أرشيف المدونة

إنما هلك أهل الكتاب قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب ربهم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد
فقد استدل أحدُ المعترضين برواية عن ابن مسعود رضي الله عنه قاصدًا بها أن يترك المسلمون كتب السنة النبوية ويأخذوا بالقرآن الكريم فقط!
فيقول:


وهذه هي الرواية كاملة:
عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ عِنْدَ نَاسٍ كِتَابًا يُعْجَبُونَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَتَوْهُ بِهِ، فَمَحَاهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى كُتُبِ عُلَمَائِهِمْ، وَتَرَكُوا كِتَابَ رَبِّهِمْ». سنن الدارمي (1/ 419)
فكتبت ردًا عليه أقول:
أولًا: استدلالك بهذه الرواية لهذا المعنى الذي تقصده غير صحيح، ولو أصررتَ عليه سيوقعك في ورطة كبيرة!!
لأنك أتيتَ بالرواية من كتابٍ آخر غير كتابِ الله، فهذا يعني أنك أنتَ أيضًا تركتَ كتابَ الله وأخذتَ بهذه الكتب التي تعيب علينا الأخذ بها !!
وهذه الرواية التي تستدل بها موجودة في كتب السنة النبوية، فهل نأخذ بما جاء في هذا الكتب أم نتركها؟!
إنْ قلتَ يجب أن نتركها؛ فلماذا تطلب منا أن نتركها وأنت بنفسك لم تتركها وذهبت تستدل بها؟!
وإنْ قلتَ سنأخذ بهذه الكتب؛ فلماذا تعيب علينا إذا أخذنا بها؟!
ثانيًا: الرواية ليست بالمعنى الذي فهمتَه حضرتك منها، وإنما المعنى أنَّ ابنَ مسعود رضي الله عنه يَعِيبُ على أهل الكتاب الذين تركوا كتابَ اللهِ بالكُلِّيَّة، واتبعوا كُتُبَ علمائهم المخالفة لكتاب الله!
أما المسلمون فلم يفعلوا ذلك، بل يعودون لهذه الكتب (كتب السنة النبوية) لكي يفهموا كتاب ربهم بشكل صحيح.
لأن كتب السنة النبوية فيها أحاديثُ الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يشرح لنا فيها كلامَ الله وكيفية فهم معانيه والمقصود الإلهي من آيات الله.
فمثلًا أمرنا الله عز وجل في القرآن الكريم بإقامة الصلاة، فكيف نصلي؟!
لا يوجد في القرآن الكريم شرح كيفية أداء الصلاة.
ولكن إذا نظرنا في السنة النبوية الصحيحة سنجد الرسولَ صلى الله عليه وسلم يقول: [صلوا كما رأيتموني أصلي].
وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مذكورة في كتب السنة النبوية الشريفة كما نقلها لنا الصحابةُ عنه.
فنحن نحتاج لِسُنَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم لمعرفة كيفية أداء الصلاة، لكي نستطيع أن ننفذ أمرَ اللهِ عَزَّ وجلَّ في القرآن الكريم بإقامة الصلاة.
فهل اهتمامُ المسلمين بالكتب التي تحتوي سُنةَ نبيهم يدخل فيما يعيبه ابنُ مسعود رضي الله عنه على أهل الكتاب؟!
ثالثًا: الصحابي الجليل عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه نفسُه نقل إلينا سُنَّةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عبر مئات الأحاديث النبوية، فهل سينقل لنا ابنُ مسعود سُنَّةَ الرسول عليه الصلاة والسلام وهو في نفس الوقت ينكر علينا أن ننقلها ونعملَ بها ونتعلَّمَهَا؟! وهذا موقف صحيح لابن مسعود من نفس الكتاب يؤكد ذلك: 
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ، لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}؟ فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْهُ. فَقَالَتْ: فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ؟ قَالَ: فَادْخُلِي فَانْظُرِي. فَدَخَلَتْ فَنَظَرَتْ، فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكِ مَا جَامَعْتُهَا. سنن الدارمي (3/ 1730)
.
رابعًا: كتابُ الله نفسُه أَمَرَ زوجاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن ينقلن إلى المسلمين ما يُتْلَى في بُيوتهن من آيات الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقال لهنَّ اللهُ سبحانه وتعالى: { واذكرن ما يُتْلَى في بيوتكن من آيات الله والحكمة }.
وآيات الله هي القرآن الكريم، والحكمة هي سُنة النبي صلى الله عليه وسلم.
خامسا: في نفس هذه الكتب يوجد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: [ لَيُوشِكُ الرَّجلِ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ، اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ، حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، فهُوَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ]. سنن الدارمي (1/ 473)
فهنا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا إخبارًا مستقبليًا صادقًا عن القوم الذين يريدون أن يأخذوا بكتاب الله فقط ويتركوا سنته الشريفة المباركة!
ثم لماذا نأخذ بأثر ابن مسعود، ونترك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنها موجود في نفس الكتاب؟!
وبناء على ما سبق فليس معنى أثر ابن مسعود ما فهمته حضرتك منها على الإطلاق.


وفقنا اللهُ وإياك لما يحب ويرضى ،،،،

هذا الصديق الأكبر هذا فاروق هذه الأمة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

فهذه روايات وضعها الرافضة الأوائل ليمرروا دينهم الباطل عبرها، ففكرت أنَّ عَرْضَها وتفنيدها سيكون نافعًا بمشيئة الله للمسلمين على شبكة الإنترنت! خصوصًا الإخوة المهتمون بالرد على الشيعة الرافضة.

لكن قبل عرض الروايات ينبغي أن أذكر أحد الأصول المهمة عند المسلمين، وهي أنه لا يوجد عالِمٌ مُسْلِمٌ واحد يقول إن جميع ما في كتب المسلمين صحيح! بل اتفق جميعُ علماءِ المسلمين أن الكتب فيها الصحيح والضعيف، وأنه لا تقوم الحجة عند علماء المسلمين في باب العقائد والتشريع والأحكام إلا بالروايات الصحيحة أو الحسنة!

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهمية الاسناد:

[وَعِلْمُ الْإِسْنَادِ وَالرِّوَايَةِ مِمَّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهُ سُلَّمًا إلَى الدِّرَايَةِ . فَأَهْلُ الْكِتَابِ لَا إسْنَادَ لَهُمْ يَأْثُرُونَ بِهِ الْمَنْقُولَاتِ ، وَهَكَذَا الْمُبْتَدِعُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَهْلُ الضَّلَالَاتِ ، وَإِنَّمَا الْإِسْنَادُ لِمَنْ أَعْظَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمِنَّةَ ” أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ ، يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَالْمُعْوَجِّ وَالْقَوِيمِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكُفَّارِ إنَّمَا عِنْدَهُمْ مَنْقُولَاتٌ يَأْثُرُونَهَا بِغَيْرِ إسْنَادٍ ، وَعَلَيْهَا مِنْ دِينِهِمْ الِاعْتِمَادُ ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ فِيهَا الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ ، وَلَا الْحَالِي مِنْ الْعَاطِلِ].
مجموع الفتاوى ج1 ص9

• قال شيح الإسلام ابن تيمية:
[ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّا نَذْكُرُ قَاعِدَةً فَنَقُولُ: الْمَنْقُولَاتُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الصِّدْقِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْمَرْجِعُ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا إِلَى أَهْلِ عِلْمِ الْحَدِيثِ، كَمَا نَرْجِعُ إِلَى النُّحَاةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ نَحْوِ الْعَرَبِ وَنَحْوِ غَيْرِ الْعَرَبِ، وَنَرْجِعُ إِلَى عُلَمَاءِ اللُّغَةِ فِيمَا هُوَ مِنَ اللُّغَةِ وَمَا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ، وَكَذَلِكَ عُلَمَاءُ الشِّعْرِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِكُلِّ عِلْمٍ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهِ ]. منهاج السنة النبوية (7/ 34).

قال الإمام النووي:
[ قال الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ الله شرط مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه أن يكون الحديث متصل الاسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ والعلة قال وهذا حد الصحيح فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث ]. شرح النووي على مسلم ج1 ص34 ط قرطبة.

الرواية الأولى:

رواها الطبراني فقال: [ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْوَزِيرُ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ، ثنا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ أَبِي سُخَيْلَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَعَنْ سَلْمَانَ، قَالا: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: ” إِنَّ هَذَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُصافِحُنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا الصِّدِّيقُ الأَكْبَرُ، وَهَذَا فارُوقُ هَذِهِ الأُمَّةِ، يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهَذَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الظَّالِمِ “].

أولا: هذا السند ضعيف للعلل الآتية:

1. عمر بن سعيد البصري: ضعيف الحديث.

2. أبو سخيلة: مجهول العين والحال.

فهذه الرواية تخالف الشرطين الثاني والثالث من شروط صحة الرواية!

ثانيا: متن الرواية عليه عدة إشكالات:

  1. أول من أسلم هو أبو بكر الصديق وليس علي بن أبي طالب كما هو ثابت في صحيح مسلم.
  2. الصديق الأكبر هو أبو بكر الصديق بلا خلاف عند علماء المسلمين، وذلك لأنه الوحيد الذي لَقَّبَه الرسولُ صلى الله عليه وسلم بهذا اللقب الشريف. فكيف يقال إن عليًا هو الصديق الأكبر؟!
  3. لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم سمَّى علي بن أبي طالب الصديق الأكبر وفاروق هذه الأمة، لنقل الصحابة رضي الله عنهم ذلك وتداولوه بينهم. 

ثالثا: ليس لدينا مشكلة على الإطلاق أن نثبت هذه الأوصاف وهذه الألقاب لعلي بن أبي طالب عليه السلام والرضوان، وهو من هو، ولكن مشكلتنا هي حرمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم التقول عليه ما لم يقله. فلقد حذرنا عليه الصلاة والسلام قائلا: [ مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ]. رواه مسلم في صحيحه.

رابعا: إذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أفضل رجل في الأمة الإسلامية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما يقول المستدل بهذه الرواية وأمثالها – فلماذا نجد الروايات مستفيضة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بتفضيل أبي بكر وعمر وعلى رضي الله عنهما نفسه؟!

وإليك بعض هذه الروايات:

1. عَنْ وَهْبٍ السُّوَائِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَنْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: ” لَا خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَمَا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ “.
مسند أحمد ط الرسالة (2/ 201)

2. عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، سَمِعْتُ عَلِيًّا،، يَقُولُ: ” خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَلَوْ شِئْتُ لَحَدَّثْتُكُمْ بِالثَّالِثِ ]. مسند أحمد ط الرسالة (2/ 224).

3. عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: ” أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا؟ أَبُو بَكْرٍ، وَخَيْرُهَا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ: عُمَرُ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ الْخَيْرَ حَيْثُ أَحَبَّ ]. مسند أحمد ط الرسالة (2/ 245).

4.  عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟! قال: ثم عمر. قال: وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟! قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. صحيح البخاري – حديث رقم: 3671. 

والحمد لله رب العالمين ،،،،

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث
نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَن والاه، وبعد:
هذه سلسلة الردود العلمية على شبهات النصارى حول القرآن الكريم.
زعم هؤلاء أن القرآن الكريم ذهب منه الكثير، وهذا يدل على تحريفه !!
واستدلوا بما رواه أبو عبيد، قَالَ:
[ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلَّهُ! قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهْرَ مِنْهُ].(1)
وللرد على هذا الافتراء أقول:
أولا: الرواية صحيحة:
هذه الرواية صحيحة، ولا إشكال مُطلقًا فيها سَنَدًا ولا مَتْنًا.
فأما السند فصحيح متصل بين سعيد بن منصور وبين ابن عمر رضي الله عنهما.
وأما المتن فلا غبار عليه كما سيأتي.
ثانيا: الرواية ذكرها أبو عبيد تحت باب:
بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ”.
إذًا بهذه الرواية وغيرها عَلِمْنَا أَنَّ هناك آياتٍ نَزَلَتْ على النبيِّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ، ثُمَّ نُسِخَتْ وَرَفَعَهَا اللهُ سبحانه، وهذا الحديث يدخل تحت هذا النَّسْخ باتفاق كُلِّ الْعُلَمَـاء بِلَا مخالف.
ولذلك لم يكتبها الصحابة في المصاحف، وأكرر مرة أخرى أنه لا يوجد مُخَالِفٌ في هذه المسألة.
فَإِذَا كان الإمام أبو عبيد روى هذه الرواية تحت هذا: { بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ } ؛ فلا ينبغي أن يخرج علينا جَاهِلٌ مُتَعَالِمٌ وَيَدَّعِي ضَيَاعَ شَيءٍ من القرآن الكريم مُسْتَدِلًّا بهذه الرواية.
وإليك باقي كلام العلماء الذي يوافق أبا عبيد في هذه المسألة.
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَقَدْ أخرج ابن الضريس من حَدِيث بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَيَقُولُ إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ”،  وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ].(2)
قال الحافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السِّيُوطِيُّ:
[ الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ .. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ].(3)
فالحافظ السيوطي ذَكَرَ لنا نوعًا من أنواع النسخ ، وضرب لنا المثال على هذا النوع بهذه الرواية.
قال الْعَلَّامَةُ الْأَلُوسِيُّ:
[ أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنا كما هو موجود بين الدفتين اليوم، نعم أَسْقَطَ الصديق ما لم يتواتر وما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ .. وعليه يُحْمَلُ ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر، والروايات في هذا الباب أكثر من أَنْ تُحْصَى إِلَّا أَنَّهَا محمولة على ما ذكرناه].(4)
أما محقق سنن سعيد بن منصور فقد وَضَّحَ المقصودَ من الرواية، فقال:
[ ” أخذت القرآن كله ” أي: كُلُّ ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وما اسْتَقَرَّ مَتْلُوًّا ، ” ذهب منه قرآن كثير ” أي: سقط منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أُسْقِطَ في الجمعينِ الْـمُجْمَعِ عليهما بَعْدَه لِعَدَمِ استيفائه شروطَ ثُبُوتِ قرآنيته حَسْبَ الْعَرْضَةِ الأخيرة وشروطا أخرى غيرها ].(5)
ثالثًا: ابن عمر كان يؤمن باستحالة تغيير القرآن أو تحريفه:
أليس بحسب فهم النصارى للرواية التي نبحث فيها يكون عبد الله بن عمر مُؤْمِنًا بجواز التغيير والتبديل في القرآن الكريم ؟! فلماذا نجد عبد الله بن عمر يؤمن بخلاف ذلك ؟!
روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين:
[ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثنا أَبُو النُّعْمَانِ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، ثنا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ: أَطَالَ الْحَجَّاجُ الْخُطْبَةَ فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ ، فَقَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: ” لَا يَسْتَطِيعُ ذَاكَ أَنْتَ وَلَا ابْنُ الزُّبَيْرِ { لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } [يونس: 64] فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا إِنْ نَفَعَكَ “،  هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ].(6)
والرواية توضح بجلاء تام أن ابن عمر كان يؤمن أنه لا أحد يستطيع تغيير القرآن وتبديله !!
رابعًا: النبي لم يَتْرُكْ إِلَّا القرآنَ الموجودَ بين أيدينا فقط:
النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بعد وفاته إلا ما بين الدفتين أي ما بَيْنَ الجِلْدَتَيْنِ.
وهذا ما رواه البخاري عن أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم وأحد علماء التابعين:
فقد روى البخاري في صحيحه:
[ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ: فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ].(7)
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ].(8)
قال بَدْرُ الدين الْعَينِيُّ:
[ وَقد ترْجم لهَذَا الْبَاب للرَّدّ على الروافض الَّذين ادّعوا أَن كثيرًا من الْقُرْآن ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ وَأَن التَّنْصِيص على إِمَامَة عَليّ بن أبي طَالب واستحقاقه الْخلَافَة عِنْد مَوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ثَابِتًا فِي الْقُرْآن ، وَأَن الصَّحَابَة كَتَمُوهُ ، وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة وحاشا الصَّحَابَة عَن ذَلِك. قَوْله: (إلاَّ مَا بَين الدفتين) أَي: الْقُرْآن].(9)
خامسًا: القرآن يستحيل أن يضيع منه شيء:
وقد وعد الله أمة نبيه أنه سيحفظ هذا الكتاب الكريم فلا يضيع منه شيء أبدا
{..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ * تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.(10)
فكتاب ربنا تبارك وتعالى باقٍ كما هو، لم يـُحرَّفْ وَلم يُبدِّلْ تحقيقًا وتصديقًا لموعود الله تبارك وتعالى بحفظه.
ولأجل ذلك وضع الله عز وجل في هذا الْكِتَابِ من الدلائل الباهرة ما يجعله مستحيل التحريف والتبديل. بل هو الكتاب الوحيد على وجه الأرض الذي يمكن كِتَابَتُهُ من الذاكرة والحِفْظ.
فلو فرضنا أن كل الكتب والمصاحف ضَاعَتْ وَانْدَثَرَتْ لِسَببٍ ما، فلنْ يستطيعَ أهلُ دِينٍ أو مِلَّةٍ أَو نِحْلَةٍ أَنْ يكتبوا كِتَابهم مرة أخرى إلا المسلمون فقط!!
فليس كتابُنا ككتب غيرنا من اليهود والنصارى.
سادسًا: من فمك أدينك أيها العبد الشرير:

على النصراني صاحب الشبهة أن يحاول حل المشاكل كتابه التي لا حلول لها

تقول نسخة الترجمة الرهبانية اليسوعية:
[إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة, بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية، ولكن عددها كثيرٌ جدا على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها … ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مرّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر. فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مُثْقَلًا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات].(11)
يقول النصراني رياض يوسف داود:
[ كان الكِتَابُ يُنسخ نَسْخَ اليَدِ في بداية العصر المسيحي وكانوا ينسخون بأدوات كتابة بدائية عن نُسَخٍ منسوخةٍ، ولقد أدخل النُسّاخُ الكثيرَ من التبديل والتعديل على النصوص وتراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر مثقلاً بألوان التبديل التي ظهرت في عدد كبير من القراءات، فما إن يصدر كتاب جديد حتى تنشر له نُسْخَاتٌ مشحونة بالأغلاط].(12)

فهل مَنْ كان هذا حال كِتَابُهُ يحق له أَنْ يتطاولَ بلا دَلِيلٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَلَا بُرْهَانٍ عَلَى أَشْرَفِ الْكُتُبِ وَأَحْكَمِهَا وَأَضْبَطِهَا وأوثقها ؟!
وبهذا يتبين لكل عاقل أن القرآن الكريم هو أوثق كتاب على وجه الأرض، وأن الذين يتهمون القرآن الكريم بالتحريف يعرفون أن كتابهم كتاب محرف مبدل، ولكنهم يريد إشغال المسلمين بهذه الشبهات والافتراءات لصرف الأنظار عن تحريف كتابهم الذي يسمونه بالكتاب المقدس!!

مراجع البحث:
(1)  فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ص320 ، ط دار ابن كثير – دمشق – بيروت.
(2)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص253 ، ط دار طيبة ، ت: نظر محمد الفاريابي.
(3)  الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454 ، ط مجمع الملك فهد – السعودية ، ت: مركز الدراسات القرآنية. قوله: الضرب = النوع.
(4)  تفسير روح المعاني للإمام الألوسي ج1 ص25  ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.
(5)  سنن سعيد بن منصور ج2 ص433 ط دار الصميعي – الرياض ، ت: الدكتور سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد.
(6)  المستدرك على الصحيحين للحاكم  ح3360 ، ج2 ص403، ط دار الحرمين – القاهرة.
(7)  صحيح البخاري ص1282 ح5019 ، ط دار بن كثير – بيروت.
(8)  فتح الباري للإمام بن حجر العسقلاني ج11 ص251 ، ط دار طيبة – القاهرة ، ت: محمد نظر الفَاريابي.
(9)  عمدة القاري للإمام بدر الدين العيني ج20 ص52 ، ط دار الكتب العلمية ، ت: عبد الله محمود محمد عمر.
(10)  القرآن الكريم ،سورة فصلت ، الآيتان (41 ، 42) .
(11)  مدخل إلى النقد الكتابي للمهندس رياض يوسف داود ص23 ط دار المشرق –  بيروت.
(12)  الترجمة الرهبانية اليسوعية – مقدمة العهد الجديد ص12 ، 13 ، ط دار المشرق –  بيروت.


تمت بحمد الله
كتبه أبو عمر الباحث
غفر الله له ولوالديه
صباح الأربعاء يوم 15 من جمادى الأول لعام 1439 هجريا
الموافق 10 يناير لعام 1018 ميلاديا

 

خاطرة حول مخطوطات صنعاء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

فهذا جوابٌ مُختصر وردٌ سريعٌ على سؤال أحد الإخوة حول مخطوطات صنعاء ، وسأحاول فيما بعد إن شاء الله أن أكتبَ مقالًا مطولًا عن هذا الموضوع.

أولًا: على فرض أن هذه المخطوطات التي اكتُشِفَتْ تخالف مصحفنا ، فهذه المخطوطات كانت عِبَارَة عن ألواح لأطفال الكَتَاتِيب يكتبون عليها ما يحفظونه من القرآن الكريم.

وأي عاقل يعلم أن مِثْل هذه الألواح ليست مَصْدَرًا مُعْتمدًا لمعارضة القرآن المنقول بتواتر الملايين عن الملايين.

ثانيًا: نقل القرآن الكريم يعتمد على طريقتين:

1. الحِفظ والتلقّي ، لقوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ }. فكان جبريل يقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيسمعه الرسول عليه الصلاة ويحفظه في قلبه ويعلمه للصحابة.

2. الكتابة ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم حينما تنزل عليه آية أو سورة يأمر أحد الصحابة بكتابتها مثل زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما من كتبة الوحي.

ثالثًا: لو كانت مخطوطات صنعاء تعارض القرآن الذي بين أيدينا فلماذا لم نجد واحدا من المسلمين يقرأ بهذه المعارضة ؟!

كيف يُعقل أن القرآن الذي يصلي به المسلمون منذ زمان النبي صلى الله عليه وسلم في صلواتهم ويختمونه في كل عام مرة أو عدة مرات يندثر ويتغيّر ؟! هذا مستحيل من الناحية العقلية !

رابعًا: الذين كانوا يحفظون القرآن الكريم كامِلًا كانوا بمئات الآلاف خارج صنعاء وخارج اليمن كلها أين ذهبوا ؟ ألم يكونوا يقومون بتحفيظ غيرهم من الطلبة كما يحدث اليوم ؟! وأين ذهبوا وأين مصاحفهم المكتوبة ؟!

خامسًا: اضرب لنفسك مثالًا عمليًا واقعيًا وسَلْ نفسك: لماذا لم يستطع أحد البشر أن يأتي بسورة مثل سور القرآن الكريم إلى الآن ؟!

حتى الفلاسفة والأدباء والنحاة وجهابذة اللغة العربية عجزوا عن ذلك.

قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد الأشعث الكندي, فيلسوف العرب:

[ عَن أبي بكر بن خزيمة قال: قال أصحاب الكندي له: اعمل لنا مثل القرآن فقال: نعم فغاب عنهم طويلا ثم خرج عليهم فقال: والله لا يقدر على ذلك أحد ]. لسان الميزان (8/ 527).

تخيل هذا الرجل كان يسمّى فيلسوف العرب ، ومع ذلك عجز عن الإتيان بمثل القرآن الكريم.

سَلْ نفسك: لماذا إذا أخطأ الإمام وهو يصلي بالناس في الصلاة يرد عليه المصلون خلفه ؟!

سل نفسك: إذا ضاعت كل الكتب الموجودة على وجه الأرض، فل يستطيع أي قوم أن يعيدوا كتابهم مرة أخرى دون أدنى إلا المسلمون ؟!

القرآن الكريم كتاب يستحيل تحريفه ولو اجتمع كل الكفّار لأجل ذلك.

فلا ينبغي أبدًا أن يتخبط رجل مسلم يؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأجل رجل كافِرٍ كذّاب قال كلامًا مكذوبًا ، والله سبحانه وتعالى يقول عن الكافرين: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم .. }.

وقال جل جلاله: { إن الذين كفروا يُنفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، فسينفقونها ، ثم تكون عليهم حسرة ، ثم يُغلَبون ، والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون }.

وقال تبارك وتعالى عن الكافرين: { وَدُّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً }.

وأختم بهذه القصة التي رواها الإمام القرطبي في تفسيره عن يحيى بن أكثم قال: كان للمأمون – وهو أمير إذ ذاك – مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام؛ فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألستَ صاحبَنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سببُ إسلامِك؟ قال: انصرفتُ من حَضرتِك فأحببتُ أن أمتحنَ هذه الأديانَ، وأنت تراني حَسَنَ الخط، فعمدتُ إلى التوراة فكتبتُ ثلاثَ نُسَخٍ فزدْتُ فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتُريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتب نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتُرِيَتْ مني، وعمدتُ إلى القرآن فعملتُ ثلاثَ نُسَخ وزِدْتُ فيها ونقصت، وأدخلتُها الوراقين فتصفّحوها، فلما أنْ وجدوا فيها الزيادةَ والنقصان رموا بها فلم يشتروها؛ فعلمتُ أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله عز وجل. قال قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: {مَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44]، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع.

والحمد لله رب العالمين ،،،،

%d مدونون معجبون بهذه: