أرشيف المدونة

فرية قول ابن عمر عن جارية نافع: واهًا لريح فلانة !

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف افتراءات د/عدنان إبراهيم حول الصحابة

فرية قول ابن عمر عن جارية نافع: واهًا لريح فلانة !

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات عدنان إبراهيم حول أصحاب رسولنا الكريم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

ادَّعى عدنان إبراهيم في مَعْرضِ طعنه على عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ ابن عُمرَ أعتق جارية وأعطاها لنافع ثم إذا رأى ولد هذه الجارية اعتنقه وقال ” وَاهًا لريح فلانة ” ؟!!

وبالغ عدنان مستخدمًا لغةَ الجسد في أسوء معانيها لتصوير عبد الله بن عمر في صورة العاشق الولهان.!

واستدل بمـا رواه الإمام ابن سعد قال:

{ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَلَمَّـا اشْتَدَّ عُجْبُهُ بِهَا أَعْتَقَهَا، وَزَوَّجَهَا مَوْلًى لَهُ “، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هُوَ نَافِعٌ، فَوَلَدَتْ غُلامًا، قَالَ نَافِعٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَأْخُذُ ذَلِكَ الصَّبِيَّ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ” وَاهًا لِرِيحِ فُلانَةَ “، يَعْنِي الْجَارِيَةَ الَّتِي أَعْتَقَ؟}.(1)

وللردِّ على هذه الفرية أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

أقول أن هذه الرواية لا تصح، فسندُها ضعيف.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحاً فقط، ويجب أن تنطبق عليه شروط خمس وهي:

1- اتصال السند.

2- عدالة الرواة.

3- ضبط الرواة.

4- انتفاء الشذوذ.

5- انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح : { أَمَّا الْـحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ

الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذًّا ، وَلا مُعَلَّلًا }.(2)

علل الرواية:

العلة الأولى:عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ.

قال الإمامُ ابنُ حجر العسقلاني:

{ صَدُوقٌ عَابِدٌ رُبَّمَـا وَهِمَ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ }.(3)

قال الإمامُ ابنُ حِبَّان:

{ روى عن نافع أشياء لا يشك مَن الحديثُ صِناعَتُه إذا سَمِعَهَا أَنَّهَا مَوْضُوْعَةٌ، كَانَ يُحَدِّثُ بها توهمًا لا تعمدًا، ومن حَدَّثَ على الحسبان، وروى على التوهم حتى كَثُرَ ذلك منه سَقَطَ الاحتجاجُ به.

 وإنْ كان فَاضِلًا في نفسه…قال أبو حاتم: روى عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر نسخة موضوعة لا يحل ذِكْرُهَا إلا على سبيل الاعتبار}.(4)

تنبيه:

روى الإمام البخاري في صحيحه لعبد العزيز متابعةً وليس على سبيل الاحتجاج به.

وقد ترك الإمام سفيان الثوري صلاة الجنازة عليه لبدعته وقوله في الإرجاء.

العلة الثانية:محمد بن يزيد بن خُنَيْس.

قال الإمامُ ابنُ حجر العسقلاني:

{ مقبول }.(5)

وهذا يعني أنه يصلح في المتابعات وليس في الاحتجاج به.

وشيخنا الألباني في سلسلته الضعيفة كان يتحدث عن حديث موضوع, وكان له متابعة من طريق محمد بن يزيد بن خنيس فوصف متابعة ابن خنيس أنها متابعة واهية.

قال الشيخُ الألبانيُّ:

{ ثم إن الراوي عنه ابن خنيس ؛ قال الحافظ :”مقبول” ، قلت: فمثل هذه المتابعة الواهية لا تُعطي الحديث شيئاً من القوة ولا تُخرجُه عن كونه موضوعاً }.(6)

 وهكذا نرى أن الرواية لا تنهض ولا تقوم بها حجة على استدلال عدنان إبراهيم بها.

أفلا يتقي عدنان إبراهيم ربه في عِرض عبد الله بن عمر رضي الله عنه ؟

أبمثل هذه الروايات الضعيفة الواهية نتجرأ على عبد الله بن عمر ؟
إنا لله وإنا إليه راجعون !!

ثانياً: ابن عمر مِن أورع الصحابة وأتقاهم:

أقول أنَّ عبدَ الله بن عمر كَانَ مِنْ أورع وأتقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتعالوا إلى شيء مِنْ ورع وتقوى عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه:

عبد الله بن عمر أحد الذين أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز أنه رضي عنهم.

قال الإمام الذهبي:

{ أَسْلَمَ وَهُوَ صَغِيْرٌ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ أَبِيْهِ لَمْ يَحْتَلِمْ … وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ }.(7)
قال الإمام الذهبي:

{ قَالَ إِبْرَاهِيْمُ: قَالَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ: إِنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسهِ عَنِ الدُّنْيَا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ .

ابْنُ عَوْنٍ: عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مُتَوَافِرُوْنَ، وَمَا فِيْنَا شَابٌّ هُوَ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنِ ابْنِ عُمَرَ.

 وَقَالَ ابْنُ الـمُسَيِّبِ: لَوْ شَهِدْتُ لأَحَدٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، لَشَهِدْتُ لابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ: ثِقَتَانِ، عَنْهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ الـمُسَيِّبِ يَقُوْلُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمَ مَاتَ خَيْرَ مَنْ بَقِيَ.

وَعَنْ طَاوُوْسٍ: مَا رَأَيْتُ أَوْرَعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ }.(8)

وهذا يُبَيِّنُ لك ما كان عليه عبد الله بن عمر مِن ورع وتقوى وتعفف وتجرد وخشية لله رب العالمين.

ثالثاً: عدنان إبراهيم والصحابة:

ما الذي يريده عدنان إبراهيم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

ما فائدة طعنه في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

ما الخير الذي سيعود على الأمة الإسلامية من وراء هذا الطعن والغمز واللمز في الصحابة ؟

كم مِن شاب مُسلم بعيد عن طاعة الله سيهتدي بمثل هذا الكلام الساقط؟

كم مِن شابٍّ عاصٍ لله تبارك وتعالى سيتوب بسبب كلامك هذا ؟

وكم مِن مُلحد سيؤمن بالله والإسلام بعد كلامك هذا ؟

ما فائدةُ بَثِّ رواياتٍ مكذوبةٍ وضعيفةٍ بين الناس للقدح في أشرف الخلق بعد الرسل والأنبياء ؟

ما هذا الـخَطَل الذي لا يقبله عاقلٌ فضلًا عن عالمٍ وباحثٍ ؟؟

ثُمَّ مَن الذي قال أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان مِن هذا النوع مِن الرِّجال الذي يفعل فعلة كهذه من أجل امرأة؟

خذ يا عدنان لتعرف هل كان ابن عمر وَلِعًا بالنساء كما تصوره لمشاهديك أم لا !!

قال الإمام الذهبي:

 {وَقَالَ نَافِعٌ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:لَوْ تَرَكْنَا هَذَا البَابَ لِلنِّسَاءِ). قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدخْلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ }.(9)

الله أكبر الله أكبر !! ما هذا الاتِّبَاع الرائع !! ما هذه الطاعة الصافية !!

فانظر أيها القارئ الكريم إلى الاتباع المحمود العجيب لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم !

هذا هو العابد الزاهد المتبع مقتفي الأثر الشريف رضي الله عنه وعن أبيه.

العجيب أن عدنان أثناء عرض هذه الروايات الباطلة يقول أن عبد الله بن عمر كان تقيًا !!

عدنان حينما قال كلمة “واها لريح فلانة” أمسك كتابًا وَحَضَنَهُ وكأنَّ عبد الله بنَ عُمَر كان مُغْرَمًا بالمرأة.!

ثُمَّ لماذا يضع عدنان هذه التحابيش المنفرة على الرواية من كِيسِهِ، ولماذا يستخدم لغة الجسد هذا الاستخدام الفاحش؟ ولمصلحة من يتم الكلام عن صحابي جليل بهذه الطريقة المبتذلة ؟؟

ولغة الجسد هذه نعرفها ونعرف إلى ماذا يريد عدنان إبراهيم أن يوجه قلوب الناس وعقولهم.

رابعاً: ليس كل ما في الكتب صحيحًا:

أقول: ليس كُلُّ ما في كتب التاريخ أو السُّنة أو السيرة أو حتى التفسير صحيحاً، لأن علماءنا جزاهم الله عنا خيرًا كانوا يهتمون بجمع الروايات وتدوينها في الكتب حتى لا يضيع شيء منها.

ولم يقلْ واحدٌ مِنْ علماء التاريخ على الإطلاق أنَّ كُلَّ ما في كتابه صحيح. والأصل هو الإسناد.

يقول الدكتور إبراهيم العلي:

{ الإسنادُ لابد منه في كُلِّ أمر من أمور الدين, وعليه الاعتمادُ في الأحاديث النبوية وفي الأحكام الشرعية وفي المناقب والفضائل والمغازي والسير وغير ذلك من أمور الدين المتين والشرع المبين, فشيءٌ من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد مالم يتأكد بالإسناد, لاسيما بعد القرون المشهود لها بالخير… وقد شدد سلفنا الصالح رضوان الله عليهم على ضرورة الإسناد, وأنه مطلوب في الدين, وأنه مِن خصائص أُمَّة الإسلام }.(10)

روى الإمام الطبراني:

{ عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا»}.(11)

والرواية صَحَّحَهَا العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير بمجموع طرقها.(12)

وَأخيراً أُذكِّرُكَ بقول الله تعالى:
 { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَـهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّـا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.(سورة البقرة آية 134).

إضافة مهمة للموضوع: بتاريخ 23-7-2013

وقفتُ اليوم على تحقيق كتاب مجموع رسائل ابن رجب لأبي مصعب، “طلعت بن فؤاد الحُلواني” جزاه الله خيرا ووجدته قال في الرواية نفس ما قلتُه في بحثي،
فقال:
{ في إسناده محمد بن يزيد بن خنيس المكي، قال الحافظ في “التقريب”: مقبول. أي حيث يتابع وإلا فهو ضعيف، ولم يتابعه أحد عَلَى ما وقفت عليه، وعبد العزيز بن أبي رواد: صدوق ربما وهم. فالإسناد ضعيف، والله أعلم }.
(13)
فالحمد لله رب العالمين

مراجع البحـث:

 (1)  الطبقات الكبرى للإمام محمد بن سعد ج4 ص156، ط مكتبة الخانجي – القاهرة، ت: د علي محمد عمر.

 (2)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ، دار الفكر – سوريا، ت: نور الدين عنتر.

 (3)  تقريب التهذيب للإمام ابن حجر العسقلاني ص298 ت4096، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عادل مرشد.

 (4)  المجروحين من المحدثين للإمام ابن حبانج2 ص119، ط دار الصميعي الرياض، ت: الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي.

 (5)  تقريب التهذيب للإمام ابن حجر العسقلاني ص447 ت6396، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عادل مرشد.

 (6)  سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ج7 ص322، ط دار المعارف الرياض.

 (7)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج3 ص204، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط.

 (8)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج3 ص212، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط.

 (9)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج3 ص213، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط.

(10) صحيح السيرة النبوية للدكتور إبراهيم العلي ص12، طبعة دار النفائس – الأردن.

(11) المعجم الكبير للإمام سليمان بن أحمد الطبراني ج2 ص96, ط مكتبة بن تيمية – القاهرة، ت: حمدي عبد المجيد السلفي.

(12) صحيح الجامع الصغير للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ص155 ح545, ط المكتب الإسلامي – بيروت.

(13) مجموع رسائل ابن رجب للحافظ ابن رجب الحنبلي ج2 ص428, ط دار الفاروق الحديثة – القاهرة، ت:طلعت الحُلواني.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

الرد على هذه الفرية مصورا

شبهة قول النبي "أما ابن عمي فهتك عِرضي"

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول الرسول الكريم

شبهة قول النبي “أما ابن عمي فهتك عرضي

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

 هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول أخلاق رسولنا الكريم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

ادَّعى النصارى أنَّ أبا سفيانَ بن حِرب كان قد فَعَلَ برسول الله صلى الله عليه وسلم  كذا وكذا.! وإني لأستحي مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ أكتبَ عنه ما قاله هؤلاء الأنجاس الأرجاس عليهم لعائن الله تتراً متتابعة إلى يوم القيامة !!

 واستدلوا بما رواه الإمام الحاكم قال:

{ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَـا قَالَ: مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلَامٌ وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَقَدْ عَمِيَتِ الْأَخْبَارُ عَلَى قُرَيْشٍ ، فَلَا يَأْتِيَهُمْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ صَانِعٌ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّـةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَنِيَّةَ الْعِقَابِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ عَمِّكَ ، وَابْنُ عَمَّتِكَ ، وَصِهْرُكِ ، فَقَالَ: ” لَا حَاجَةَ لِي فِيهِمَـا ، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي ، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي ، قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ ” فَلَمَّـا خَرَجَ الْخَبَرُ إِلَيْهِمـَا بِذَلِكَ وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأَذْنَنَّ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا ، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا أَوْ جُوعًا ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَّ لَهُمَـا فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ قَوْلَهُ فِي إِسْلَامِهِ، وَاعْتِذَارِهِ مِمَّا كَانَ مَضَى فِيهِ ، فَقَالَ:

لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً … لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ

لَكَا لِمُدْلِجِ الْحَيْرَانُ أَظْلَمَ لَيْلَةً … فَهَذَا أَوَانُ الْحَقِّ أَهْدِي وَأَهْتَدِي

فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَكُمْ … وَقُلْ لِثَقِيفٍ تِلْكَ عِنْدِي فَاوْعَدِي

هَدَانِي هَادٍ غَيْرَ نَفْسِي وَدَلَّنِي … إِلَى اللَّهِ مَنْ طَرَدْتُ كُلَّ مَطْرَدِ

أَفِرُّ سَرِيعًا جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ … وَأَدَّعِي وَلَوْ لَمْ أَنْتَسِبْ لِمُحَمَّدِ

هُمْ عُصْبَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَواهُمْ … وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلِمْ وَيُفَنَّدِ

أُرِيدُ لِأَرِضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلَافِظٍ … مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلِّ مَقْعَدِ

فَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي نَالَ عَامِرًا … وَلَا كَلَّ عَنْ خَيْرٍ لِسَانِي وَلَا يَدِي

قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ … تَوَابِعُ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ

وَإِنَّ الَّذِي أَخَرَجْتُمْ وَشَتَمْتُمْ سَيَسْعَى … لَكُمْ سَعْيَ امْرِئٍ غَيْرِ قَعْدَدِ

قَالَ: فَلَمَّا أَنْشَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِلَى اللَّهِ مَنْ طُرِدْتُ كُلَّ مَطْرَدِ ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِهِ ، فَقَالَ: ” أَنْتَ طَرَدْتَنِي كُلَّ مَطْرَدِ ” ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ” مَاتَتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَبْوَاءِ ، وَهِيَ تَزُورُ خَوَالَهَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ }.(1)

وللرد على هذه الفرية أقول:

أولاً: الرواية صحيحة:

فليس لأحدٍ أن يطعنَ فيها بسبب أنه يجهل معناها الصحيح أو لأنَّ النصارى يريدون الطعن بها في سيدنا وحبيب قلوبنا صلى الله عليه وسلم, فالرواية صحيحة لا مَطْعَنَ فيها.

قال الشيخ الألباني:

{ فالحديث صحيح بهذه الطرق والشواهد}.(2)

ثانياً: المعنى الصحيح للرواية مِن كتب اللغة:

من المعلوم لكل ذي عقل أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان عربياً، وكان ينطق بالعربية، فإذا ما أراد شخصٌ ما أن يفهم كلامه عليه الصلاة والسلام، فعليه أن يرجع للغة العرب حتى يَفهمَ كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم فَهماً صحيحاً، ولا يُخَرِّف هذا التخريف الذي قاله المفتري.

محل استدلال النصارى من الرواية هو قوله { أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي }.

فما هو معنى “هَتْك العِرْض” في لغة العرب؟

قال الإمام ابن منظور:

{ وعِرْضُ الرجلِ حَسبَهُ وقيل نفْسه وقيل خَلِيقَته المحمودة وقيل ما يُمْدح به ويُذَمُّ، وفي الحديث إِن أَعْراضَكم عليكم حَرامٌ كحُرْمةِ يومكم هذا، قال ابن الأَثير: هو جمع العِرْض المذكور على اختلاف القول فيه، قال حسان: فإِنَّ أَبي ووالِدَه وعِرْضِي لِعِرْض مُحَمَّدٍ مِنْكُم وِقَاءُ، قال ابن الأَثير: هذا خاصّ للنفس يقال أَكْرَمْت عنه عِرْضِي أَي صُنْتُ عنه نَفْسي وفلان نَقِيُّ العِرْض أَي بَرِيءٌ من أَن يُشْتَم أَو يُعابَ، والجمع أَعْراضٌ وعَرَضَ عِرْضَه يَعْرِضُه واعتَرَضَه إِذا وقع فيه وانتَقَصَه وشَتَمه أَو قاتَله أَو ساواه في الحسَب، أَنشد ابن الأَعرابي وقَوْماً آخَرِينَ تَعَرَّضُوا لي ولا أَجْني من الناسِ اعتِراضا أَي لا أَجْتَني شَتْماً منهم، ويقال لا تُعْرِضْ عِرْضَ فلان أَي لا تَذْكُرْه بسوء }.(3)

وحتى لا يَدَّعِيَ أحدٌ أنه لا يعرف كيف يبحث في كتاب مثل لسان العرب لابن منظور، ولا من أين يحصل عليه، فنستطيع أن نُسَهِّلَ عليه الأمرَ جداً بأن نذكرَ له كتاباً سيجده فِي بيته وَفِي كُلِّ بيتٍ تقريباً وهو كتاب المعجم الوجيز.

قال محررو المعجم الوجيز:

{ العِرْضُ: ما يُمْدَح وَيُذَمُّ مِنَ الْإِنْسَانِ، سَوَاءً كَانَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ سَلَفِهِ، أَوْ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُه }.(4)

وهذه صورة للقارئ الكريم من كتاب المعجم الوجيز:

clip_image004

كذلك جاء في لسان العرب معنى كلمة انتهاك العِرض.

قال الإمام ابنُ مَنْظُور:

{ والنَّهْك: المبالغة في كل شيء، والنَّاهِك والنَّهِيكُ: المبالغ في جميع الأَشياء. الأَصمعي: النَّهْك: أَن تبالغ في العمل فإِن شَتَمْتَ وبالغتَ في شَتْم العِرْض قيل: انْتَهَكَ عِرْضَه }.(5)

قال الإمامُ الزَّبِيدِيُّ:

{ ومن المَجازِ : نَهَكَ عِرضَه : بالَغَ في شَتْمِه }.(6)

{ وانْتَهَكَ عِرضَه : بالَغَ في شَتْمِه عن الأَصْمَعِي }.(7)

إذاً فقوله صلى الله عليه وسلم (أما ابن عمي فَهَتَكَ عِرْضِي) تعني خاض في عِرضِي وتكلم فيَّ.

والمعنى الحاصل مِن هذه الرواية أنَّ أبا سُفيانَ رضي الله عنه قبل إسلامه قام بهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم, وأطلق لسانه فيه.

وليس فيها أبداً هذا المعنى القبيح الذي فهمه جُهَّالُ النصارى الذين لا يعرفون شيئاً في اللغة العربية، وهذا المعنى لا يفهمه إلا من مُسِخَ عَقْلُه, وانقلب فِكْرُه, وَسَلَّمَ إلى غيره مفاتيح رأسه.

ثالثاً: فَهْمُ عُلماءِ الإسلام للرواية:

قال الإمام الحاكم بعد ذكره للرواية:

{ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُمَا حَلِيمَةُ،

 وَابْنُ عَمِّهِ ، ثُمَّ عَامَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُعَامَلَاتٍ قَبِيحَةٍ، وَهَجَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ حَتَّى أَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي ، يَقُولُ فِيهَا:

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ}.(8)

وعليه فقد فَسَّرَ الإمامُ الحاكمُ الروايةَ بعد أنْ ذَكَرَهَا بأنها تعني أن أبا سفيان قبل إسلامه هجا النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم في عِرضه.

قال الإمام ابن سعد:

{ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ شَاعِرًا، فَكَانَ يَهْجُو أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَكَانَ مُبَاعِدًا لِلْإِسْلَامِ شَدِيدًا عَلَى مَنْ دَخَلَ فِيهِ، وَكَانَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ أَيَّامًا، وَكَانَ يَأْلَفُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَكَانَ لَهُ تِرْبًا، فَلَمَّـا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَادَاهُ وَهَجَاهُ وَهَجَا أَصْحَابَهُ، فَمَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً عَدُوًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم، وَلَا تَخَلَّفَ عَنْ مَوْضِعٍ تَسِيرُ فِيهِ قُرَيْشٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم}.(9)

قال الإمام أبو عمر بن عبد البر:

{ وَكَانَ أَبُو سُفْيَان بْن الحارث بْن عبد المطلب من الشعراء المطبوعين، وَكَانَ سبق له هجاء فِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإياه عَارَضَ حسانُ بنُ ثابت بقوله:

أَلَا أَبْـلِـغْ أَبَا سُفْيَانَ عَـنِّي … مُـغَلْغَلةً فَقَدْ بَرَحَ الخفاءُ

هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْـجَزاءُ

وقد ذكرنا الأبياتَ فِي باب حسان. والشعر محفوظ. ثم أسلم فحسن إسلامه فيقال: إنه مَا رفع رأسه إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حياءً منه}.(10)

قال الإمام ابن الأثير:

{وَرُوِيَ أنَّ الذين كانوا يهجون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مشركي قريش: أَبُو سفيان بْن الحارث بْن عبد المطلب، وعبد اللَّه بْن الزبعري، وعمرو بْن العاص، وضرار بْن الخطاب}.(11)

قال الإمام ابن حجر العسقلاني:

{ وكان أبو سفيان مِـمَّنْ يُؤْذِي النَّبِيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وَيَهْجُوهُ ويؤذي المسلمين، وإلى ذلك أشار حسان بن ثابت في قصيدته المشهورة:

هَجَوْتَ مُـحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وعند اللَّه في ذاك الجزاءُ }.(12)

قال الإمام ابن تيمية:

{ ومن ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب : قصته في هجائه النبي صلى الله عليه و سلم و في إعراض النبي صلى الله عليه و سلم عنه لما جاءه مسلما مشهورة مستفيضة … أهدر – النبيُّ صلى الله عليه وسلم – دَمَ أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديد المشركين الذين كانوا أشد تأثيرا في الجهاد باليد و المال وهو قادم إلى مكة لا يريد أن يسفك دماء أهلها بل يستعطفهم على الإسلام، ولم يكن لذلك سبب يختص بأبي سفيان إلا الهجاء، ثم جاء مسلماً، وهو يعرض عنه هذا الإعراض، وكان من شأنه أن يتألف الأباعد على الإسلام فكيف بعشيرته الأقربين؟ كلُّ ذلك بسبب هَتْكِهِ عِرْضَهُ كما هو مُفَسَّرٌ في الحديث }.(13)

رابعاً: الأنبياء معصومون من هذه النقائص:

اتفقت الأمة الإسلامية على عصمة أنبياء الله ورسله من الوقوع في مثل هذه القاذورات والتي لا توجد إلا في كتاب النصارى، فالإسلام العظيم ينزه أنبياء الله جميعاً عن مثل هذه النقائص.

قال الإمام ابن تيمية:

{ إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر : هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف … وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول }.(14)

فبهذا يقرر علماءُ الأمةِ القولَ بعصمةِ الأنبياءِ مِن الكبائرِ والفواحش.

ولا شَكَّ ولا رَيْبَ أنَّ هذا الفعلَ الذي يتخيله النصارى يُعَدُّ من النقائص التي تُلْحِقُ بالإنسان العارَ والشنارَ, فلذلك نزَّه اللهُ أنبياءَه ورسلَه من الوقوع في مثلها.

خامساً: هذا الفعل لم يكن إطلاقاً عند العرب:

أقولُ أنَّ هذا الفعل المشين القبيح لم يكنْ معروفاً عند العرب, وإنما كان فاشياً في غيرهم من الأمم مثل الروم النصارى.

قال الإمام ابن كثير:

{ وَأَمَّا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا فَقَدْ كَانَ صَيِّنًا فِي نَفْسِهِ، حَازِمًا فِي رَأْيِهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَا تُعْرَفُ لَهُ صَبْوَةٌ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِهِ مَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَصَّ عَلَيْنَا قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ فِي كِتَابِهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ ذَكَرًا يَأْتِي ذَكَرًا كَمَا تُؤْتَى النِّسَاءُ }.(15)

فهذا دليل قاطع على عدم وجود هذا الفعل القبيح في العرب قبل وبعد النبوة, فالوليد بن عبد الملك يقول أنه لولا أنَّ الله عز وجل قَصَّ علينا قصة قوم لوط في القرآن الكريم، أنه ما يتخيل إطلاقاً أن ذَكَراً يأتي ذَكَراً كما تؤتى النساء, فهو لم يسمع عن هذا الفعل في قومه مطلقاً.!

سادساً: فَهْمُ النصارى للرواية لا يستقيم عقلاً:

أقول أنَّ فَهْمَ النصارى السقيم العقيم للرواية لا يستقيم والعقل البشري السليم الصحيح.

لأن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال الكلمة هكذا ولم يخجل منها، ومعلومٌ أنَّ أي إنسانٍ فُعِلَ به هذا

الفعل يخجل من الإفصاح عن ذلك أمام الناس، إذْ أنَّ الأمر مَنْقَصَةٌ وليس بمفخرة ليقولها الإنسان على الملأ هكذا أمام الناس.

سابعاً: تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل:

إذَا علمتَ أيها القارئ الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن فِعْلِ قوم لُوطٍ وَجَعَلَ له عقوبةً قاسيةً.

روى الإمام أبو داود في سننه قال:

{ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ }.(16)

هذا ما جاء بكتبنا في معنى هذه الرواية, فماذا قال النصارى في كتبهم بخصوص هذا الأمر ؟

ففي كتاب النصارى أفعالٌ يشيب لـها الولدان ومع ذلك ينسبها النصارى إلى الأنبياء والمرسلين.!!

يقول كاتب سفر صموئيل الثاني:

{قَدْ تَضَايَقْتُ عَلَيْكَ يَا أَخِي يُونَاثَانُ, كُنْتَ حُلْواً لِي جِدّاً مَحَبَّتُكَ لِي أَعْجَبُ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ}.(17)

وحتى لا يتهمني أحد بسوء النية فلننظر ما قالت ترجمة الحياة:
{ وَمَحَبَّتُكَ لِي كَانَتْ مَحَبَّةً عَجِيبَةً، أَرْوَعَ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ }.(18)

يقول القمص تادرس يعقوب ملطي:

{ محبة النساء لرجالهن عجيبة، إذ يتركن بيوت آبائهن وأهلهن ويلتصقن برجالهن، إنْ مَرِضُوا يخدمنهن…أما حُبُّ يوناثان فكان أعذب وأحلى… كَانَ بِحَقِ حُلْوًا في حُبِّه! أيُّ شيءٍ أعذب من الحب الأخوي الخالص الذي لا يطلب ما لنفسه بل ما لصديقه! }.(19)

فترك النصارى نصوصَ كتابهم الجنسية التي تَنُصُّ صراحةً على الزنا والدعارة والفجور والتي يُلْصِقُهَا كتابهم المحرَّفُ بأنبياء الله وراحوا يستدلون برواية ثم يحرِّفون معناها ليقدحوا في رسولنا الطاهر المطهر الذي فاضت طهارته على العالمين، وإنما حرَّف النصارى معنى الرواية لتتوافق مع ما تربَّى عليه النصارى في كتابهم من روايات وقصص عن الجنس والزنا والدعارة المقدسة.

 

مراجع البحـث:

 (1) المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم النيسابوريج3 ص48 ط دار الحرمين – القاهرة، ت: مقبل بن هادي الوادعي.

 (2) سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ج7 ص1030 ط مكتبة المعارف – الرياض.

 (3) لسان العرب للإمام أبي الفضل جمال الدين ابن منظور ج4 ص2887 ، ط دار المعارف – القاهرة .

 (4) المعجم الوجيز من إصدار مجمع اللغة العربية ص414 ط وزارة التربية والتعليم – مصر.

 (5) لسان العرب للإمام أبي الفضل جمال الدين ابن منظور ج6 ص4561 ، ط دار المعارف – القاهرة.

 (6) تاج العروس من جواهر القاموس للإمام الزَّبيدي ج27 ص378 ط وزارة الإرشاد والأنباء – الكويت، ت: عبد الستار أحمد فرَّاج.

 (7) تاج العروس من جواهر القاموس للإمام الزَّبيدي ج27 ص381 ط وزارة الإرشاد والأنباء – الكويت، ت: عبد الستار أحمد فرَّاج.

 (8) المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم النيسابوريج3 ص50 ط دار الحرمين – القاهرة، ت: مقبل بن هادي الوادعي.

 (9) الطبقات الكبرى للإمام محمد ابن سعد الزُّهْرِيّ ج4 ص46 ط مكتبة الخانجي- القاهرة، ت: د/علي محمد عمر.

(10) الاستيعاب في معرفة الأصحاب للإمام أبي عمر بن عبد البر ج4 ص1674 ط دار الجيل – بيروت، ت: علي محمد البجاوي.

(11) أسد الغابة في معرفة الصحابة للإمام  أبي الحسن ابن الأثير ج2 ص6 ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(12) الإصابة في تمييز الصحابة للإمام ابن حجر العسقلاني ج12 ص304 ط مركز هجر- الجيزة، ت: د/عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(13)  الصارم المسلول على شاتم الرسول للإمام ابن تيمية ج2 ص268 ط رمادي – الدَّمَّام، ت: محمد عمر الحلواني، محمد كبير شودري.

(14) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ج4 ص319 ط خادم الحرمين الشريفين – السعودية، ت: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.

(15) البداية والنهاية للإمام عماد الدين ابن كثير ج12 ص403 ط دار هجر- الجيزة، ت: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(16) سنن أبي داود للإمام أبي داود السجستاني ص802 ح4462 ط دار المعارف – بيروت، ت: مشهور بن حسن آل سلمان.

(17) كتاب النصارى – ترجمة الفانديك – العهد القديم –  سفر صموئيل الثاني فصل 1 فقرة 26 ص362 ط دار الكتاب المقدس – القاهرة.

(18) كتاب النصارى – ترجمة الحياة – العهد القديم –  سفر صموئيل الثاني فصل 1 فقرة 26 ص398 ط جي سي سنتر- القاهرة.

(19) تفسير سفر صموئيل الثاني للقمص تادرس يعقوب ملطي ص14 ط مركز الدلتا – الاسكندرية.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

 

فرية قتل عصماء بنت مروان

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول أخلاق الرسول الكريم

صلى الله عليه وسلم

فرية قتل عصماء بنت مروان

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالوا كيف تُسَمُّونَ نبيَكم رسولَ الرحمة وكتبُ السُّنَّةِ عندَكم تقول أنه قتل عصماء بنت مروان ؟!!

واستدلوا بما رواه الواقدي في المغازي قال:

{ حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنّ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ ، كَانَتْ تَحْتَ يَزِيدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حِصْنٍ الْخَطْمِيّ ، وَكَانَتْ تُؤْذِي النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَعِيبُ الْإِسْلَامَ ، وَتُحَرّضُ عَلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَتْ شِعْرًا:..قَالَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ أميّـــة الخطمىّ حين بلغه قولها وَتَحْرِيضُهَا: اللهُمّ ، إنّ لَك عَلَيّ نَذْرًا لَئِنْ رَدَدْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ لَأَقْتُلَنّهَا – وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِبَدْرٍ – فَلَمَّـا رَجَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من بدر جَاءَهَا عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ فِي جَوْفِ اللّيْلِ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا ، وَحَوْلَهَا نَفَرٌ مِنْ وَلَدِهَا نِيَامٌ ، مِنْهُمْ مَنْ تُرْضِعُهُ فِي صَدْرِهَا ، فَجَسّهَا بِيَدِهِ ، فَوَجَدَ الصّبِيّ تُرْضِعُهُ فَنَحّاهُ عَنْهَا ، ثُمّ وَضَعَ سَيْفَهُ عَلَى صَدْرِهَا حَتّى أَنْفَذَهُ مِنْ ظَهْرِهَا ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى صَلّى الصّبْحَ مَعَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ. فَلَمّا انْصَرَفَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إلَى عُمَيْرٍ فَقَالَ: أَقَتَلْت بِنْتَ مَرْوَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله. وخشي عمير أن يكون فتات عَلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهَا فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ ، فَإِنّ أَوّلَ مَا سَمِعْت هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ }.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

 أولا: الرواية غير صحيحة:

ففي سندها راوٍ متروكُ الحديثِ واتهمه العلماء بالكذبِ.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحا حتى تنطبق عليه شروط خمس وهي:

  • اتصال السند.
  • عدالة الرواة.
  • ضبط الرواة.
  • انتفاء الشذوذ.
  • انتفاء العلة.

 قال أبو عمرو بن الصلاح :{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الّذِي يَتّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلّلاً}. (2)

علل الرواية:

العلة الأولى: محمد بن عمر الواقدي مؤلف الكتاب متهم بالكذب.

قال الإمام الذهبي:

محمد بن عمر بن واقد الأسلمي مولاهم الواقدي .

· قال أحمد بن حنبل: هو كذاب يقلب الأحاديث يلقى حديث ابن أخي الزهري على معمر ونحو ذا.

· وقال ابن معين: ليس بثقة .

· وقال مرة: لا يُكتب حديثُه .

· وقال البخاري وأبو حاتم: متروك .

· وقال أبو حاتم أيضا والنسائي: يضع الحديث.(3)

العلة الثانية: الحارث بن فضيل الخطمي حديثه مرسل.

الحارث بن فضيل الخطمي وهو أبو عبد الله ، حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركه ولم يره.

ويكفينا أنْ نجدَ في السندِ محمدَ بنَ عمرَ الواقديَ لنحكمَ على السند فوراً أنه موضوع.

ومن طريق الواقدي رواه القضاعي .

فقال القُضَاعِيّ في مُسنده:

858 – أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التُّسْتَرِيُّ ، وَذُو النُّونِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا نا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيُّ ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، نا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، أنا الْوَاقِدِيُّ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ فَضْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: كَانَتْ عَصْمَاءُ بِنْتُ مَرْوَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَكَانَ زَوْجُهَا يَزِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حِصْنٍ الْخَطْمِيُّ ، وَكَانَتْ تُحَرِّضُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتُؤْذِيهِمْ ، وَتَقُولُ الشِّعْرَ ، فَجَعَلَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ نَذْرًا أَنَّهُ لَئِنْ رَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ سَالِمًا مِنْ بَدْرٍ لَيَقْتُلَنَّهَا ، قَالَ: فَعَدَا عَلَيْهَا عُمَيْرٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَتَلَهَا ، ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى مَعَهُ الصُّبْحَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَصَفَّحُهُمْ إِذَا قَامَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ ، فَقَالَ لِعُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ: «قَتَلْتَ عَصْمَاءَ؟» قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَلْ عَلَيَّ فِي قَتْلِهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ» ، فَهِيَ أَوَّلُ مَا سَمِعْتُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (4)

وهذه الرواية أشد ضعفا وكذبا من سابقتها

وأضف إلى العلل السابقة في إسناد الواقدي هذه العلة:

العلة : الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التُّسْتَرِيُّ وَذُو النُّونِ بْنُ مُحَمَّدٍ مجهولان لا يُعرفان.

ورواية المجهول عندنا غير مقبولة.

قال أبو عمرو بن الصلاح: الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ جَمِيعًا ، وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ .(5)

قال ابْنُ كَثِيرٍ:فَأَمّا الْمُبْهَمُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ ، أَوْ من سُمِّيَ وَلَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ فهذا ممن لا يَقْبَلُ رِوَايَتَهُ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ. (6)

فكل هذه العلل تمنعنا من قبول هذه الرواية ، ولذا فقد حكم العلماء عليها بالوضع والكذب

إسناد آخر للرواية:

قال القُضَاعِي في مُسنده:

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّقِّيُّ السَّاكِنُ ، كَانَ بِبِلْبِيسَ إِجَازَةً ، نا أَبُو بَكْرٍ، أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: هَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَقَالَ: «مَنْ لِي بِهَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا: أَنَا لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَانَتْ تَمَّارَةٌ تَبِيعُ التَّمْرَ ، قَالَ: فَأَتَاهَا ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ تَـمْـرٌ ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ ، فَأَرَتْهُ تـَمْــرًا، فَقَالَ أَرَدْتُ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا ، قَالَ: فَدَخَلَتِ التُّرْبَةَ ، قَالَ: فَدَخَلَ خَلْفَهَا ، فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا ، فَلَمْ يَرَ إِلَّا خِوَانًا ، قَالَ: فَعَلَا بِهِ رَأْسَهَا حَتَّى دَمَغَهَا بِهِ ، قَالَ: ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَفَيْتُكَهَا ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُ لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ » ، فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا. (7)

قلت هذا إسناد ساقط تالف فيه على الأقل أربع علل:

العلة الأولى: محمد بن الحجاج اللخمي الواسطي.

قال الذهبي في الميزان:

· قال البخاري: منكر الحديث.

· وقال ابن عدي: هو وَضَعَ حديثَ الهريسة.

· وقال الدارقطني: كذَّاب.

· وقال ابن معين: كذَّابٌ خبيثٌ. (8)

العلة الثانية: محمد بن إبراهيم بن العلاء الشامي.

وهذا الراوي متروك الحديث واتّهَمَهُ العلماءُ بالكذب.

قال ابن حجر العسقلاني:

محمد بن إبراهيم بن العلاء الشامي:منكر الحديث. (9)

ومعلوم أنَّ المحدثَ إذا وصف الراويَ بأنه منكرُ الحديثِ فهذا الوصف من أشد صِيَغِ التضعيف.

العلة الثالثة: مجالد بن سعيد .

وهذا الراوي ضعيف عند علماء الحديث .

قال الذهبي في ميزان الاعتدال:

· قال ابن معين: وغيره لا يحتج به.

· وقال أحمد: يرفع كثيرا مما لا يرفعه الناس ليس بشيء.

· وقال النسائي: ليس بالقوي وذكر الأشج أنه شيعي.

· وقال الدارقطني: ضعيف.

· وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه وكان ابن مهدي لا يروي عنه. (10)

العلة الرابعة: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الرّقِّيّ.

وهو مجهول لا يُعرف حاله عند المحدثين

وقد سبق أن بيّنّا حكم رواية المجهول من قبل وأثبتنا أنها غيرُ مقبولة.

ثانيا: كتب أخرى تذكر الرواية:

وقد روى قريباً من هذه الروايات بعضُ أصحابِ الكتبِ المُسندة.

فقد رواها علي الحربي في الفوائد المنتقاة. (11)

ورواها بن عساكر في تاريخ مدينة دمشق. (12)

كما رواها الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة السلام. (13)

ورواها ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة. (14)

ولكن كل هذه الروايات من طريقين فقط إما من طريق الواقدي وهو متهم بالكذب، وإما من طريق اللَّخْمِي وهو أيضا كذاب كما أوضحنا سابقا.

ثالثا: تضعيف المحققين للرواية:

قام عدد من الـمـُحَقِّقِـين بالتنبيه على ضعف الرواية بسبب العلل المذكورة أعلاه:

قال ابن طاهر الـمَقْدِسِيُّ: وهذا لم يروه عن مجالد غير محمد هذا، وهذا مما يُتَّهَمُ به محمد أنه وضعه. (15)

قال ابن الـجَوْزِيّ: قال ابن عدي: هذا مما يُتَّهَمُ محمد بن الحجاج بوضعه. (16)

قال الشيخ الألبانيّ: موضوع. (17)

رابعا: كتب ذكرت القصة بلا إسناد:

مِنْ عجيب ما نراه في زماننا هذا أنَّ كل الـمُنَصِّرِين تقريبًا بسبب جهلهم الرهيب بالعلوم الإسلامية يتركون الكُتُبَ الـمُسْنَدةَ التي يذكر فيها مُؤلفوها أسانيدَ ما يَرْوُونَهُ – بِغَضِّ النظر عن صحتها وضعفها الآن – من روايات ، ثم يذهب هؤلاء الجُهَّالُ ليستدلوا بالكتب التي لم تذكرْ إِسنادًا للقصة أصلا !!

فتجد أحدهم مثلا يريد الطعن بجهل في القرآن الكريم فيستدل برواية مثلا رواها ابن أبي داود في كتابه المصاحف ولكن المُنَصِّر لا يأتي بالرواية من كتاب المصاحف الذي يروي الرواية بسند بغض النظر عن صحته وضعفه الآن ، ويذهب هذا المُنَصِّر الفاشل ليأتي بالرواية مثلا من كتاب الدر المنثور أو كتاب الإتقان للسيوطي معلناً بذلك عن فقره العِلْمِيِّ الشديد بالعلوم الإسلامية.

وفي هذه الشبهة استدل القمص زكريا بطرس على قصة قتل عصماء بنت مروان من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد الذي يذكرها بلا إسناد أصلا تَارِكاً الكتبَ الأخرى الـمُسْنَدة التي تذكر القصة!

قلت: ما أقبح الجهل !

ومن عَجَبٍ أن يخرج علينا القمص زكريا بطرس ليستدلَ بالرواية من كتابٍ لم يذكر للقصة سنداً أصلاً ، وهو كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد ، فابن سعد ذكر هذه القصة هكذا بلا إسناد !

رغم أنه ادَّعى قبل ذلك أنه دارس لعلم الحديث ودارس لكل شيء . !

وإليك بعض الكتب التي تذكر قصة قتل عصماء بنت مروان بلا إسناد أصلا ومع ذلك يستدل بها المُنَصِّرُون !

  • الطبقات الكبرى للإمام ابن سعد. (18)
  • السيرة النبوية للإمام ابن هشام.(19)
  • المنتظم في تاريخ الملوك والأمم للإمام ابن الجوزي.(20)
  • عيون الأثر للإمام ابن سيد الناس.(21)
  • البداية والنهاية للإمام ابن كثير.(22)
  • الإصابة في تمييز الصحابة للإمام ابن حجر العسقلاني.(23)
  • سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام الصالحي.(24)
  • كنز العمال للمتقي الهندي.(25)

خامسا: الرد على استدلال بعض العلماء بالقصة:

من المهازل العلمية والسخافات العقلية التي تقع من الـمُنَصِّرِين قولهم أن هذا الرواية صحيحة لأن شيخَ الإسلامِ ابن تيمية وغيرَه من أهل العلم ذكروا القصة في معرض حديثهم عن حكم شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم !

والجواب على هذا الإشكال سهل ميسور بإذن الله !

فابن تيمية لم يُصَحِّح الرواية ولم يقل إنها صحيحة ، وإنما جَرَتْ عادةُ أهلِ العِلْمِ أنهم إذا تكلموا في مسألة أنهم يُورِدُونَ كُلَّ ما رُوِيَ من آثار فيها وكل ما قيل فيها من أقوال لأهل العلم .

وهذا ما درج عليه العلماء منذ بَدَأَ التصنيف في الفقه وأدلته وأصوله.

ولم يقل واحد من العلماء إنَّ مجرد ذِكْرِ عالِـم ما لرواية ما يجعلنا نقطع بصحتها .!

وإنما العمل عند العلماء في التصحيح والتضعيف يكون تبعاً لقواعد علوم الحديث .

سادسا: الروايات متناقضة:

هذه الروايات متناقضة متضاربة مما يدل على كذل القصة ووهنها فرواية تقول أن عمير بن عدي قتلها من نفسه والأخرى تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي قال “من لي بها” ؟

ورواية تقول إنه دخل عليها وهي نائمة تُرضع طفلَها ثم قتلها.

ورواية أخرى تقول أن عُمَيرًا أتاها وهي مستيقظة فسألها عن التمر وطلب منها تمرا أجود فلما دخلت ذهب ورائها فقتلها.

وتناقض آخر فالأولى صَرّحَتْ أن عُمَيْرَ بنَ عدي كان أعمى ضريرَ البصر .

والثانية تقول إنه قَالَ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ تَـمْـرٌ ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ ، فَأَرَتْهُ تـَمْــرًا، فَقَالَ أَرَدْتُ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا ، قَالَ: فَدَخَلَتِ التُّرْبَةَ ، قَالَ: فَدَخَلَ خَلْفَهَا ، فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا .

فكيف نظر يمينا وشمالا وهو أعمى لا يرى ؟!!

هل العقلاء يصدقون هذا التخريف ؟!

سابعا: على فرض صحة الرواية:

أقول على فرض صحة الرواية بأن الرسول قتلها ؛ فليس فيها ما يُعاب و ليس فيها ما يقدح في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنها هذه المرأة في حكم الـمُحَارِبَة بل هي إمامٌ مِنْ أَئِمَةِ الكفر.

قال تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمـَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمـَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) سورة التوبة 12.

فَكُلُّ مَنْ يطعن في ديننا ويشتم ربَنا عزَّ وجلَّ ويسبُّ نبينا صلى الله عليه وسلم فهو إمام من أئمة الكفر محارب للإسلام .

والـمُحَارِبُ حُكْمُه أنْ نُحاربه حتى ينتهي عن الطعن في ديننا.

وَعِرْضُ نبينا صلى الله عليه وسلم وَعِرْضُ إخوانه من الأنبياء والمرسلين ليس كلأً مباحاً تلوكه الألسنة العفنة القذرة .

بل أعْراضُهُم مَنِيْعَــة مَصُونَة ، كَفَلَ الإسلامُ صِيانتها وحِمايتها عن قول كل أفَّاكٍ أثيم .

فإذا كان شاتمُ النبي مسلمًا فقد ارتدَّ عن الإسلام بهذا الفعل الإجرامي.

وإذا كان ذِمِّيًا أو مُعَاهَدًا فهو ناقض للعهد مستحق للعقوبة. ويحكم بذلك القاضي المسلم المتمرس.

وعلى فرض صحة الرواية فأنا أتساءل : لماذا ينظر هؤلاء المفترون إلى فعل الصحابي عمير ، ولم ينظروا إلى تحريض المرأة على المسلمين وسَبِّها للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم .

أقول كذلك على فرض صحة هذه الرواية التي ذكرها الواقدي ؛ ففيها معجزةٌ ظاهرةٌ بَـيّنةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فمن أين عَلِمَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ أن عُمَيْرَ بنَ عَدِيّ قد قتلها ؟!

فرواية الواقدي تقول إنَّ عُمَيْرًا ذَهَبَ مِن تلقاء نفسه فقتلها ، ثم سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك دون أن يخبره عمير !.

فمن الذي أخبرَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلم بذلك ؟!

وهل مدعي النبوة سيعرف شيئًا غيبيًّا دون غيره من الناس ؟!

ثامناً: السُّنة الصحيحة في رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه عن قتل النساء والصبيان حتى في حالة الحرب !

إلا أن تكون المرأة محاربة فيكون في هذه الحالة حكمها حكم المحارب أيضا ويجوز قتلها، وكذلك الصبي المحارب.

فقد رَوَى البخاريُّ في صحيحِه وغيرُه:

{عن عَبْدَ اللَّهِ بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ}.(26)

قال النووي:

[ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَتَحْرِيمِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا، فَإِنْ قَاتَلُوا ؛ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ يُقْتَلُونَ ].(27)

قال ابنُ بَطَّال:

[ وَلَا يَجُوزُ عند جميع العلماء قَصْدُ قَتْلِ نِسَاءِ الحَربيين ولا أطفالهم ؛ لأنهم ليسوا مِمَّنْ قَاتَلَ فى الغالب وقال تعالى : ( وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ الّذِيْنَ يُقَاتِلُونَــــكُم ].(28)

وعليه أقول: فمن الذي عَلَّمَ البشريةَ كُلَّهَا هذا التسامح وهذه الرحمةَ العظيمة بِالنِّسَاء ؟!

وهل يوجد في كتب اليهود النصارى مثالا على الرحمة كهذا المثال ؟!

وقد روى أبو داود في سننه:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم فِى سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ « مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا ». وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ « مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ ». قُلْنَا نَحْنُ. قَالَ « إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِى أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ »}.(29)

فَصَلِّ اللهمَّ وسلمْ وباركْ على نهرِ الرحمة وينبوعِ الحنان فداه أبي وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.

ما هذه الرحمة العجيبة التي جعلها الله في قلب هذا الرسول الكريم !!

حتى النمل كان له نصيب من رحمته !!

فهل بعد هذه الرحمة التي تنساب متدفقة من بين ثنايا شفتيه الشريفتين الكريمتين يُتَّهّمُ هذا الرحيمُ الرءوف الرفيقُ الـحَنُونُ بهذه التهم الفارغة ؟

قليل من العقل والإنصاف يا سادة !!

تاسعاً: من فمك أُدينك

ألم تنظروا إلى ما في كتبكم يا قوم ؟ ألم تروا حجم المصائب والكوارث والجرائم الإنسانية التي اقترفها معبودكم في حق البشرية حسب ما جاء في كتابكم ؟

يقول كاتب سفر يشوع فصل رقم 8:

18فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: «مُدَّ الْمِزْرَاقَ الَّذِي بِيَدِكَ نَحْوَ عَايٍ لأَنِّي بِيَدِكَ أَدْفَعُهَا». فَمَدَّ يَشُوعُ الْمِزْرَاقَ الَّذِي بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ. 19فَقَامَ الْكَمِينُ بِسُرْعَةٍ مِنْ مَكَانِهِ وَرَكَضُوا عِنْدَمَا مَدَّ يَدَهُ, وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَأَخَذُوهَا, وَأَسْرَعُوا وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ. 20فَالْتَفَتَ رِجَالُ عَايٍ إِلَى وَرَائِهِمْ وَنَظَرُوا وَإِذَا دُخَانُ الْمَدِينَةِ قَدْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَكَانٌ لِلْهَرَبِ هُنَا أَوْ هُنَاكَ. وَالشَّعْبُ الْهَارِبُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ انْقَلَبَ عَلَى الطَّارِدِ. 21وَلَمَّا رَأَى يَشُوعُ وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الْكَمِينَ قَدْ أَخَذَ الْمَدِينَةَ, وَأَنَّ دُخَانَ الْمَدِينَةِ قَدْ صَعِدَ, انْثَنَوْا وَضَرَبُوا رِجَالَ عَايٍ. 22وَهَؤُلاَءِ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ لِلِقَائِهِمْ, فَكَانُوا فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ, هَؤُلاَءِ مِنْ هُنَا وَأُولَئِكَ مِنْ هُنَاكَ. وَضَرَبُوهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ شَارِدٌ وَلاَ مُنْفَلِتٌ. 23وَأَمَّا مَلِكُ عَايٍ فَأَمْسَكُوهُ حَيّاً وَتَقَدَّمُوا بِهِ إِلَى يَشُوعَ. 24وَكَانَ لَمَّا انْتَهَى إِسْرَائِيلُ مِنْ قَتْلِ جَمِيعِ سُكَّانِ عَايٍ فِي الْحَقْلِ فِي الْبَرِّيَّةِ حَيْثُ لَحِقُوهُمْ, وَسَقَطُوا جَمِيعاً بِحَدِّ السَّيْفِ حَتَّى فَنُوا أَنَّ جَمِيعَ إِسْرَائِيلَ رَجَعَ إِلَى عَايٍ وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. 25فَكَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ سَقَطُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً, جَمِيعُ أَهْلِ عَايٍ. 26وَيَشُوعُ لَمْ يَرُدَّ يَدَهُ الَّتِي مَدَّهَا بِالْحَرْبَةِ حَتَّى حَرَّمَ جَمِيعَ سُكَّانِ عَايٍ. 27لَكِنِ الْبَهَائِمُ وَغَنِيمَةُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ نَهَبَهَا إِسْرَائِيلُ لأَنْفُسِهِمْ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ يَشُوعَ. 28وَأَحْرَقَ يَشُوعُ عَايَ وَجَعَلَهَا تَلاًّ أَبَدِيّاً خَرَاباً إِلَى هَذَا الْيَوْمِ.29وَمَلِكُ عَايٍ عَلَّقَهُ عَلَى الْخَشَبَةِ إِلَى وَقْتِ الْمَسَاءِ. وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَمَرَ يَشُوعُ فَأَنْزَلُوا جُثَّتَهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَطَرَحُوهَا عِنْدَ مَدْخَلِ بَابِ الْمَدِينَةِ , وَأَقَامُوا عَلَيْهَا رُجْمَةَ حِجَارَةٍ عَظِيمَةً إِلَى هَذَا الْيَوْمِ.

كتابهم يقول أن ربهم أمر بحرق مدينة كاملة !!

مدينة كاملة برجالها ونسائها وأطفالها وبهائمها وطيورها وزرعها أحرقها هذا الإله الإرهابي المجرم البغيض !!

يا إلهي !!

رحمتك يا إله العالمين !

كم صرخة امرأة احتبست في حلق صاحبتها قبل أن يبقر رجال الرب بطنها ويستخرجوا أمعائها ؟ وكم طفل ذرف الدموع قبل أن ينقض عليه المؤمنون باسم الربّ ويقتلعوا رأسه من مكانها ثم يمزقوه إلى أشلاء ؟

كم من عجوز رأت بعينها رجال الرب يهدمون بيتها ويذبحون أولادها وأحفادها قبل أن يقطّع رجال الرب أوصالَها حامدين الربَّ صائحين: هاللويا هاللويا ؟

ألم تتحركْ مشاعرُ هذا الإله المزعوم الباطل تجاه صرخات المعذبين وآهات المساكين ؟

لماذا لم يرحم ضعفَهم ويوقفْ هذه المجازرَ الجماعية ضدهم ؟

ثم فجأة بعد كل هذه الجرائم المهولة في حق الجنس البشري يخرج علينا النصارى زاعمين أن الرب تاب من أفعاله الشريرة واستيقظ ضميره النائم وقرر أن يرجع عن وحشيته ويُحِبَ البشرية من جديد فيقتل ابنه الوحيد على الصليب ليكفر خطايا البشر !

كان الواجب على هذا الإله المزعوم أن يقتل نفسه كفارة عما اقترفه هو في حق البشرية.

ولعله قتل ابنه الوحيد لأن ابنه كان شريكاً معه في هذه الجرائم والمذابح الدموية .

والسخف كل السخف حينما تقرأ تبرير علمائهم لهذه الجرائم التي لم يسبقهم أحد إلى فعلها .

فتقول دائرة المعارف الكتابية:

[ الحرب المقدسة : يمكن تبرير ما حدث فى المعارك المدونة بالسفر ، من إبادة وتدمير ، بأنها كانت حرباً مقدسة ].(30)

وتقول الموسوعة الأرثوذكسية لتفسير العهد القديم:

[ وقد قَصَدَ اللهُ قتلَ سكانِ أريحا من أجل شرورهم ، وكذلك البهائم وكل الحيوانات لأنها اسْتُخْدِمَتْ كذبائح للأوثان أو عبدوا بعضها ، أي أن الله أراد أن يزيل الشر وكل ما يتصل به ويدقق شعبه في الابتعاد عن كل ما يرتبط بالشر ..].(31)

هل هذا هو التبرير المنطقي لهذه المخازي الدموية والجرائم الإنسانية والقتل والدمار والخراب ؟!!

ثم يهاجمون النبيَّ العظيمَ الذي علّم البشرية الرحمة والرأفة والشفقة صلى الله عليه وسلم ويتهمونه بالإرهاب بحديث ساقط الإسناد، متضارب المتن !!

فعلى حساباتكم أن من قتل امرأة واحدة تعدونه إرهابياً

فماذا تقولون فيمن قتل ودمر وأحرق وأخرب مدينة كاملة ؟ ماذا ستسمونه يا نصارى ؟

والله إننا نخشى عليكم من قول الله تعالى:

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } سورة الصف آية 7.

مراجع البحـث:

 (1)المغازي لمحمد بن عمر الواقدي ج3 ص172 ، ط عالم الكتب – بيروت . ت: مارسن جونس.

 (2) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ودار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عنتر.

 (3) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي  ج6 ص273 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (4) مُسند الشهاب للقُضَاعِي ج2 ص48 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: حمدي عبد المجيد السلفي.

 (5) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص111 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ودار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عنتر.

 (6) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للإمام ابن كثير ص92 ، تأليف أحمد شاكر، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (7) مُسند الشهاب للقُضَاعِي ج2 ص47 ، ص48 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: حمدي عبد المجيد السلفي.

 (8) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي ج6 ص101 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (9) تقريب التهذيب للإمام بن حجر العسقلاني ، ص402 ، ط الرسالة – بيروت ، ت: عادل مرشد.

(10) ميزان الاعتدال للإمام الذهبي ج6 ص23 ط دار الكتب العلمية ت: علي محمد معوض وعادل عبد الموجود .

(11) الفوائد المنتقاة للحربي ص268 ح50 ، ط دار الوطن – الرياض، ت:تيسير بن سعد أبو حيمد .

(12) تاريخ مدينة دمشق للإمام ابن عساكر ج51 ص224 ط دار الفكر – بيروت ، ت: محب الدين العمروي .

(13) تاريخ مدينة السلام للإمام الخطيب البغدادي ج15 ص118ط دار الغرب الإسلامي ت: بشار عواد معروف

(14) غوامض الأسماء المبهمة للإمام ابن بشكوال  في ج2 ص530 وما بعدها ، ط دار الأندلس الخضراء – جدة  ، ت: محمود مغراوي.

(15) ذخيرة الحفاظ لأبي محمد المقدسي ج5 ص2577 ط دار الدعوة بالهند ودار السلف بالرياض ، ت: عبد الرحمن الفريوائي.

(16) العلل المتناهية للإمام أبي الفرج ابن الجوزي  ج1 ص180 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت ، ت: الشيخ خليل الـمَيس.

(17) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ ناصر الدين الألباني ج13 ص33 ، ط مكتبة المعارف – الرياض.

(18) الطبقات الكبرى للإمام ابن سعد ج2 ص25 ، ط مكتبة الخانجي – القاهرة ، ت: د/علي محمد عمر.

(19) السيرة النبوية للإمام ابن هشام ج4 ص490 ، ط دار الحديث – القاهرة ، ت: جمال ثابت ، محمد محمود ، سيد إبراهيم.

(20) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم للإمام ابن الجوزي ج4 ص262 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(21) عيون الأثر للإمام ابن سيد الناس ج1 ص441 ، ط دار التراث بالمدينة  المنورة ، دار ابن كثير بدمشق.

(22) البداية والنهاية للإمام ابن كثير ج8 ص20 ، ط دار هجر – ، ت: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(23) الإصابة في تمييز الصحابة للإمام ابن حجر العسقلاني  م3 ج5 ص34 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(24) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام الصالحي ج6 ص21 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(25) كنز العمال للمتقي الهندي ج13 ص429 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: بكري حَيّاني ، صفوت السقا.

(26)  صحيح البُخاري للإمام محمد بن إسماعيل البُخاري ص742 ح3014 ، ط دار بن كثير – بيروت.

(27) صحيح الإمام مسلم بشرح الإمام النووي ج12 ص73 ، ط مؤسسة قرطبة – القاهرة.

(28) شرح صحيح البخاري للإمام ابن بطّال ج5 ص170 ، ط دار الرشد – الرياض  ، ت: ياسر ابن إبراهيم.

(29) سنن أبي داود للإمام أبي داود السجستاني ج4 ص309 ، ط دار الرسالة العالمية ، ت: الشيخ شعيب الأرناؤوط.

(30) دائرة المعارف الكتابية ج8 ص276 ، ط دار الثقافة ، تأليف نخبة من علماء اللاهوت.

(31) الموسوعة الأرثوذكسية لتفسير العهد القديم  ج4 ص49 ، كنيسة مار مرقص القبطية بمصر الجديدة ، إعداد كهنة وخدام الكنيسة.

الرد على هذه الشبهة فيديو

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

%d مدونون معجبون بهذه: