أرشيف المدونة

نبوءة النبي بوفاة معاوية على غير ملته!

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب د. عدنان إبراهيم حول الصحابة الكرام

رضي الله عنهم

فرية: معاوية يموت على غير مِلّة الإسلام!

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

 هذه سلسلة ردود علمية على شبهات الدكتور عدنان إبراهيم حول أصحاب رسولنا الكريم بأبي هو وأُمِّي صلى الله عليه وسلم.

ادَّعى عدنان إبراهيم كَذِباً وَزُوراً وَبُـهْـتـَاناً أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم تنبأ أنَّ الصحابي الجليل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سيموت على غير مِلَّةِ الإسلام.!!

 واسْتَدَلَّ بما رواه البَلَاذُرِيُّ قال:

[وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، وَبَكْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّازِقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: ” يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ رَجُلٌ يَمُوتُ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِي. قَالَ: وَكُنْتُ تَرَكْتُ أَبِي قَدْ وُضِعَ لَهُ وَضُوءٌ، فَكُنْتُ كَحَابِسِ الْبَوْلِ مَخَافَةَ أَنْ يَجِيءَ. قَالَ: فَطَلَعَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ: هُوَ هَذَا”].(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية  غير صحيحة:

و المسلمونلا يقبلون في دينهم إلا حديثاً تجتمع فيه شروط القبول, والحديث المقبول عندنا قسمان: الصحيح والحسن, وشروط الصحيح خمس, وهي:

1) اتصال السند.

2)  عدالة الرواة.

3)  ضبط الرواة.

4)  انتفاء الشذوذ.

5)  انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: { أَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذًّا ، وَلا مُعَلَّلًا }.(2)

علل الرواية:

العلة الأولى: عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِي.

وهو مع كونه إماماً كبيراً عند أهل السنة إلا أن العلمـاء يرفضون ما يرويه خارج كتابه (الـمُصَنَّف).

قال الإمام البخاري:

[ مَا حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ فَهُوَ أَصَحُّ  ].(3)

وجاء في مُسند الإمام أحمد:

[ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: قَالَ لىِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: اكْتُبْ عَنِّى وَلَو حَدِيثًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ.فَقُلْتُ: لَا, وَلاَ حَرْفًا ].(4)

وسبب رفض العلمـاء لمثل هذه الروايات أنه كان يَتَلَقَّنُ بعد اختلاطه, وهي عِلَّةٌ أخرى تطعن في رواياته التي يرويها خارج كتابه.

وأفضلُ ما يقال في هذه المسألة هو كلامُ الإمام الذهبي.

قال الإمام الذهبيُّ:

[ قال الأثرم: سمعتُ أبا عبدِ الله يُسأل عن حديث: النار جبار.

فقال: هذا باطل.!

مَنْ يُحَدِّثُ به عن عبد الرزاق؟

قلت: حدثني أحمد بن شبويه.

قال: هؤلاء سمعوا منه بعد ما عَمِىَ.

كان يلقن فلقنه، وليس هو في كتبه.

وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه كان يلقنها بعدما عَمِىَ.

وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة.

روى عنه أحاديث مناكير.

وقال ابن عدي: حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها أحد، ومثالب لغيرهم مناكير، ونسبوه إلى التشيع.

وقال الدارقطني: ثقة، لكنه يخطئ على معمر في أحاديث.

وقال عبد الله بن أحمد: سمعت يحيى يقول: رأيت عبد الرزاق بمكة يحدث، فقلت له: هذه الأحاديث سمعتها؟ قال: بعضها سمعتها، وبعضها عرضا، وبعضها ذكره، وكل سماع.

ثم قال يحيى: ما كتبت عنه من غير كتابه سوى حديث واحد.

وقال البخاري: ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح ].(5)

فهذا الكلام البديع يوضح ويبين سبب رفض العلماء روايات عبد الرزاق خارج كتابه.

وفي قول البخاري { ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح } بيان شافٍ كافٍ في المسألة.

أضف إلى ذلك أن العلمـاء وصفوا الإمام عبد الرزاق الصنعاني بالاختلاط والتلقين كما وضحه الإمام الذهبي في كلامه السالف الذكر.

العلة الثانية: البلاذريُّ مُؤَلِّفُ الكتابِ لم يوثِّقْهُ أحدٌ من العلماء.

أقول أنَّ الْبَلَاذُرِيَّ مؤلفَ الكتاب نفسه, لم يذكره عالم بتوثيق.

وحتى الإمام الذهبي لما ذكره في السير لما يُوَثِّقْهُ ولم يَذْكَرْ أحداً وَثَّقَهُ.

ولم أقف على أحدٍ وَثَّقَهُ إلا الشريفُ المرتضى وهو شيعيٌ رافضيٌ جلد, بل هو من أئمة الرافضة.

قال الشريف المرتضى:

{ وقد روى البلاذريُّ في تاريخه وهو معروف الثقة والضبط, ويرى من مماثلة الشيعة ومقاربتها}.(6)

وفي قول الشريف المرتضى أنَّ البلاذريَّ كان يرى مماثلة الشيعة ومقاربتها إشارة أن مذهب البلاذريِّ كان قريباً من مذهب الشيعة.

قال الإمام الذهبيُّ:

{ الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي صاحب التصانيف.

وهو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة وله مشاركة قوية في العلوم.

ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

 ففيه السب الصراح والحط على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

 وفيه مِن التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي مَن له معرفة بنفس القرشيين الصحابة وبنفس غيرهم ممن بعدهم مِن المتأخرين جزم بأنَّ الكتاب أكثره باطل }.(7)

وقد حاول الرافضة في منتدياتهم الرد على هذا الكلام بأن الإمام الذهبي قال عن البلاذريِّ:

{ العَلاَّمَةُ، الأَدِيْبُ، المُصَنِّفُوَكَانَ كَاتِباً بَلِيْغاً، شَاعِراً مُحْسِناً}.(8)

قلتُ: لقد قال الذهبي ما هو أكثر من ذلك في قوم ضعفاء أو كذابين, ولم يقبل الذهبي نفسه رواياتهم, مثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي.

قال الإمام الذهبيُّ:

{ هِشَامُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ السَّائِبِ: العَلاَّمَةُ، الأَخْبَارِيُّ، النَّسَّابَةُ الأَوْحَدُ }.(9)

فعلى قاعدة هؤلاء الرافضة يُعَدُّ هذا مدحاً وثناءًا ! ولكن ماذا قال الإمام الذهبي عنه ؟

قال الإمام الذهبيُّ:

{ أَحَدُ المَتْرُوْكِيْنَ كَأَبِيْهِ }.(9)

وهناك غيره كثيرون ممن أطلق الذهبي عليهم لفظ: العلامة والحافظ والأخباري, ولكنهم متروكون، ولا يُعْتَدُّ برواياتهم.

وحتى إذا كُنا سَنقبل منه فسنعتبره مستورَ الحال إذا لم يشذَّ في رواياته.

فكيف يكون الحكم على روايته إذا كانت تكفِّر رجلاً من الصحابة، شَهِدَ له النبي صلى الله عليه وسلم وأفاضلُ أصحابِهِ رضي الله عنه بالعدالة والفضل والإسلام والإيمان والعلم ؟

تنبيه:

رأيتُ رافضياً في منتدياتهم يقول أنَّ الإمام ابن حجر العسقلاني وصف البلاذريَّ بأنه (ثَبْتٌ) !

فتعجبتُ وقلتُ في نفسي: كيف يقولها الإمام ابن حجر العسقلاني في رجل لم يوثقه أحدٌ من العلماء السابقين قبله ؟ فقلت: لا ريب ولا شك أنَّ هذا الكلامَ مكذوبٌ على الإمام ابن حجر.

قال الإمام ابنُ حجر العسقلانيُّ:

[ وقال البلاذريُّ: الثبت أن الذي باشر قتله أبو برزة الأسلمي ].(10)

فَظَنَّ الرافضيُّ الجاهلُ أنَّ الإمامَ ابنَ حجر يَصِفُ البلاذُريَّ بأنه ثَبْتٌ ! في حين أن الإمام ابن حجر كان ينقل قولاً للبلاذري, وذكر البلاذري نفسه فيه هذه الكلمة.

قال البلاذريُّ:

[ فَقَتَلَهُ أَبُو بَرزة الأسلمي. واسمه نَضلة بْن عَبْد اللَّه، وذلك الثبت].(11)

فالبلاذريُّ يؤكد أنَّ الصحيحَ والثابت أنَّ أبا برزة الأسلميَّ هو الذي قتل نضلة بن عبد الله.

فقلتُ سبحان الله !

لقد جَمَعَ الرافضيُّ بين قلة الدين وقلة العلم وقلة الأمانة العلمية.!

فيا حسرةَ مَنْ طَبَّلُوا له وزمروا في منتداه ووصفوه بأنه أتى بما لم يأتِ به أحد من العالمين !

العلة الثالثة: إسحاق الدبري وبكر الهيثم اللذان يرويان هذه الرواية عن عبد الرزاق! وإليك التفصيل:
1. إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري:

وهو صدوق الحديث إلا أنه روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة!
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ إسحاق بن إبراهيم الدَّبْرِي.. روى عن عبد الرزاق أحاديث مُنكَرَة ]. لسان الميزان
وقال الحافظ الذهبي:
[ إسحاق بن إبراهيم الدَّبْرِي صاحب عبد الرزاق:
قلت ما كان الرجل صاحب حديث وإنما أسمعه أبوه واعتنى به سَمِعَ من عبد الرزاق.
روى عن عبد الرَّزَّاق أحاديث منكرة فوقع التردد فيها هل هي منه فانفرد بها أو هي معروفة مما تفرد به عبد الرزاق! ]. ميزان الاعتدال (1/ 332).

فائدة:

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:
[وقال ابن الصلاح في نوع المختلطين من علوم الحديث: ذكر أحمد أن عبد الرزاق عمي فكان يلقن فيتلقن فسماع من سمع منه بعدما عمي لا شيء.
قال ابن الصلاح: وقد وجدت فيما روى الدَّبَرِيّ، عَن عَبد الرزاق أحاديث أستنكرها جدا فأحلت أمرها على الدَّبَرِيّ لأن سماعه منه متأخر جدا والمناكير التي تقع في حديث الدَّبَرِيّ إنما سببها أنه سمع من عبد الرزاق بعد اختلاطه فما يوجد من حديث الدَّبَرِيّ، عَن عَبد الرزاق في مصنفات عبد الرزاق فلا يلحق الدَّبَرِيّ منه تبعة إلا إن صحف أو حرف وإنما الكلام في الأحاديث التي عنده في غير التصانيف فهي التي فيها المناكير وذلك لأجل سماعه منه في حالة الاختلاط والله أعلم]. لسان الميزان (2/ 37).
2. بكر بن الهيثم:

وهو راوٍ مجهول الحال، ولم يوثقه أحد العلماء قط! وعليه فهذا السند لا يصح قط!

تنبيه:

العلة الثالثة كلّمني فيها أخي الشيخ خالد الوصابي وفقه الله، فأضفتها لاحقًا، فكنت أظن أن إسحاق المذكور هو إسحاق بن منصور الكوسج أو إسحاق بن أبي إسرائيل، فتبين لي أنه ليس المقصود في هذه الرواية، والحمد لله رب العالمين.

ثانياً: سند آخر لهذه الرواية:

قال البلاذري:

[ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ رَجُلٌ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِي. قَالَ: وَكُنْتُ تَرَكْتُ أَبِي يَلْبَسُ ثِيَابَهُ فَخَشِيتُ أَنْ يَطْلُعَ، فَطَلَعَ مُعَاوِيَةُ].(12)

قلتُ وهذا سند ضعيف, لا يصلح للاستدلال به, كمـا ادَّعَى عدنان إبراهيم, ولا حتى يصلح شاهدًا كما ادَّعَت الرافضة في منتدياتهم. وإليك البيان:

علل الرواية:

العلة الأولى: شريك بن عبد الله القاضي.

وهو مع كونه قاضياً فاضلاً عند أهل السنة, إلا أنه كان سيءَ الحفظ, يُخْطِئُ كثيراً.

قال الإمام ابنُ حَجَر العسقلانيُّ:

[ شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي ..صدوق يُخطئ كثيراً تَغَيَّرَ حِفْظُه منذ وَلِيَ القضاء بالكوفة وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديدا ًعلى أهل البِدَع].(13)

ولذلك فكثير من العلمـاء لم يحتملوا تفرده.

قال الإمام الذهبيُّ:

[ تَوقَّفَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ عَنِ الاحْتِجَاجِ بِمَفَارِيْدِه].(14)

هذا في الكلام في مفاريده، فكيف إذا جاء بما يكفِّر صحابياً جليلاً كمعاوية ؟!

وقد يحتج أحد الرافضة بأنَّ البخاريَّ ومسلماً رويا له في صحيحهما.

وللرد على هذا أقول: أنَّ الشيخين لم يرويا له على سبيل الاحتجاج به ، وإنما روى له البخاري تعليقاً، وروى له مسلمٌ متابعةً.

قال الإمام الذهبيُّ:

[ وَمَا أَخْرَجَا لِشَرِيْكٍ سِوَى مُسْلِمٌ فِي الـمُتَابَعَاتِ قَلِيْلاً، وَخَرَّجَ لَهُ: البُخَارِيُّ تَعْلِيْقاً ].(15)

ولقد ذكر الذهبي في التذكرة أنه حسن الحديث, ولكن هذا يُحمل على ما يُتَابَعُ عليه وليس غرائبه.

العلة الثانية: ليث بن أيمن بن زنيم، وهو الليث بن أبي سليم القرشي.

قال الإمام ابنُ حَجَر العسقلانيُّ:

[ صدوق اختلط جداً، ولم يَتَمَيَّزْ حَدِيْثُهُ فَتُرِكَ ].(16)

العلة الثالثة: البلاذريُّ مؤلف الكتاب، وقد تقدم الكلام عليه من قبل.

فهذه هي أسانيد هذه القصة الباطلة الواهية، فكيف جَزَمَ الدكتور عدنان إبراهيم بصحة الرواية ؟

وقال: سندها قوي جداً، وسيأتي بالكتاب والسند ويحاكم السند لعلم الجرح والتعديل !

ثالثاً: السُّنَّةُ الصحيحة ترد الرواية:

وبعد أنْ نقدنا الرواية مِن حيث السند وَفَنَّدْنَاهَا ننقدها من حيث المتن ونقول:

رواية خطيرة كهذه كيف تكون صحيحة عن معاوية بن أبي سفيان ولا تكون مشهورة بين الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم ؟

صِحَّةُ هذه الرواية تعني الطعنَ في عمر وعثمان وعليٍّ لأنهم استعملوا على المسلمين في إمارة الشام رَجُلاً  سيموت على غير الملة وولوه عليهم.

ثم هذه الرواية في حالة صحتها تقدح في رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأنه استأمن رجلاً سيموت كافراً في كتابة الوحي المنزل من السماء، وبالتالي تطعن في صحة القرآن الكريم. ومن المعلوم عند كافة العلمـاء أنَّ الإسلام شرط في التحمل عن الراوي في رواية الحديث الشريف, فما بالك بكتابة القرآن الكريم ؟

ومِن أدلة بُطْلان هذه الرواية أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية بقوله: [اللهم علمه الكتاب والحساب, وَقِهِ العذاب].(17)

وصححه العَلَّامَة الألبانيُّ في صحيح سنن الترمذي.

ونحن نعلم أنَّ دعاء  النبيِّ صلى الله عليه وسلم مستجاب, إذا فدعاء الرسول لمعاوية أن يَقِيَهُ الله العذاب يعني أنَّ معاوية لن يعذبه الله.

والكافر الذي مات على غير ملة الإسلام قطعًا سيعذبه الله!! فكيف يكون معاوية مات على غير الإسلام ؟؟

ومن أدلة بطلان هذه الرواية دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاوية بقوله: [ اللهم اجْعَلْهُ هادياً مهدياً واهْدِ به].(18)

وصححه العَلَّامة الألبانيُّ في السلسلة الصحيحة.

فيكون يكون معاوية هاديًا ومهديًا ويهدي الله به؛ ثم بعد ذلك يقال أنه يموت على غير الإسلام ؟!

ومن أدلة بطلان هذه الروايةأنَّ معاوية رضي الله عنه نقل لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهُ فِي الدِّيْنِ ].(19)

وقد شَهِدَ ا بنُ عباس وهو حَبْرُ هذه الأمة لمعاوية بأنه فقيه، كما رواه البخاري في صحيحه.(20)

فلم أسمع والله في حياتي في الإسلام عن فقيه كافر !!

ثم كيف يسمح الصحابة أن يتولى الخلافةَ رجلٌ يعرفون عنه أنه سيكفر ويموت على غير الملة ؟!!

ثم كيف يتنازل الحسنُ بنُ عليٍّ رضي الله عنهمـا عن الخلافة لرجل سيموت كافراً ؟

هل يقصد عدنان إبراهيم بقدحه في معاوية أن يقدح في الحسن بن علي رضي الله عنهم ؟!!

ومن أدلة بطلان هذه الرواية أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ].(21)

قال الإمام ابن حجر العسقلاني:

[ وقوله قد أوجبوا: أي فعلوا فعلاً وَجَبَتْ لهم به الجنة ].(22)

[ قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنَّه أَوَّلُ مَنْ غَزَا البحر ].(22)

قال الإمام بدر الدين العيني:

[ قَوْله: ( أول جَيش من أمتِي يغزون الْبَحْر ) أَرَادَ بِهِ جَيش مُعَاوِيَة، وَقَالَ الْـمُهَلَّبُ: مُعَاوِيَةُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْر ].(23)

 فكيف يموت معاوية رضي الله عنه كافراً على غير ملة الإسلام وهو الذي أوجب الجنة بغزوه البحر كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ؟؟

ومن أدلة بطلان هذه الرواية أنَّ العلماء المحققين لم يقولوا أبداً أنَّ معاوية مات على غير الإسلام.

رابعاً: وإليك أيها القارئُ الكريمُ شَيْئاً من هذه الأقوال:

روى الإمام أبو بكر الخلَّال قال:

] وسُئل الإمامُ أحمد : ما تقول رحمك الله فيمن قال : لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ، ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً ؟ قال أبو عبد الله : هذا قول سوء رديء ، يُـجَانَبُونَ هؤلاء القوم ، ولا يجالسون ، و نبين أمرهم للناس ].(24)

قلتُ: إذا كان هذا قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مَنْ يقول أن معاوية لم يكتب الوحيَّ واغتصب الخلافة, فماذا يا ترى يكون قوله فيمن يُكَفِّرُ معاوية ويقول أنه مات على غير الإسلام ؟!

وروى الإمام أبو بكر الخلَّال قال:

[ عن الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ انْتَقَصَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، أَيُقَالَ لَهُ رَافِضِيُّ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَيْهِمَا إِلا وَلَهُ خَبِيئَةُ سَوْءٍ، مَا انْتَقَصَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ إِلا لَهُ دَاخِلَةُ سَوْءٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ].(25)

قال الإمام النووي:

[ وأما معاوية رضي الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء رضي الله عنه ].(26)

روى الإمام ابن عساكر قال:

[ عن عَلِيِّ بن جميل قال سمعت عبدَ الله بنَ المبارك يقول: معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاويةَ شزراً اتهمناه على القوم أعني على أصحاب محمد  صلى الله عليه وسلم ].(27)

وروى الإمام ابن عساكر قال:

[ قَالَ أَبُو تَوْبَةَ، الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ: مُعَاوِيَةُ سِتْرٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ ].(27)

قال الإمام ابن كثير:

[ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّـارٍ الْمَوْصِليُّ وَغَيْرُهُ: سُئِلَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ أَيُّمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ لِلسَّائِلِ: تَجْعَلُ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينِ ؟ ! مُعَاوِيَةُ صَاحِبُهُ وَصِهْرُهُ وَكَاتِبُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” دَعَوْا لِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ].(28)

قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية:

[ إنَّ معاوية ثَبَتَ بالتواتر أنه أمَّره النبي صلى الله عليه وسلّم كما أمّر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وما اتّهمه النبي صلى الله عليه وسلّم في كتابة الوحي، وَوَلَّاهُ عُمَرُ بنُ الخطاب الذي كان أخبر الناس بالرجال، وقد ضَرَبَ اللهُ الحقَّ عَلَى لسانه وقلبه، ولم يَتَّهِمْهُ في ولايته ].(29)

وروى الإمام ابن عساكر قال:

[ عن أبي الأشهب، قال: قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إن ههنا قوما يَشتمون -أو يلعنون- معاوية وابن الزبير! فقال: على أولئك الذين يَلعَنونَ لعنةُ الله ].(30)

خامساً: تحذير خطير:

 قال الإمام النووي:

 [ واعلم أنَّ سبَّ الصحابة رضي الله عنهم حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب مُتَأَوِّلُون، كمـا أوضحناه في أول فضائل الصحابة من هذا الشرح، قال القاضي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يُعَزَّرُ ولا يُقْتَلُ، وقال بعض المالكية: يقتل ].(31)

فإذا كان سب الصحابة من فواحش المحرمات فكيف يكون حال من يكفِّرهم ويحكم عليهم بالخروج من الملة ؟

وأخيراً:

 هذا البحثُ اجتهدتُ فيه على قدر جهدي وعلمي, وأسألُ اللهَ أنْ يتقبلَه مِنِّي ويجعلَه خالصاً لوجهه الكريم, وأسأله سبحانه أن ينفع به المسلمين في كل مكان.

فما كان فيه يا ربنا مِنْ خَيرٍ فتقبلْه مِنِّي, وما كان فيه مِنْ خطأٍ أو سهوٍ أو نسيانٍ فالله ورسوله منه براء, فما قصدتُ منه إلا الذبَّ عن رجلٍ أعتقدُ أنَّه مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم.

كما أسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى أن يجعلني ممن قال فيهم:

 { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَـانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } سورة الحشر 10.

 

مراجع البحـث:

 (1)  أنساب الأشراف للبلاذري ج5 ص134، ط دار الفكر – بيروت، ت: د/ سُهيل زكار(شيعي), د/ رياض زركلي.

 (2)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ،  دار الفكر – سوريا، ت: نور الدين عنتر .

 (3)  التاريخ الكبير للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ج2 ص200، ط دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن.

 (4)  الـمُسند للإمام أحمد بن حنبل ج22 ص76، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون.

 (5)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج5 ص134، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

 (6)  الشافي في الإمامة للشيعي الشريف المرتضى ج4 ص147، ط مؤسسة الصادق – طهران – إيران، ت: السيد عبد الزهراء.

 (7)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج5 ص152، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

 (8)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج13 ص162،163 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

 (9)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج10 ص101، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

(10) هدي الساري مقدمة فتح الباري للإمام بن حجر العسقلاني ج2 ص757 ، ط دار طيبة – الرياض، ت: نظر محمد الفَاريابي.

(11) أنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص360 ط دار الفكر – بيروت، ت: د/ سُهيل زَكَّار(شيعي), د/ رياض زركلي.

(12) أنساب الأشراف للبلاذري ج5 ص134 ط دار الفكر – بيروت، ت: د/ سُهيل زَكَّار(شيعي), د/ رياض زركلي.

(13) تقريب التهذيب للإمام ابن حجر العسقلاني ص207 ت2787، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عادل مرشد.

(14) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج8 ص200، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

(15) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج8 ص201، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤُوط.

(16) تقريب التهذيب للإمام ابن حجر العسقلاني ص400 ت5685، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عادل مرشد.

(17) سنن الإمام الترمذي بأحكام الشيخ الألباني ص865 ح3842، ط دار المعارف – الرياض، ت: مشهور بن حسن آل سلمان.

(18) الـمُسند للإمام أحمد بن حنبل ج29 ص426، ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون.

(19) صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ص30 ح71، ط دار بن كثير – بيروت.

(20) صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ص923 ح3765، ط دار بن كثير – بيروت.

(21) صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ص721 ح2924، ط دار بن كثير – بيروت.

(22) فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج7 ص196، ط دار طيبة – الرياض، ت: نظر محمد الفَاريابي.

(23) عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام بدر الدين العيني ج14 ص277، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(24) السُّنَّة للإمام أبي بكر الخلال ج2 ص434، ط دار الراية – الرياض، ت: د/عطية الزَّهْراني. وسند الرواية صحيح.

(25) السُّنَّة للإمام أبي بكر الخلال ج2 ص447، ط دار الراية – الرياض، ت: د/عطية الزَّهْراني. وسند الرواية صحيح.

(26) شرح صحيح مسلم للإمام محي الدين النووي ج15 ص149، ط مؤسسة قرطبة – مصر.

(27) تاريخ دمشق للإمام أبي القاسم بن عساكر ج59 ص209، ط دار الفكر – بيروت، ت: محب الدين أبي سعيد عمر العمروي.

(28) البداية والنهاية للإمام ابن كثير ج11 ص450 ، ط دار هجر – الجيزة، ت: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(29) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج4 ص472 ط مُجَمَّع الملك فهد – السعودية، ت: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.

(30) تاريخ دمشق للإمام أبي القاسم بن عساكر ج59 ص206، ط دار الفكر – بيروت، ت: محب الدين أبي سعيد عمر العمروي.

(31) شرح صحيح مسلم للإمام محي الدين النووي ج16 ص93، ط مؤسسة قرطبة – مصر.

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

الرد مصورا على هذه الفرية

الإعلانات

شبهة تغيير عثمان ابن عفان للمصاحف

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

شبهة رواية تغيير عثمان ابن عفان للمصاحف

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول عصمة القرآن الكريم.

قالوا كيف تقولون أن كتابكم محفوظ من التغيير وعندكم رواية تقول أن الخليفة الثالث عثمان ابن عفان غيَّر في القرآن آية ؟

واستدلوا بما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن:

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي يُونُسَ، قَالَتْ: قَرَأَ عَلَيَّ أَبِي، وَهُوَ ابْنُ ثَمـَانِينَ سَنَةً، فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمـاً وَعَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى) قَالَتْ: قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَ عُثْمَـانُ الْمَصَاحِفَ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ وَغَيْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ».(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

فالسندُ فيه امرأة مجهولة، ورجل ضعيف منكر الحديث.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحاً فقط ، ويجب أن تنطبق عليه شروط خمس وهي:

1- اتصال السند.

2- عدالة الرواة.

3- ضبط الرواة.

4- انتفاء الشذوذ.

5- انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلّلاً}.(2)

علل الرواية:

العِلَّة الأولى: حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي يُونُسَ مجهولة الحال.

فهذه المرأة لم يُوَثِّقْهَا أحدٌ مِنْ علماء الجرح والتعديل.

قال الشيخُ أكرم ابنُ محمد الأثري:

{حُميدة بنت أبي يونس الأنصارية، مولاة عائشة، من الثانية، لم أعرفها، ولم أجد لها ترجمة، ولم يعرفها الشيخ شاكر قبلي (5393)، ولم يتعرض الشيخ التركي في تحقيقه ((لتفسير الطبري)) (4/ 345) لترجمتها بشيء..}.(3)

إذاً، فحميدة مجهولة، ورواية الـمجهول عندنا مردودة غير مقبولة.

قال الإمام أبو عمرو ابنُ الصلاح:

{ الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ جَمِيعًا، وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْجَمَـاهِيرِ }.(4)

قال الإمام ابْنُ كَثِيرٍ:

{ فَأَمّا الْـمُبْهَمُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ ، أَوْ من سُمِّيَ وَلَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ فهذا ممن لا يَقْبَلُ رِوَايَتَهُ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ }.(5)

العلة الثانية: ابن أبى حميد منكر الحديث.

قال الإمام الذهبي:

حماد بن أبى حميد المدنى، وهو محمد بن أبى حميد الانصاري. ضعيف.

قال البخاري: منكر الحديث.

وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء.

وقال النسائي: ليس بثقة.(6)

فالسند ساقط ضعيف.

ملحوظة:

ذَكَرَ أبو عبيد للرواية طريقاً آخرَ فقال: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ وَغَيْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ»

وهذا الإسناد وإِنْ سَلِمَ من جهالة حُميدة ، وذكر بدلاً منها عبدَ الرحمنِ ابنَ هُرْمُزَ وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ إلا أنه مازال على ضعفه ونكارته لأنَّ فيه ابْنَ أَبِي حُمَيْدٍ ، وهذا يُعَدُّ اضطراباً من ابْنِ أَبِي حُمَيْدٍ هذا.

ثانياً: كتاب آخر يذكر الرواية:

لا يفوتني أن أنبِّه أن هذه الرواية محل بحثنا ، ذكرها الإمام ابن أبي داود في كتابه “المصاحف” بنفس هذا الإسناد الذي ذكره أبو عبيد.(7)

ولقد حَكَمَ مُحَقِّقُ الكتاب الدكتورُ محبُ الدين عبد السبحان واعظ على الرواية بالضعف ، فهي مَرْوية بنفس هذا الإسناد الضعيف.

تنبيه:

يستدل بعض النصارى على صحة الرواية بأن السيوطي ذكرها في الدر المنثور والإتقان !

وهذه لعمر الله فاجعة كبرى ، فالقوم يظنون أن تعديد ذِكْرِ المراجع التي تذكر الرواية حتى لو كانت بلا إسناد يدل على صحتها ! ولكنْ لا بأس فإنَّ مَنْ يؤمن بأن الربَّ عزَّ وجلَّ خروف يجوز عليه أن يكون بهذه الفهاهة والسفاهة. تعالى الله عن قول الكافرين عُلُواً كبيراً.

ثالثاً: في حالة صحة الرواية فلها مِحْمَلٌ حَسَنٌ تُحْمَلُ عليه:

أقول أن هذه الرواية على فرض صحتها فلها مَحْمَلٌ حَسَنٌ تُحْمَلُ عليه وليس فيها هذا المعنى الذي ورد في ذهن النصراني صاحب الشبهة.

لأن من المعلوم أن سيدَنا عثمان رضي الله عنه حينما جَمَعَ المصاحفَ أَسْقَطَ في هذا الجمعِ كُلَّ ما نُسِخَتْ تلاوتُه في العَرْضَةِ الأخيرة ، وذلك أن زيدَ ابنَ ثابت هو الذي قام بجمع القرآن وهو الذي حَضَرَ العَرْضَةَ الأخيرةَ التي أَخْبَرَ جبريلُ فيها النبيَ صلى الله عليه وسلم بما نُسِخَ من القرآن.

فلو كان في مصحف عائشة هذه الزيادةُ الواردة في الروايةِ محلِ البحثِ فهي حتماً من منسوخِ التلاوة كما سنبين في رابعاً.

رابعاً: السيوطي وضع الرواية تحت قسم منسوخ التلاوة:

ذكر الإمام السيوطي في الإتقان أبواباً في علوم القرآن الكريم وذكر النوعَ السابعَ والأربعينَ

في ناسخه ومنسوخه باب ما نسخت تلاوته دون حكمه.(8)

ثم بعدها ذكر السيوطي هذه الرواية محل بحثنا داخل هذا النوع من المنسوخ.(9)

خامساً: الرواية على فَهْمِ النصراني الخاطئ تخالف الصحيحَ المتفقَ عليه:

هذه الرواية مخالفة لـما اتفقت عليه الأمة الإسلامية

قال الإمام أبو عبيد راوي الرواية:

{ وَالَّذِي أَلَّفَهُ عُثْمَـانُ، هُوَ الَّذِي بَيْنَ ظَهْرِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَهُوَ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا مِثْلَمَا يُحْكَمُ عَلَى الْمُرْتَدِّ مِنَ الِاسْتِتَابَةِ، فَإِنْ أَبَى فَالْقَتْلُ }.(10)

وهذا يعني أن الإمام أبا عبيد لم يفهم من الرواية هذا الفهم السقيم العقيم الذي فهمه النصراني أو الرافضي

بل قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ بعد ذِكْرِ هذه الرواية وما يُشَابِـهُهَا:

{ هَذِهِ الْحُرُوفُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ مِنَ الزَّوَائِدِ لَمْ يَرْوِهَا الْعُلَمَاءُ، وَاحْتَمَلُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِثْلُ الَّذِي بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَلَمْ يَجْعَلُوا مَنْ جَحَدَهَا كَافِرًا. إِنَّمَا تُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ. وَيْحَكُمُ بِالْكُفْرِ عَلَى الْجَاحِدِ لِهَذَا الَّذِي بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ خَاصَّةً وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الْإِمَامِ الَّذِي نَسْخَهُ عُثْمَانُ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَإِسْقَاطٍ لِمَا سِوَاهُ ثُمَّ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، يَعْرِفُهُ جَاهِلُهُمْ كَمَا يَعْرِفُهُ عَالِمُهُمْ، وَتَوَارَثُهُ الْقُرُونُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَتَتَعَلَّمَهُ الْوِلْدَانُ فِي الْمَكْتَبِ. وَكَانَتْ هَذِهِ إِحْدَى مَنَاقِبِ عُثْمَـانَ الْعِظَامِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الزَّيْغِ طَعَنَ فِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لِلنَّاسِ ضَلَالُهُمْ فِي ذَلِكَ }.(11)

تنبيه:

نحن المسلمين لا نَقْبَلُ قِرَاءَةً من قراءاتِ القرآن الكريم إلا إذا توافر فيها شروط ثلاثة:

1- اتصال السند.

2- موافقة الرسم العثماني ولو احتمالا.

3- موافقة وجه من أوجه النحو.

قال الإمامُ ابنُ الـجَزَرِيِّ:

{ كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتِ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَوَافَقَتْ أَحَدَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَـانِيَّةِ وَلَوِ احْتِمَـالًا وَصَحَّ سَنَدُهَا، فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ رَدُّهَا وَلَا يَحِلُّ إِنْكَارُهَا، بَلْ هِيَ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمْ عَنِ الْعَشْرَةِ، أَمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْـمَقْبُولِينَ، وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ..هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ..}.(12)

فهذه الزيادة { وَعَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى} ليست صحيحةَ السندِ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وكذلك لَيْسَتْ موافقةً للرسم العثماني . إذاً فهي شاذةٌ لا تَثْبُتُ وهي أيضاً مخالفة لإجماع الأمة الإسلامية.

سادساً: عثمان ابن عفان لم يُغَيِّرْ شيئاً أبداً:

لقد ثبت بالسند الصحيح عن عثمان رضي الله عنه أنه لم يُغَيِّرْ شيئاً في المصحف مطلقاً.

روى البخاري في صحيحه:

{ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَـانَ بْنِ عَفَّانَ { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ }.(13)

وهذه والله قاصمةُ ظهرٍ وقاطعةُ لسانٍ لكل من يطعن في سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه.

سابعاً: من فمك أُدينك:

ألم ينظر هذا النصراني إلى ما في كتبه ؟

ألم يرَ حجمَ التحريفات والتخريفات التي في كتابه ؟

وهل مَنْ كان بيتُه من زجاج يقذف الناس بالحجارة ؟

تقول الترجمة الرهبانية اليسوعية:

{ إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية ولكن عددها كثيرٌ جداً على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها.

واكتشاف مصدر هذه الفوارق ليس بالأمر العسير ، فإن نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ، وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أي نسخة كانت – مهما بُذل فيها من الجهد بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه ، يُضاف إلى ذلك أن بَعْضَ النُّسَّاخِ حاولوا أحياناً ، عن حُسْنِ نية أن يُصَوِّبُوا ما جاء في مِثَالِهم وبَدَا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي ، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ ، ثم يمكن أن يضاف إلى ذلك كله أن استعمال كثير من الفقرات من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة أدَّى أحيانا كثيرة إلى إدخال زخارف غايتها تجميل الطقس أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت عليه التلاوة بصوت عالٍ .

ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مَرِّ القرون تراكم بعضُه على بعضِه الآَخَر . فكان النَّصُّ الذي وصل آخرَ الأمرِ إلى عهد الطباعة مُثْقَلاً بمختلف ألوان التبديل ، ظهرت في عدد كبير من القراءات }.(14)

مراجع البحـث:

(1) فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلّام ص324 ، ط دار ابن كثير – بيروت، ت: مروان العطية ومحسن خرابة ووفاء تقي الدين.

(2) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ، دار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عنتر.

(3) المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري للشيخ أكرم محمد الأثري ج2 ص835 ط الدار الأثرية – الأردن ، دار ابن عفان – القاهرة.

(4) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص111 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ودار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عنتر.

(5) الباعث الحثيث اختصار علوم شرح الحديث للإمام ابن كثير ص92 ، تأليف أحمد شاكر ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(6) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج2 ص358 ط دار الكتب العلمية – بيروت.

(7) المصاحف للإمام أبي بكر ابن أبي داود السجستاني ج1ص370 ط دار البشائر – بيروت ، ت: د/محب الدين عبد السبحان واعظ.

(8) الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454 ط وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية.

(9) الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1458 ط وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية.

(10) فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلّام ص326 ، ط دار ابن كثير – بيروت، ت: مروان العطية ومحسن خرابة ووفاء تقي الدين.

(11) فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلّام ص325 ، ط دار ابن كثير – بيروت، ت: مروان العطية ومحسن خرابة ووفاء تقي الدين.

(12) النشر في القراءات العشر للإمام محمد ابن الجزري ج1 ص9 ط دار الكتب العلمية – بيروت ، ت: الشيخ علي محمد الضَّبَّاع .

(13) صحيح البخاري للإمام محمد ابن إسماعيل البخاري ص1109 ح4530، ط دار ابن كثير – بيروت.

(14) الترجمة الرهبانية اليسوعية ص12، ص13، مقدمة العهد الجديد، ط دار المشرق – بيروت،ترجمة بولس باسيم.

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

شبهة تغيير الحجاج الثقفي لمصحف عثمان بن عفان

قناة مكافح الشبهات . أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

شبهة تغيير الحجاج الثقفي لمصحف عثمان بن عفان

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول عصمة القرآن الكريم.

قالوا كيف تقولون أن كتابكم محفوظ من التغيير وعندكم رواية تقول أن الحجَّاج ابنَ يوسف الثقفي قام بتغيير حروف من القرآن الكريم ؟

واستدلوا بما رواه ابن أبي داود في كتابه “المصاحف” قال:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ غَيَّرَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ أَحَدَ عَشَرَ حَرْفًا قَالَ:

كَانَتْ فِي الْبَقَرَةِ (لَمْ يَتَسَنَّ وَانْظُرْ) بِغَيْرِ هَاءٍ فَغَيَّرَهَا {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] بِالْهَاءِ،

وَكَانَتْ فِي الْمَائِدَةِ (شَرِيعَةً وَمِنْهَاجًا) فَغَيَّرَهَا {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ،

وَكَانَتْ فِي يُونُسَ (هُوَ الَّذِي يَنْشُرُكُمْ) فَغَيَّرَهُ {يُسَيِّرُكُمْ} [يونس: 22] ،

وَكَانَتْ فِي يُوسُفَ (أَنَا آتِيكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) فَغَيَّرَهَا {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 45] ،

وَكَانَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ [ص:158] (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ لِلَّهِ لِلَّهِ) ثَلَاثَتُهُنَّ، فَجَعَلَ الْأُخْرَيَيْنِ (اللَّهُ اللَّهُ) ،

وَكَانَتْ فِي الشُّعَرَاءِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ (مِنَ الْمُخْرَجِينَ) ، وَفِي قِصَّةِ لُوطٍ (مِنَ الْمَرْجُومِينَ) فَغَيَّرَ قِصَّةَ نُوحٍ {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116] وَقِصَّةَ لُوطٍ {مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167] ،

وَكَانَتِ الزُّخْرُفُ (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعَايشَهُمْ) فَغَيَّرَهَا {مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32] ،

وَكَانَتْ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا (مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ) فَغَيَّرَهَا {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] ،

وَكَانَتْ فِي الْحَدِيدِ (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاتَّقَوْا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) ، فَغَيَّرَهَا {وَأَنْفَقُوا} [البقرة:195] ،

وَكَانَتْ فِي إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ) فَغَيَّرَهَا{بِضَنِينٍ} [التكوير:24] “.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولاً: الرواية غير صحيحة:

فسندُها فيه رجلٌ متروكُ الحديث ساقطُ العدالة عند علماء الحديث ، وكثيراً ما حذَّر العلماء منه.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً صحيحاً فقط ، ويجب أن تنطبق عليه شروط خمس وهي:

1- اتصال السند.

2- عدالة الرواة.

3- ضبط الرواة.

4- انتفاء الشذوذ.

5- انتفاء العلة.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلّلاً}.(2)

عِلَّة الرواية: عَبَّادُ بْنُ صُهَيْبٍ متروك الحديث.

قال الإمام الذهبي: عباد بن صهيب البصري ، أحد المتروكين .

· قال ابن المديني: ذهب حديثه .

· وقال البخاري والنسائي وغيرهما: متروك.

· وقال ابنُ حبان: كان قدرياً داعيةً ومع ذلك يروي أشياءَ إذا سَمِعَهَا المُبتدئُ في هذة الصناعة شهد لها بالوضع }.(3)

وعليه نقول أن هذا السندَ ساقطٌ ضعيفٌ لأن فيه راوياً متروكَ الحديث.

ثانياً: مُحَقِّقُ كتاب المصاحف حَكَمَ على الرواية بالضعف:

قال الدكتور محبُ الدينِ عبد السبحان واعظ:

هذا إسناد ضعيف جداً ، وعباد ابن صهيب متروك.(4)

ثالثاً: الرواية تخالف الصحيح المتفق عليه:

هذه الرواية مخالفة لـما أجمعت عليه الأمة الإسلامية واتفقت عليه.

قال الإمامُ أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد:

{ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَـاءُ أَنَّ مَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَـانَ بْنِ عَفَّانَ وَهُوَ الَّذِي بِأَيْدِي الْـمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ حَيْثُ كَانُوا هُوَ الْقُرْآنُ الـْمَحْفُوظُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ لِـمُسْلِمٍ إِلَّا بِمَـا فِيهِ ..}.(5)

وهذا إجماع من الأمة الإسلامية على مصحف عثمان ابن عفان رضي الله عنه بلا زيادة ولا نقصان ،

ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن إجماع الأمة معصوم.

روى ابن أبي عاصم في كتاب السُّنَّة:

عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

{ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي مِنْ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ }.(6)

ومصحف عثمان الذي أجمعت عليه الأمة هو نفسه المصحف الموجود الآن بين أيدينا اليوم لم يتغيَّر ولم يتبدَّل.

رابعاً: الحجاج كان يَتَّبِعُ مصحف عثمان ولا يخالفه:

هكذا نقلت لنا كتبُنا الإسلامية ما كان عليه الحجاج ابن يوسف الثقفي من تعظيم وتوقير وإجلال لمصحف عثمان ابن عفان رضي الله عنه.

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ

{ وَكَانَ ظَلُوْماً، جَبَّاراً، نَاصِبِيّاً، خَبِيْثاً، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ، وَإِقْدَامٍ، وَمَكْرٍ، وَدَهَاءٍ، وَفَصَاحَةٍ، وَبَلاَغَةٍ، وَتعَظِيْمٍ لِلْقُرَآنِ }.(7)

إذاً ، فالإمام الذهبي ذكر لنا محاسنَ ومساوئَ الحجَّاج ، فكان من محاسنه أنه كان مُعَظِّمـاً للقرآن الكريم.

فهلْ مَنْ يكونُ مُعَظِّمـاً للقرآن الكريم سيغيَّر فيه حرفاً ؟!

وهناك الكثير من الأدلة على تعظيم الحجاج للقرآن الكريم:

قال الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام:

{ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَسَدْتُ الْحَجَّاجَ عَدُوَّ اللَّهِ عليَّ شئ حَسَدِي إِيَّاهُ عَلَى حُبِّهِ الْقُرْآنَ وَإِعْطَائِهِ أَهْلَهُ عليه..}.(8)

قال الإمام بدر الدين العيني في كتابه عمدة القاري:

{ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَـا كَانَ يَتَّبِعُ مُصْحَفَ عُثْمَـانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يُخَالِفُهُ }.(9)

قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم:

{ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَـا كَانَ يَتَّبِعُ مُصْحَفَ عُثْمَـانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يُخَالِفُهُ }.(10)

خامساً: لو غيّر الحجاج حرفاً في القرآن لَقَتَلَهُ الخليفة:

أقول لو غيَّر الحجاجُ ابنُ يوسف الثقفي حرفاً واحداً في القرآن الكريم لقتله الخليفةُ عبدُ الملك ابنُ مروان ، فالخليفة رحمه الله كان حافظاً للقرآن الكريم تالياً له عالـمـاً به محافظاً عليه.

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

{ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ:لَقَدْ رَأَيْتُ المَدِيْنَةَ وَمَا بِهَا شَابٌّ أَشَدُّ تَشْمِيْراً وَلاَ أَفْقَهُ وَلاَ أَنْسَكُ وَلاَ أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللهِ مِنْ عَبْدِ المَلِكِ }.(11)

سادساً: من فمك أُدينك:

ألم ينظر هؤلاء إلى ما في كتبهم ؟ ألم يروا حجم التحريفات والتخريفات التي وقعت في كتابهم ؟

وهل من كان بيته من زجاج يقذف الناس بالحجارة ؟

يقول الأب فاضل سيداروس اليسوعي في كتابه تكوين الأناجيل:

{دُوِّنت الأناجيل الأربعة بسلطة الرسل . فنحن نعلم أن مرقس كان تلميذ بطرس الرسول ولوقا تلميذ بولس . وهذا لا يمنع من أن يكون إنجيل متى قد أصدره تلاميذه بعد إضافات ، إذ نذكِّر بوجود متى الآرامي ومتى اليوناني ، ولا أن يكون تلاميذ يوحنا قد أصدروا إنجيله ، إذ أن الفصل 21 مضاف ، شأن نهاية إنجيل مرقس .. }.(12)

فالأب فاضل اليسوعي يعترف أن الاناجيل زاد فيها التلاميذ وعبثوا فيها كما يحلو لهم ، فتلاميذ متَّى أضافوا على إنجيله ، وتلاميذ يوحنا أضافوا الإصحاح 21 كاملا ! ، وتلاميذ مرقس أضافوا آخر 12 عدداً على إنجيله.!

فأين وحيُ الله في كتابكم وماذا بقي لكم ؟!

مراجع البحـث:

 (1)  المصاحف للإمام أبي بكر ابن أبي داود السجستانيج1 ص280 ط دار البشائر – بيروت ، ت: د/محب الدين عبد السبحان واعظ.

 (2)  علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ،  دار الفكر –  سوريا  ، ت: نور الدين عنتر .

 (3)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام شمس الدين الذهبي ج4 ص28 ط دار الكتب العلمية – بيروت .

 (4)  المصاحف للإمام أبي بكر ابن أبي داود السجستانيج1 ص280 ط دار البشائر – بيروت ، ت: د/محب الدين عبد السبحان واعظ.

 (5)  التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للإمام أبي عمر ابن عبد البر ج4 ص278ط وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب.

 (6)  السُّنَّة للإمام ابن أبي عاصم ج1 ص41 ط المكتب الإسلامي – بيروت ، ت: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

 (7)  سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج4 ص343 ط مؤسسة الرسالة – بيروت .

 (8)  تاريخ الإسلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج6 ص326 ط دار البيان العربي – بيروت ، ت: د/عمر عبد السلام تدمري.

 (9)  عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام بدر الدين العيني ج10 ص128ط دار الكتب العلمية – بيروت ، ت: عبد الله محمود محمد عمر.

(10) صحيح الإمام مسلم ابن الحجاج بشرح الإمام النووي ج9 ص63 ط مؤسسة قرطبة – مصر.

(11) سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي ج4 ص246 ط مؤسسة الرسالة – بيروت .

(12) تكوين الأناجيل للأب فاضل سيداروس اليسوعي ص62 ، 63 ط دار المشرق – بيروت .

الرد مصوراً على هذه الشبهة

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

%d مدونون معجبون بهذه: