيم كذلك بعد أن ننسف ادعاءاتهم حول الصحابة بأن هناك كتبا أخرى غير تاريخ الطبري ذكرت نفس الرواية !

والرد الذي قلته سابقا يحوي الرد على هذه الفكرة.

ولكني أزيد فأقول: نحن كمسلمين من أهل السنة والجماعة لا نقبل خبرًا حتى تنطبق عليه شروط قبول الرواية التي ذكرناها آنفًا.

وأما أصحاب الكتب التي ذكرت الرواية فليس بينهم وبين أصحاب هذه الواقعة إسناد إليهم.

فإذا كنا رفضنا الرواية التي نعرف مَن الذي رواها لأنَّ فيها كذابين أو ضعفاء أو انقطاعا, فهل نقبل الرواية التي لا سند لها أصلا ؟؟ قليل من العقل يا سادة !!

خامسا: الرواية تخالف الصحيح الثابت:

قال الإمام الذهبي:                                  

 { جَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيُّ وَأُنَاسٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَقَالُوا: أَنْتَ تُنَازِعُ عَلِيًّا، أَمْ أَنْتَ مِثْلُهُ ؟

فَقَالَ: لاَ وَاللهِ، إِنِّيْ لأَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنِّي، وَأَحَقُّ بِالأَمْرِ مِنِّي، وَلَكِنْ أَلَسْتُم تَعْلَمُوْنَ أَنَّ عُثْمَـانَ قُتِلَ مَظْلُوْماً، وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ، وَالطَّالِبُ بِدَمِهِ، فَائْتُوْهُ، فَقُوْلُوا لَهُ، فَلْيَدْفَعْ إِلَيَّ قَتَلَةَ عُثْمَـانَ، وَأُسْلِمَ لَهُ.

فَأَتَوْا عَلِيّاً، فَكَلَّمُوْهُ، فَلَمْ يَدْفَعْهُم إِلَيْهِ }.(8)

وقال المحققون: رجاله ثقات.

فهذا إقرار من معاوية لعليٍّ رضي الله عنهما بالخلافة وأنه أفضل منه وأحق بأمر الخلافة منه.

فلماذا سيشتمه ؟!

سادساً: من فمك أُدينك:

سنفترض أن الرواية صحيحة – وهي مكذوبة قطعًا- فإن كتبكم يا رافضة تجعل مَنْ يَسُبُّ عليًا في حِلٍّ وليس عليه أي مؤاخذة.!!

قال المجلسيُّ:

{ عَنْ عليًّ قال: مَنْ سَبَّنِي فَهُوَ فِي حِلٍّ مِنْ سَبِّي }.(9)

سؤال للرافضة:

إذا كان معاوية يأمر بشتم عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه فهل يجعل هذا ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه يتعامل مع معاوية معاملة المُحِبِّ, ويذهب إليه ليأخذ منه المال ؟؟

بل كان معاوية رضي الله عنه يجزل له العطاء, ويعطيه ما لم يعطه أحدًا مثله قبه ولا بعده.!

قال الإمام ابنُ كثير:

{ قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لَأُجِيزَنَّكَ بِجَائِزَةٍ لَمْ يُجِزْ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ. وَوَفَدَ إِلَيْهِ مَرَّةً الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَأَجَازَهُمَا عَلَى الْفَوْرِ بِمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَقَالَ لَهُمَا: مَا أَجَازَ بِهَا

أَحَدٌ قَبْلِي. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَلَمْ تُعْطِ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنَّا }.(10)

والخلاصة أن هذه مجرد أكاذيب وخرافات حشرها الرافضة في عقول أتباعهم.

 وقبل أن يعترض أحد المعترضين قائلًا هناك روايات أخرى لم تجب عليها, فأبشره أن هذا البحث هو طليعة الموضوع فقط.

وقريبا يأتيكم تفنيد بقية الروايات التي يستدل بها هؤلاء الرافضة ومن سار على دربهم من أتباع عدنان إبراهيم.

والله الموفق والمستعان ،،،،

مراجع البحـث:

 (1)  تاريخ الرسل والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري ج5 ص253 ، ط دار المعارف – القاهرة, ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.

 (2)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11، ط دار الفكر المعاصر – لبنان،  دار الفكر –  سوريا، ت: نور الدين عنتر.

 (3)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي  ج7 ص89، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: مجموعة من المحققين.

 (4)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي  ج5 ص508، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: مجموعة من المحققين.

 (5)  ضعيف تاريخ الطبري للشيخين محمد صبحي حسن حلاق, محمد طاهر البرزنجي ج9 ص84 ، ط دار ابن كثير – بيروت.

 (6)  تاريخ الرسل والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري ج1 ص8 ، ط دار المعارف – القاهرة, ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.

 (7)  الكامل في التاريخ للإمام أبي الحسن ابن الأثير ج3 ص326, ط دار الكتب العلمية – بيروت، ت: أبي الفداء عبد الله القاضي.

 (8)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج3 ص140, ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون.

 (9)  بحار الأنوار للرافضي المجلسي ج34، ص19, طبعة مؤسسة الوفاء – بيروت.

(10) البداية والنهاية للإمام عماد الدين بن كثير ج11 ص444 ط  دار هجر –  الجيزة، ت: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

وصف الصحابة لمعاوية بالطاغية ! ردًا على عدنان

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

سلسلة الدليل والبرهان في براءة معاوية بن أبي سفيان

من أكاذيب الدكتور عدنان إبراهيم

فِرْية وصف الصحابة لـ معاوية بالطاغية

 لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات عدنان إبراهيم حول أمير المؤمنين الخليفة الراشد الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

ادَّعى عدنان إبراهيم في محاضرة بعنوان طليعة التبيان وهي الأولى من سلسلة (معاوية في الميزان) أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يُلَقِّبُونَ سيدنا معاوية بن أبي سفيان بالطاغية.!

واستدل بما رواه الإمامُ الطبري في تاريخه:

قَالَ الإمامُ الطبري:

{ وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، ولي يَزِيد فِي هلال رجب سنة ستين، وأمير الْـمَدِينَة الْوَلِيدُ بنُ عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ، وأمير الكوفة النعمانُ ابنُ بشير الأَنْصَارِيُّ، وأميرُ الْبَصْرَة عُبَيْدُ اللَّهِ بن زياد، وأمير مكة عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ، ولم يكن ليزيد هِمَّةٌ حين وَلِيَ إلا بيعة النفر الَّذِينَ أبوا عَلَى مُعَاوِيَة الإجابة إِلَى بيعة يَزِيد حين دعا الناس إِلَى بيعته، وأنه وَلِيَ عَهْدَهُ بَعْدَهُ، والفراغ من أمرهم الْوَلِيد فِي الأمر وَقَالَ: كيف ترى أن نصنع؟ قَالَ: فإني أَرَى أن تبعث الساعة إِلَى هَؤُلاءِ النفر فتدعوهم إِلَى البيعة والدخول فِي الطاعة، فإن فعلوا قبلت مِنْهُمْ، وَكَفَفْتَ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا قَدَّمْتَهُمْ فَضَرَبْتَ أَعْنَاقَهُمْ قبل أن يعلموا بموت مُعَاوِيَة، فإنهم إِنْ عَلِمُوا بموت مُعَاوِيَة وَثَبَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ فِي جانب، وَأَظْهَرَ الخلافَ والمنابذة، ودعا إِلَى نفسه لا أدري، أما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال، وَلا يحب أنه يُوَلَّى عَلَى الناس، إلا أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ هَذَا الأمر عَفْوًا فأرسل عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن عُثْمَـانَ- وَهُوَ إذ ذاك غلام حَدَثٌ- إليهما يدعوهما، فوجدهما فِي المسجد وهما جالسان، فأتاهما فِي ساعة لَمْ يَكُنِ الْوَلِيد يجلس فِيهَا لِلنَّاسِ، وَلا يأتيانه فِي مثلها، فَقَالَ: أجيبا، الأمير يدعوكما، فقال لَهُ: انصرف، الآن نأتيه ثُمَّ أقبل أحدهما عَلَى الآخر، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ للحُسَين: ظن فيما تراه بعث إلينا فِي هَذِهِ الساعة الَّتِي لَمْ يَكُنْ يجلس فِيهَا! فَقَالَ حُسَيْن: قَدْ ظننت، أرى طاغيتهم قَدْ هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو فِي الناس الخبر، فَقَالَ: وأنا مَا أظن غيره قَالَ: فما تريد أن تصنع؟ قَالَ: أجمع فتياني الساعة، ثُمَّ أمشي إِلَيْهِ، فإذا بلغت الباب احتبستهم عَلَيْهِ، ثُمَّ دخلت عَلَيْهِ. قَالَ: فإني أخافه عَلَيْك إذا دخلت، قَالَ: لا آتيه إلا وأنا عَلَى الامتناع قادر فقام فجمع إِلَيْهِ مواليه وأهل بيته، ثُمَّ أقبل يمشي حَتَّى انتهى إِلَى باب الْوَلِيد وَقَالَ لأَصْحَابه: إني داخل، فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قَدْ علا فاقتحموا عَلَيَّ بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حَتَّى أخرج إليكم، فدخل فسلم عَلَيْهِ بالإمرة ومروان جالس عنده، فَقَالَ حُسَيْن، كأنه لا يظن مَا يظن من موت مُعَاوِيَة: الصلة خير من القطيعة، أصلح اللَّه ذات بينكما! فلم يجيباه فِي هَذَا بشيء، وجاء حَتَّى جَلَسَ، فأقرأه الْوَلِيد الكتاب، ونعى لَهُ مُعَاوِيَة، ودعاه إِلَى البيعة، فَقَالَ حُسَيْن: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! ورحم اللَّه مُعَاوِيَة، وَعَظَّمَ لَكَ الأجر! أما مَا سألتني من البَيْعَةَ فَإِنَّ مِثْلِي لا يُعْطِي بَيعَتَهُ سِرًّا..}.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

فسندُها منقطع ومسلسل بالكذابين والرافضة.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً مقبولًا  بقسميه الصحيح والحسن فقط ، ويجب أن تنطبق عليى الصحيح شروط خمس وهي:

  • اتصال السند.
  • عدالة الرواة.
  • ضبط الرواة.
  • انتفاء الشذوذ.
  • انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلّلاً}.(2)

علل الرواية:

العلة الأولى: هشام بن محمد بن السائب الكلبي.

قال الإمام شمس الدين الذهبي:

{ هشام بن محمد بن السائب الكلبي أبو المنذر الأخباري النسابة العلامة

قال أحمد بن حنبل: إنمـا كان صاحب سَمَرٍ وَنَسَبٍ، ما ظَنَنْتُ أنَّ أحداً يُحَدِّثُ عنه.

وقال الدارقطني وغيره: متروك .

وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة.

قال الذهبي: وهشام لا يُوثَقُ به }.(3)

الْعِلَّة الثانية: أبو مخنف لوط بن يحيى.

قال الإمام شمس الدين الذهبي:

لوط بن يحيى، أبو مخنف، أخباري تَالِفٌ، لا يُوثَقُ بِهِ.

تركه أبو حاتم وغيره.

وقال الدارقطني: ضعيف.

وقال ابن معين: ليس بثقة.

وقال مَرَّةً: ليس بشيء.

وقال ابن عدي: شيعي محترق، صاحب أخبارهم.

تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَمائَةٍ.(4)

الْعِلَّة الثالثة:

أبو مخنف لم يعاصر فترة وفاة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

وقال الذهبي أنَّ أبا مخنف تُوفي سنة سبع وخمسين ومائة، ولو افترضنا أنه عاش ثمانين سنةً فيكون أبو مخنف قد وُلِدَ سنة سبع وسبعين من الهجرة.

ومعلوم لدينا أنَّ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه تُوُفِّيَ سنة سِتِّيْنَ من الهجرة.

وهذا يعني أن بين وفاة معاوية وواقعة ووقت القول المزعوم في الرواية على لسان الحسين ما يقرب من سبعة عشر سنةً.!

سبعة عشر عاماً من الانقطاع.!

هذا غير خمسة عشر عاماً على الأقل حتى يَعْقِلَ أبو مخنف ما يسمع.

فكيف عَلِمَ أبو مخنف بهذه الواقعة ، وَمَنِ الذي حَدَّثَهُ بها ؟

لا أشك لحظة واحدة أن القصة كلها من تأليف أبي مخنف هذا لِيُوهِمَ الْأُمَّةَ مِنْ بعده أنَّ الخلاف بين معاوية والحسين رضي الله عنهما كان كبيراً.

ولذلك استحق أنْ يصفه الذهبي بأنه أخباري تالف، لا يُوثَقُ بِهِ.

ثانياً: الرواية تُسِيءُ للحسين رضي الله عنه:

الرواية المكذوبة تُظْهِرُ الحسينَ رضي الله عنه بصورة المنافق.!

تَدَّعِي الرواية أنَّ الحسين رضي الله عنه فرح بموت معاوية وقال: {أرى طاغيتهم قد هلك} وفي نفس الوقت دخل على بني أمية يدعو لمعاوية بالرحمة.!

وكأنَّ الحسين رضي الله عنه رجل متذبذب بلا مبدأ ولا عقيدة راسخة وإيمان ثابت.!

وهل يُظَنُّ في مثل الحسين رضي الله عنه أن يفعل أفعال المنافقين ؟

ثالثاً: عدنان إبراهيم يخالف وصية الرسول:

أقول أنَّ عدنان إبراهيم خَالَفَ وصيةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.!

روى الإمام البخاري في صحيحه:

{ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي

فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ }.(5)

فهو دائم السَّبِّ والتطاول على الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.!

ألم ينظر عدنان إبراهيم فيما يقول قبل أن يقوله ؟ ألم يكن يعلم أن عليه أن يتحقق من صحة السند قبل أن يقول ما قال؟ ألا ينبغي أن يتفكر ولو قليلاً فيما ينقله من روايات مسيئة للصحب الكرام قبل نقلها ؟ ألا يعلم أنه بكلامه لهذا قد أساء للحسين قبل معاوية رضي الله عنها؟

كيف يَدَّعِي عدنان إبراهيم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يُسَمُّونَ معاويةَ بالطاغية معتمداً على رواية ساقطة الإسناد والمتن مثل هذه ؟

فهل ترى أيها القارئ الكريم أن عدنان إبراهيم رَاعَى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم وجود الصحابة في الامة دليل على خيريتها.

روى الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه:

{ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لاَ تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي , وَاللهِ لاَ تَزَالُونَ بِخَيْرٍ , مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي , وَصَاحَبَ مَنْ صَاحَبَنِي , وَاللهِ لاَ تَزَالُونَ بِخَيْرٍ , مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي , وَصَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَنِي }.(6)

فاللهَ اللهَ في الصحابة يا عدنان، واتق الله في نفسك، وانهها عن غيها، واعلم أنك بين يدي ربك موقوف ، وهو سائلك عما تقول، فَأَعِدَّ للسؤال جواباً. وعند الله تجتمع الخصوم.

مراجع البحـث:

(1) تاريخ الرسل والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري ج5 ص338، ط دار المعارف – مصر، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.

 (2) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ،  دار الفكر – سوريا  ، ت: نور الدين عنتر.

 (3) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج7 ص88 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (4) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج5 ص508 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (5) صحيح البخاري للإمام محمد ابن إسماعيل البخاري ص903 ح3673 ، ط دار بن كثير –  بيروت.

 (6) المصنف للإمام أبي بكر بن أبي شيبة ج17 ص309 ط دار القبلة- جدة، مؤسسة علوم القرآن – دمشق، ت: محمد عوامة.

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

الرد على هذه الفرية مصوراً

%d مدونون معجبون بهذه: