أرشيف المدونة

هل كان ابنُ تيمية يحقِد على عليِّ بن أبي طالب؟

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

مفتي الإباضية أحمد الخليلي في ميزان البحث العلمي

 

هل كان ابنُ تيمية يحقِد على عليِّ بن أبي طالب؟!  حلقة (11)!

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَن والاه، وبعد:

 فهذا الجزءُ الحادي العَشَر مِنْ سِلْسِلَةِ الردودِ الْعِلْمِيَّةِ عَلَى شُبُهَات وافتراءات مُفْتِي الإباضية الشيخ أحمد الخليلي هدانا الله وإياه ، وبيانِ مَنْهَجِهِ المُخَالِفِ لِكِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، بل وحَتَّى مخالفاته لمنهج محققي الإباضية!

وَفيه تَفْنِـيد شبهاته حَوْلَ الإمام الكبير والشيخ الجليل ابن تيمية رحمه الله.

يقول الخليلي في كِتَابِهِ الاسْتِبْدَاد:

[ومع تقادم العهد، بقي ابن تيمية ـ مع محاولته طي ما في نفسه عن الناس- تنفلت منه عبارات، تشي عما يعتمل بين حناياه من الحقد على أبي السبطين – كرم الله وجهه، حتى أنه شبهه بفرعون، حيث قال: «ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء المسلمين ، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رياسته، وقد قال النبي لي : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وقال: «ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» فيكون عليٌّ كافرًا لذلك؛ لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم، لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة، وأيضا فيقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدا للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، والله تعالى يقول”تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نجَعَلَها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَسَادًا وَالْعاَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة].(1)

قلت:

لو أردنا أن نَضرِبَ مِثالًا وَاضِحًا صريحًا على الخِيَانَة العِلْمِيَّـة والتدليس وانعدام الفهم والتخبُّطِ لما وجدنا أفضل من كلام الخليلي السابق كمثال صريح على ذلك ! ولعلَّ هذا من أعراض الشيخوخةِ !

فقد حَكَوْا أنَّ طالِبًا من طُلَّاب أبي الحسن الإشبيلي سأله قائلًا: يا أستاذ، ما الكَمَوْج؟!

فقال له أبو الحسن : وأين رأيتَ هذه اللفظة؟!

قال: في قول امرئ القيس: ولَيلٍ كَمَوجْ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ .

فقال له أبو الحسن : الكموج : دويبة من دواب البر، تحمل الكتب ولا تعلم ما فيها .أهـ

فالخليلي اعتبر كلام ابن تيمية هذا حِقْدًا يعتمل بين حناياه على علي بن أبي طالب رضي الله عنه!!

مع أن ابن تيمية لم يُرِدْ مَا فَهِمَه مُفتي الأباضية على الإطلاق!

وغالب ظني أن الخليلي نقل هذه الشبهات المضحكة من صفحات الرَّافِضَة على الإنترنت، فهذه السَّخَافَاتُ لا تخرج إلا من عند الرافضة!

وشيخ الإسلام ابن تيمية ليس مَسئولًا عَمَّنْ يَقرأ كلامَه ولا يفهمه!

المهم أن الخليلي وصف كلام ابن تيمية بما قال ، لكنَّ الخليليَّ لم يعتبرْ شَتْمَ عُلَمَاءِ الأباضيةِ الصَّرِيحَ لعليِّ بن أبي طالب وتكفيرَهُم له حِقْدًا يَعْتَمِلُ بين حناياهم! وهاك شيئا من أقوالهم

أولا:

سَبُّ وشَتْمُ علماءِ الأباضية لعلي بن أبي طالب وتكفيرهم له:

 يقول إمامُ الأباضية أبو سَعِيد الكُدَمِي:

 [ وقد أظهرت الحُجَّةُ عليَّ بنَ أبي طالب بالنكير بمفارقتهم له (أهل النهروان)، واعتزالهم عنه ، ومحاربتهم له ، إذْ أراد حربَهم على ذلك ، وبالواحِدة من ذلك تقوم عليه الحُجَّةُ ، ولو كان مُحِقًّا

واحتمل حقه وباطله ، فإنكار الحُجَّة عليه مُزِيلٌ لِعُذْرِهِ ، مُوجِبٌ لِضَلَالِهِ وكُفْرِهِ ].(2)

 وأبو سعيد الكُدَمِيُّ هذا يلقبه الخليليُّ مُفْتِي الأباضية بأنه إمامُ المذهب بلا منازع !!

فالكُدَمِيُّ هذا يتهم أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب بالضلال والكفر، ومع ذلك لم ير الخليلي حَنَايَا كُدَمِيِّهِ تعتمل على حِقْدٍ أو ما شابه ، لكنه فقط فهم كلام ابن تيمية بالمقلوب ثم قال ما قال!

 ويقول كتاب السير والجوابات:

 [ وكذلك عليٌّ أَمَرَهُ الله بقتالهم فلا يحل له ترك ذلك ولا تحريمه منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولا يحكم أحدًا منهم ولا فيهم بعد أن فرّق الله بينه وبينهم. فهذا دليل على كُفْر عليٍّ وضلاله، وصواب أهل النهروان وعدلهم ].(3)

أما شيخُ الأباضية محمد بن إبراهيم الكنديُّ فيعلن براءته من عليٍّ قَائِلًا:

 [ وَبَرِئْنَا بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ من أهل القبلة الذين هم من أهل القبلة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وجميع من رضي بحكومة الحكمين، وترك حكم الله إلى حكومة عبد الملك بن مروان وعبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف وأبي جعفر والمهدي وهارون وعبد الله بن هارون، وأتباعهم وأشياعهم ومَنْ تَوَلَّاهُم على كُفْرِهِمْ وَجَورِهِمْ من أهل الْبِدَعِ وَأَصْحَابِ الهوى.

قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: نوافِقُهم على هذا، والبراءة ممن سَمَّـاه].(4)

إذا فعلماءُ الأباضية يتبرؤون  من عليِّ بن أبي طالب، ويتهمونه بالجَور والضلال والكفر.

بالإضافة إلى أن إِمَامَ مَذْهَبِهِم أبا سَعِيدٍ الْكُدَمِيَّ وَصَفَ سِيرَةَ عَلِيِّ بْنِ أبي طالبٍ بالقبيحة!! (5)

لكن كل هذه الشتائم وهذا السِّبَاب والتكفير من علماء الأباضية لم يجعل الخليليَّ يرى ما يعتمل بين حناياهم من غِلٍّ وَضَغَائِنَ وَأَحْقَادٍ على عليِّ بن أبي طالب، لكنه اتَّهَمَ شَيخَ الإسلامِ بِذَلِكَ!!

 ثانيًا:

من الذي قال إن شيخ الإسلام كان يحقِد على عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟!

هذا كَذِبٌ صريح مُتَعَمَّدٌ، وكتب ابن تيمية تزخر بِعَكْسِ ذلك تمامًا !

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

[ فَضْلُ عَلِيٍّ وَوِلَايَتُهُ لِلَّهِ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أَفَادَتْنَا الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى كَذِبٍ وَلَا إِلَى مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ].(6)

ومعنى قوله “العلم اليقيني” أي العِلْم القَطْعِيُّ الذي ليس فيه ذَرَّةٌ من الشك !

فإذا كان ابن تيمية يقول إن ثبوت فضل علي بن أبي طالب وولايته ومنزلته العالية مقطوعٌ بصحته، وليس فيه مجالٌ للشَّكِّ، فكيف يكون قائل هذا عن عليِّ بن أبي طالب حاقدًا عليه ؟!

 وقال أيضًا:

[وَأَمَّا كَوْنُ عَلِيٍّ، وَغَيْرِهِ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ فَهُوَ وَصْفٌ ثَابِتٌ لَعَلِيٍّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِ عَلِيٍّ، فَعَلِيٌّ الْيَوْمَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ].(7)

وهناك يقرر ابنُ تيمية أن مولاة علي بن أبي طالب وهو حُبُّ المؤمنين له وَصْفٌ ثَبَتَ لِعَلِيِّ بن أبي طالب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مماته، ثم يقرر ابنُ تيمية أن عليًا رضي الله عنه اليوم هو مولى لِكُلِّ مؤمنٍ.

والسؤال الآن: هل ابن تيمية يعتبر نفسه مؤمنًا أم لا ؟!

مُؤَكَّدٌ أَنَّ كلَّ شَخْصٍ يعتقد في نفسه الإيمان، وابن تيمية يقول إن عليًا اليوم مولًى لكل المؤمنين، فهذا يعني أن ابنَ تيمية يَتَوَلَّى عليَّ بن أبي طالب وَيُـحِبُّه وينصره !

قال شيخ الإسلام أيضًا مُؤَكِّدًا على هذا المعنى:

[وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُوَالَاةَ عَلِيٍّ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مُوَلَاةُ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ].(8)

إذًا فابنُ تيميَّة يرى وُجُوبَ مُوَلَاةِ عليِّ بن أبي طالب، والمولاةُ تتضمَّنُ المحبة، كما قال ابن تيمية:

[ فَإِنَّ الْوَلَايَةَ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، والْوَلَايَةُ تَتَضَمَّنُ الْمَحَبَّةَ وَالْمُوَافَقَةَ، والْعَدَاوَةُ تَتَضَمَّنُ الْبُغْضَ وَالْمُخَالَفَةَ].(9)

بل قَرَّرَ ابنُ تيمية أنَّ الْـمَحَبَّةَ هي أَصْلُ الوَلَايَةِ، فقال:

[ وَالْوَلَايَةُ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، وَأَصْلُ الْوِلَايَةِ الْمَحَبَّةُ وَالْقُرْبُ، وَأَصْلُ الْعَدَاوَةِ الْبُغْضُ وَالْبُعْدُ].(10)

فكيف يكون ابنُ تيمية موالِيًا لعليِّ بنْ أبي طالبٍ مُحِبًّا له، وهو يحقد عليه كما زعم الخليلي ؟!

 هل يستقيم هذا التفكِيرُ في عقل الخليلي، إذا كان ذلك كذلك فإنه لا يستقيم عند العقلاء!

وقال ابنُ تيمية أيضًا:

 [وَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُحِبُّ اللهَ وَيُحِبُّهُ اللَهُ ].(11)

وهنا يقرِّرُ ابنُ تيمية بما لا يدع مَجَالًا للشَّكِّ أَبَدًا أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب رجل يُحِبُ اللهَ وَيُحِبُّهُ اللهُ!

فكيف يقرر أن عَلِيًّا يحب اللهَ ويحبه اللهُ، ثم يبغضه ويحقد عليه كما يزعم الخليليُ زُورًا وكذبًا؟!

وأرجو أن يُلَاحِظَ القارئُ الكريم أننا ننقل هذا الكلامَ من نفس الكتاب الذي يستدل منه الخليلي بفهمه الأعوج في فريته على شيخ الإسلام ابن تيمية !

ولو ظللنا ننقل كلامَ ابنِ تيميّة عن محبته وموالاته لعليِّ بن أبي طالب لما انتهينا!

وأختمُ هذا الْوَجْهَ بنقل ابن تيمية اعتقادَ أَهْلِ السُّنَّةِ في مَحَبَّةِ وَمُوَالَاةِ عَلِيِّ بن أبي طالب، فيقول:

[ وَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُحِبُّونَهُ وَيَتَوَلَّوْنَهُ، وَيَشْهَدُونَ بِأَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ ].(12)

إذا بحسب ما نقلناه فابنُ تيمية أبعدُ الناس عن فرية الحقد على عليِّ بن أبي طالب.

وبهذا يثبت للقارئ الكريم أنَّ قول الخليلي عن ابن تيمية محضُ افْتِرَاءٍ وَكَذِبٍ رَخِيصٍ !

ثالثًا:

زَعْمُ الخليليِّ أن ابْنَ تيميّة شَبَّهَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ بفرعون زَعْمٌ باطل مُضْحِكٌ !!

وأقلُّ ما يُقال في هذا الكلامُ إنَّهُ كَذِبٌ صريح ممجوج مفضوح!

ونحن هنا مضطرون لنقل كلام ابن تيمية مَرَّةً أخرى، وبيان منهجه في كتاب “منهاج السنة النبوية” حَتَّى يَتَّضِحَ للقارئ حقيقةُ الأمر!

/  قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية:

[ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ: لَوْ قَالَتْ لَكُمُ النَّوَاصِبُ: عَلِيٌّ قَدِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ: وَقَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى رِيَاسَتِهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» “. وَقَالَ: ” «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» ” . فَيَكُونُ عَلِيٌّ كَافِرًا لِذَلِكَ – لَمْ تَكُنْ حُجَّتُكُمْ أَقْوَى مِنْ حُجَّتِهِمْ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا صَحِيحَةٌ.

وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ. وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} سُورَةُ الْقَصَصِ فَمَنْ أَرَادَ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ].

وبحسب الكلمات التي وضعتُ تحتها خَطًّا ؛ فشيخ الإسلام لم يقل إن هذا هو قوله الذي يعتقده في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل يقول للرافضة لو أَلْزَمَكُمُ النَّوَاصِبُ بِكَذَا وكذا ؛ فلن تستطيعوا أن تجيبوا عليهم، لِأَنَّ قَاعِدَتَكُمُ التي تنطلقون منها لمهاجمة معاوية قاعدة باطلة، وفي حَالِ أَخْذِكُمْ بِهَذِهِ القاعدة فسيتمكَّنُ النواصِبُ من الطعن بها على عليِّ بن أبي طالب أيضًا.

ولكي نفهم الموضوع ببساطة وسهولة علينا أنْ نَعُودَ لِكَلَامِ الرافضي الحِلِّيِّ الذي كان شيخُ الإسلام ابن تيمية يرد عليه في هذه المسألة، قال ابن تيمية:

[ قالَ الرَّافِضِيُّ: ” وَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِ أَهْلِ الْيَمَـامَةِ قَتَلَ مِنْهُمْ أَلْفًا وَمِائَتَيْ نَفَرٍ.(13) مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَقَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ صَبْرًا وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَعَرَّسَ  بِامْرَأَتِهِ، وَسَمَّوْا بَنِي حَنِيفَةَ أَهْلَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا إِمَامَتَهُ، وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.

حَتَّى أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ، فَسَمَّوْا مَانِعَ الزَّكَاةِ مُرْتَدًّا، وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ، وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ»].

وهناك يطعن الرافضيُّ الحليُّ في أبي بكر الصديق لأنه أرسلَ خالدَ بنَ الوليدِ لِقِتَال أهل اليمامة، وَلَمْ يَذْكُر الرافضيُّ أنَّ أَبَا بَكْرٍ إنما قاتلهم لأنه ارتدوا عن الإسلام وآمنوا بمسيلمة الكذَّاب.

إذًا فالرافضي ظلم أبا بكر حينما لم يذكر سبب قتاله لهم، فابن تيمية عامل الرافضي بنفس قاعدته حينما قال له: [لَوْ قَالَتْ لَكُمُ النَّوَاصِبُ: عَلِيٌّ قَدِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ: وَقَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى رِيَاسَتِهِ]. وقال ابن تيمية للرافضي: [ وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ ].

فابن تيميَّـة يقول للرافضي: إذا كان أبو بكر عندك ظَالِـمًـا قاتِلًا للمسلمين ؛ فعلى قاعدتك يكون علي بن أبي طالب أيضًا مِثْلَه!

وهذا يسمى في باب المناظرات بـ إلزام الخصم بكلامه وقواعده.

ولم يكن ابن تيمية يريد الانتقاص من علي بن أبي طالب عليه السلام على الإطلاق، لأنه صرح في مواضع كثيره بمحبته وموالاته، ودافع عنه ضد الخوارج من أهل النهروان وغيرهم !!

رابعًا:

 وهذا بيانٌ لمنهج شيخ الإسلام ابنِ تيميَّةَ في هذا الكتاب:

ملخص منهج وطريقة شيخ الإسلام في كتابه “منهاج السنة النبوية” في هذا الباب – كما وضحت الأن – أنه يريد أن يقول للرافضة ما معناه أنكم إذا طعنتم في خلافة أبي بكر وعمر بشيء فإن القاعدة التي تنطلقون منها يستطيع أن ينطلق منها النواصب فيطعنوا في علي بن أبي طالب.

فإذا نفيتم عن أبي بكر وعمر فَضِيلَةً من الفضائل وقلتُم إنها لا تثبت عنهما، لكان ذلك إنكارًا منكم لِفَضْلِ عليِّ بن أبي طالب أيضًا، فَإِنَّ الطَّرِيقَةَ التي ثبتت بها فَضَائِلُ عليٍّ بن أبي طالب هي نفسُ الطريقة التي ثَبَتَتْ بها فَضَائِلُ أبي بكر وعمر، فإنْ أَنْكَرْتُمْ فَضَائِلَ أبي بكر وعمر لَزِمَكُمْ أَنْ تُنْكِرُوا فَضَائِلَ عليٍّ بن أبي طالب أيضًا.

ويقول أيضًا للرافضة: إذا طعنتم في أبي بكر وعمر بشيءٍ ما، وَثَبَتَ عن عليِّ بن أبي طالب نَفْسُ هذا الشيء، فإنكم بِطَعْنِكُم في أبي بكر وعمر طعنتم أيضا في علي بن أبي طالب لاتفاقهم على نفس الفعل !

وهذا مثال واضح لمنهج ابن تيمية في كتابه منهاج السُّنَّة عن النصارى والرافضة، فيقول:

[ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَغْلُونَ فِيهِ غُلُوَّ النَّصَارَى، وَلَا يَجْفُونَ جَفَاءَ الْيَهُودِ. وَالنَّصَارَى تَدَّعِي فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، وَتُرِيدُ أَنْ تُفَضِّلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، بَلْ تُفَضِّلَ الْحَوَارِيِّينَ عَلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ، كَمَا تُرِيدُ الرَّوَافِضُ أَنْ تُفَضِّلَ مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَالْمُسْلِمُ إِذَا نَاظَرَ النَّصْرَانِيَّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ فِي عِيسَى إِلَّا الْحَقَّ، لَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ جَهْلَ النَّصْرَانِيِّ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ، فَقَدِّرِ الْمُنَاظَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِيِّ; فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ الْيَهُودِيِّ إِلَّا بِمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُسْلِمُ ; فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا كَانَ مُنْقَطِعًا مَعَ الْيَهُودِيِّ، فَإِنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ قَدَحَ فِي نُبُوَّتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا إِلَّا قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ فِي الْمَسِيحِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَاتِ لِمُحَمَّدٍ أَعْظَمُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ لِلْمَسِيحِ، وَبُعْدَ أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَنِ الشُّبْهَةِ أَعْظَمُ مِنْ بُعْدِ الْمَسِيحِ عَنْ الشُّبْهَةِ، فَإِنَّ جَازَ الْقَدْحُ فِيمَا دَلِيلُهُ أَعْظَمُ وَشُبْهَتُهُ أَبْعَدُ عَنِ الْحَقِّ، فَالْقَدْحُ فِيمَا دُونَهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْقَدْحُ فِي الْمَسِيحِ بَاطِلًا، فَالْقَدْحُ فِي مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا بَطَلَتِ الشُّبْهَةُ الْقَوِيَّةُ، فَالضَّعِيفَةُ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، وَإِذَا ثَبَتَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي غَيْرُهَا أَقْوَى مِنْهَا فَالْقَوِيَّةُ أَوْلَى بِالثَّبَاتِ].(14)

وهذا سياقُ كلامِ ابنِ تيميةَ الذي اجتزأ الخليليُ منه للتشنيع عليه:

وقال ابنُ تيمية وهو يردُّ على الرافضيِّ ابنِ المطهّر الحِلِّيِّ:

[قَالَ الرَّافِضِيُّ: سَمَّوْا (الصحابة) مَانِعَ الزَّكَاةِ مُرْتَدًّا، وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ، وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ].

إذًا فهذا الرافضي يريد أن يقول لأهل السُّنَّة: كيف تُسَمُّونَ مانعي الزكاة مرتدين، ولم تُسمُّوا معاويةَ مرتدًا مع أن معاوية حَارَبَ المسلمين ، وحارب عليَّ بن أبي طالب في معركة صفين ، ومع ذلك لم يسموا معاوية مرتدًا، مع أنهم سمعوا النَّصَّ الذي قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعلي بن

أبي طالب: “يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ”].

وابن تيمية رَدَّ على هذا الرافضيِّ بما يُعْجِزُهُ ويقطع حُجَّتَهُ!

فكان مِنْ جواب ابن تيمية عليه – بعدما بَيَّنَ له كَذِبَ الروايةِ وغَلَطَهُ في الاستدلال بها وأوضح سوء فَهْمِه للنصوص – أنه قال ما معناه للرافضي: بحسب هذه الطريقة في الاستدلال؛ إذا قام النواصب بتوجيه نفس الاتهام لكم عن شخص علي بن أبي طالب لما استطعتم أن تردوا عليهم، لِأَنَّ القواعد الباطلة التي ينطلق منها الرافضي تدين عليَّ بن أبي طالب، فلو قالت النواصب للرافضة: أنتم تنكرون على معاوية استحلاله لدماء المسلمين كما تقولون فعليُّ بن أبي طالب أيضا اسْتَحَلَّ قِتَالَ المسلمين على خِلَافِتِهِ، إذْ لا يوجد نصٌّ قرآنيٌّ ولا حديثٌ نبويٌّ يأمر فيه النبيُ صلى الله عليه وسلم عليًّا بِقِتَال أهل الجمل وصِفِّين، فاتِّهَامُكُم لمعاوية يُعَدُّ اتهامًا لعليِّ بن أبي طالبٍ أيضًا سَيْرًا على نفس قاعدتكم.

 قال ابن تيمية: [فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة].

فهل ابن تيمية يصف عليَّ بنَ أبي طالبٍ بشيء من هذا أَصْلًا ؟!

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية:

[ وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آخِرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ].(15)

 فكيف يصف شيخ الإسلام أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه بأنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين وهو يشبهه في نفس الوقت بفرعون ؟! هل يجتمع هذان القولان في ذهن رجل عاقل سليم؟!

فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه

خامسًا:

نحن كمسلمين لا نرضى أَنْ يُسَبَّ أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام والرضوان.

وهو أفضل عندنا من ابن تيمية وأمثاله من العلماء بلا خلاف أو جِدَال!!

ولكننا في ذات الوقت نقول: إذا كان الخليلي يرى أن ابن تيمية نال من عليِّ بن أبي طالب ، فلماذا يسمح الخليلي بطباعة الكتب التي تسب علي بن أبي طالب وتنال منه وتحقد عليه؟!!!

فهذا إمام الأباضية أبو سعيد الْكُدَمِيُّ يقول: 

 [ ثم إن علي بن أبي طالب استخلف على الناس ، فنقض عهد الله ، وحكم في الدار غير حكم كتاب الله ، وقتل المسلمين ، وسار بالجور في أهل رعيته ، فعلى هذا الذي قد صحت منه سعادة علي بن أبي طالب ، أن يتولى لله علي بن أبي طالب ، على سفكه لدماء المسلمين ، وعلى تحكيمه في الدماء غيرَ حُكْمِ كِتَاب الله ، وسيرته القبيحة ، ولا يحل له الشك في ولايته ، وعليه أن يبرأ لله من باطله ، ومن سفك دمه إن قدر على ذلك].(16)

فهل كانت سيرة علي بن أبي طالب قبيحة ؟! وإذا كان الجواب بالنفي؛ فلماذا يتم طباعة الكتب التي تحتوي سب علي بن أبي طالب وشتمه ؟!

ويقول شيخ الأباضية سالم السيابي:

[كان علي بن أبي طالب من علماء الصحابة و عبادها ، إلا أنَّ حبه الخلافة أوقعه في ما وقع فيه من بلائها، فلم يهتدي لسياستها، فإنَّه لما مات النبي صلى الله عليه و سلم و آله ما كان يرى لها غيره، وكان المسلمون لا يرونه لها، فلما تولاها أبو بكر تَبَرَّمَ وَدَخَلَ في نفسه ما دخل من التأثير، حتى إذا اسْتَخْلَفَ أبو بكر عُمَرَ بن الخطاب بَقِيَ في نَفْسِ عَلِيٍّ أنها فَلْتَةٌ وسترجع إليه، فكان الأمر على خِلَاف ما ظَنَّ ، فزاد تَبَرُّمُهُ وتَشَكِّيهِ].(17)

وفي النهاية أنصح الخليليَّ مفتي الأباضيةِ بهذه النصيحة:

/  يقول الأباضيُّ ناصر المسقري:

[ إنَّ التسرعَ والاندفاعَ في إصدار الأحكام دون رَوِيَّةٍ دون تَحَرٍّ للحقيقة ولا صَبْرٍ في الْبَحْثِ عنها، بل الاكتفاءُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ يُوقِعُ في أَخْطَاءٍ كَثِيرَةٍ ! والاكتفاء ببادئ الرأي سِمَةُ الْعَامَّةِ وَالدَّهْمَاءِ الذين تحركهم الْعَوَاطِفُ الآنِيَّةُ وتوجههم الانفعالاتُ غيرُ الواعية وتتحكمُ بهم الغوغائيةُ ويشغلهم عادةً أصحابُ المصالح والأهواء. ولذلك نجد أن أكثر الأفكار المسيطرة عليهم التي تتحكم بها تعميمات باطلة ومبادئ لا تعتمد على حق، وعقائد لا تستند إلى براهين ولا أدلة كافية للإقناع، بل عواطف لا قيمة لها في ميزان الفكر السليم ولا في ميزان الواقع التجريبي ].(18) 

/  يقول الأباضيُّ علي الحجري في مقدمة كتابه:

[فَعَلَى الْكُتَّاب الذين لا يَرْضَونَ إلا بإثارة أَخْبَارِ تِلْكَ الْفِتَنِ في أوساط الأجيال المسلمة أَنْ يفهموا مسئولياتِهم ويتحققوا من صِحَّة الْأَخْبَار التي يبنون عليها أحكامهم].(19)

وقد قيل:  

فَدَعْ عَنْكَ الْكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْهَا       ****      وَلَوْ لَطَّخْتَ وَجْهَكَ بِالْـمِدَادِ

….

فإلى دَيَّان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

………

صباح الأربعاء يوم 23 من ربيع الثاني لعام 1439 هجريا

الموافق 10 يناير لعام 1018 ميلاديا

 


(1)  كتاب الاستبداد – مظاهره ومواجهته للخليلي ص58 ، 59 ، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(2)  الاستقامة ج1 ص119، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(3)  كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان ج2 ص307، ط وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان.

(4)  بيان الشرع لمحمد الكندي ج3 ص280، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(5)  المعتبر ج1 ص36 ، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(6)  منهاج السنة النبوية (8/ 165).

(7)  منهاج السنة النبوية (7/ 325).

(8)  منهاج السنة النبوية (7/ 27).

(9)  مجموع الفتاوى (5/ 510).

(10)  مجموع الفتاوى (11/ 160).

(11)  منهاج السنة النبوية (7/ 218).

(12)  منهاج السنة النبوية (6/ 18).

(13)  الرافضي يقصد خالد بن الوليد رضي الله عنه في حروب الرِّدَّة.

(14)  منهاج السنة النبوية (2/ 55).

(15)  مجموع الفتاوى ج3 ص406، ط خادم الحرمين الشريفين.

(16)  المعتبر ج1 ص36، قاموس الشريعة ج8 ص260.

(17)  العرى الوثيقة للسيابي ص 188.

(18)  الإباضية في ميدان الحق – ناصر المسقري ص22 ، ط مكتبة الأنفال مسقط – عمان.

(19)  الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري ص195.

براءة جابر بن زيد من الأباضية – حلقة (1)

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

براءة جابر بن زيد من الأباضية- حلقة (1)

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومن والاه، وبعد:

فهذه دراسة كتبتُها من واقع ملاحظاتي وقراءتي في مُسْنَدِ الربيع بن الحبيب الفراهيدي الذي تعتبره الإباضيةُ أَهَمَّ كُتُبِ الحَدِيث النبوي !!

وسبب هذه الدراسة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: [ لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ ].([1])

وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ].([2])

وهذا حديث في منتهى الخطورة، إذْ أَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم جعل الْـمُتَقَوِّلَ عليه ما لم يَقُلْهُ في النار، لأنه في الحقيقة كَاذِبٌ على الله، لِأَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، وكلامه وأفعاله وإقراره تشريع للعباد، والكاذِبُ عليه كاذِبٌ على الله في الحقيقة!

قال الإمام ابن حجر الْعَسْقلاني:

[ تَقْوِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ].([3])

فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخطر الأمور، ولِذَا فَإِنَّ صيانةَ كلامه صلى الله عليه وسلم عن الكذب والوضع من أخص العبادات والقربات إلى الله سبحانه وتعالى.

ولهذا قررتُ عملَ دراسةٍ مختصرةٍ حول هذا الكتاب من خلال رُوَاتِهِ، وما قيل في هؤلاء الرواة ، سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو مَن جاء بعدهم، وما قاله بعضُ هؤلاءِ الرواةِ أنفسهم في الأباضية أو في أَسْلَافِهِم من أهل النهروان بشكلٍ عامٍ.

وأَوَدُّ أن أُوَضِّحَ المنهجَ الذي سأعتمده في ملاحظاتي في نقد هذا الكتاب، فسآتي بكلام مَنْ يخالفنا وَأَرُدُّ عليه كما تَعَوَّدْتُ مع قُرَّاء مدونتي وموقعي ومشاهدي قناتي الكرام.

وسأبدأ الكلام عن هذا الموضوع من الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي رحمه الله.

يقول الأباضي بكير بن سعيد أعوشت:

[ يرجع المذهب الأباضي في نشأته وتأسيسه الى جابر بن زيد الذي أرسى قواعده الفقهية وأصوله. فهو إمامٌ مُتَحَدِّثٌ فَقِيهٌ، وتبحَّر بعمق في الفقه، وأمضى بقية حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله على صِلَةٍ بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك. وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال للناس: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله المشرق والمغرب لوسعهم علمه. وقد أصبح أعظم فقيه في البصرة وله أتباع عديدون كعبد الله بن أَبَاض ومرداس بن حدير وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة].([4])

ولهذا حاول الأباضي علي الحجريُّ مُؤَلِّفُ كِتَابِ ” الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات ” أن يُضَعِّفَ كُلَّ الرواياتِ التي تُوَضِّحُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيد رحمه الله أَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ من الأباضية، وأعمل المؤلفُ فيها مِعْوَلَ الهدم الأعمى ضَارِبًا بالقواعد المنهجية العلمية المعروفة عرضَ الحائط !!

فيقول رَادًّا على الدكتور محمد عبد الفتاح عليان:

.

وبعدما عَرَضْنا كَلَامِهِ كاملًا عن الرواية الأولى نبدأ بحول الله في البحث في كلامه وطريقة استدلاله، وَذِكْرِ ما أغفل ذِكْرَهُ عَمْدًا من نفس كتب علماء الجرح والتعديل التي استدلَّ بها !!

والسؤال الآن: هل يدري القارئ الكريم ما الكلام الذي حذفه الأباضي علي من ترجمة همام؟!

أولا: الكلام عن رواية هَمَّام بن يَحْيَى عن قتادة:

لقد ذكر لنا الأستاذُ الحَجَرِيُّ أَقْوَالًا تَذُمُّ هَمَّامَ بن يحيى، لكنَّه لم يَذْكُرْ لنا أَنَّ الرَّدَّ على هذه الأقوال مَوْجُودٌ في نفس الصفحات بين الفراغات التي وَضَعَ الأستاذ الحجري مَكَانَهَا هذه النقاطَ !! وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ !!

وليس هذا فقط، بل إن الأقوالَ التي حَذَفَهَا الحجريُّ هي القولُ الْـمُعْتَمَدُ عند العلماء والأئمة في الْكَلَامِ عن همام بن يحيى الأزدي!! وسنذكر شيئًا من هذه الأقوالَ، ونبين الحقيقة لِقُرَّائِنَا الْكِرَام!

لكن قبل البدء أقول إِنَّ الأستاذ علي الحجري فعل فِعْلَتَهُ هَذِهِ، لِأَنَّهُ يَعْرِف يَقِينًا أنه لَا أَحَدَ مِن الأباضية المساكين من قُرَّائِهِ سَيُرَاجِع خَلْفَه هذه الأقوال!

قال ابنُ حَجَر الْعَسْقَلَانِيُّ:

[ قال عمر بن شبة عن عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هَمَّامًا في كثير مما كان يحيى ينكره ، فَـكَفَّ يحيى بَعْدُ عنه.

[ قال أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون: كان هَمَّام قويًّا في الحديث.

وقال صالح بن أحمد عن أبيه: همام ثَبْتٌ في كُلِّ المشائخ.

وقال الأثرم عن أحمد: كان عبدالرحمن – بن مهدي – يَرْضَاه.

وقال أبو حاتم عن أحمد: سمعتُ ابن مهدي يقول همام عندي في الصدق مثل ابن أبي عروبة.

وقال ابن محرز عن أحمد: همام ثقة، وهو أثبت من أبان العطار في يحيى ابن أبي كثير.

وقال الدوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يروي عن أبان، ولا يروي عن همام، وهمام عندنا أفضل من أبان.

وقال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: ثقة صالح، وهو أَحَبُّ إليَّ في قتادة من حمَّاد بن سلمة.

وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: همام في قتادة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ.

وقال عثمانُ الدارميُّ عن ابن معين مثله، وزاد قلت: همام أحب إليك في قتادة أو أبان؟ قال ما أقربهما، كلاهما ثقتان.

وقال ابنُ المديني لما ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وسعيد أعلمهم به، وشعبة أعلمهم بما سمع عن قتادة مما لم يسمع، قال: ولم يكن همام عندي بدون القوم فيه، ولم يكنْ لِيَحْيَى فيه رأيٌ، وكان ابنُ مهدي حَسَنَ الرأي فيه.

وقال ابن عَمَّـار: كان يحيى بنُ سعيد لا يعبأ بهمام ويقول: ألا تعجبوا من عبدالرحمن يقول: من فاته شعبة يسمع من همام.

وقال عمرو بن علي: كان يَحْيَى بنُ سعيد لا يُحَدِّثُ عن همام، وكان عبدالرحمن يحدث عنه.

قال: وسمعتُ ابراهيم بن عرعرة قال لِيَحْيَى: ثنا عفان ثنا همام، فقال له: اسكت ويحك.

قال عمرو بن علي: الأثبات من أصحاب قتادة: ابن أبي عروبة وهشام وشعبة وهمام.

وقال ابن المبارك: همام ثبت في قتادة.

وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زُرَيْعٍ يقول: هَمَّام حِفْظُهُ رَدِيءٌ، وكتابه صالح.

وقال ابن سعد: كان ثِقَةً، ربما غَلِطَ في الحديث.

وقال ابنُ أبي حاتم: سُئِلَ أبو زرعة عنه فقال: لا بأس به.

قال: وَسُئِلَ أبي عن همام وأبان مَنْ تُقَدِّمُ منهما؟ قال: همام أَحَبُّ إلي ما حَدَّثَ من كِتَابِهِ، وإذا حَدَّثَ من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط.

قال: وسألتُ أبي عن همام فقال: ثِقَةٌ صَدُوق، في حفظه شيءٍ، وهو أحب إليِّ من حماد بن سلمة وأبان العَطَّار في قتادة.

وقال ابنُ عَدِيٍّ: أخبرني إسحاق بن يوسف أظنه عن عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادةً فلم يعدلْهُ هَمَّام، فنقم عليه.

قال ابنُ عَدِيٍّ: وهمام أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى ابن أبي كثير.

قال محمد بن مَحْبُوب: مات سنةَ ثلاثٍ وستين ومائة، وذكره ابن حِبَّان في الثقات وقال: مات سنة أربعٍ وستين. وقال الميموني عن أحمد عن سريج بن النعمان: قَدِمْتُ البَصْرَةَ سَنَةَ أربع أو خمس وستين، فقيل لي: مات همام منذ جمعة أو جمعتين.

قلت: وقال ابن أبي خيثمة: قال عبدالرحمن بن مهدي: ظَلَمَ يحيى بنُ سَعِيدٍ هَمَّامَ بْنَ يحيى، لم يكن له به عِلْمٌ ولا مُجَالَسَةٌ ].([5])

والمستنبَط من هذا الكلام وخلاصته أَنَّ الكلامَ في هَمَّام ليس له علاقة بروايته عن قتادة، بل هو ثِقَةٌ ثَبْتٌ في روايته عن قتادة، كما شَهِدَ بذلك كِبَارُ الْحُفَّاظِ والأئمة !! وهذا هو الكلام الذي يتعلق برواية براءة جابر بن زيد بن الأباضية، حيث أَنَّ الرواية من طريق همام عن قتادة.

فالذي يخصنا الآن في كلام العلماء والأئمة عن همام هو روايته عن قتادة، وهو ثقة ثَبْتٌ فيها كما تقدم !

فلماذا لم ينقل الأستاذ علي الحجري كلام الأئمة والعلماء في رواية همام عن قتادة ؟!

لذلك أقول إن الطريقة التي يتبعها الأباضيُّ عليّ الحجري وغيرُهُ ممن يحاولون تشويه الحقائق وتزوير الوقائع لم تَعُدْ مُجْدِيَةً في هذا الزمان، إِذْ يستطيعُ أيُّ شَخْصٍ أَنْ يحصل بضغطة زِرٍّ على الكتاب الذي ينقل عنه المدلس، ويكتشف بسهولة ما أخفاه الْـمُدَلِّسُ عن الناس !!

فأما إِنْكَارُ يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان عليه، والذي ذكره الأباضيُّ نقلًا عن ميزان الاعتدال للذهبي ؛ فقد ذكر ابنُ حَجَرٍ في نفس الصفحة أَنَّ يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّانَ تَرَاجَعَ عن ذلك!

[ قال عمر بن شبة عن عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على هَمَّام في كثيرٍ من حديثه، فلما قَدِمَ مُعَاذُ نَظَرْنَا في كُتُبِهِ فوجدناه يُوَافِقُ هَمَّامًا في كثيرٍ مما كان يَحْيَى يُنْكِرُهُ، فَكَفَّ يحيى بَعْدُ عَنْهُ ].

إذًا فيحيى بن سعيد القطان يراجع عن كلامه في همام والقدح فيه !

ولقد ذكرتُ تَرَاجُعَ يحيى بن سعيد القَطَّان عن الكلام في همام بن يحيى هنا لسببين:

الأول: أنَّ الأباضيَّ ذَكَرَ ذلك من ميزان الاعتدال لتضعيف الرواية الأولى. وسيأتيك بيانه من كلام الذهبي  !

الثاني: أَنَّ الأباضيَّ الحجري حينما أراد تضعيفَ روايةٍ أخرى في براءة جابر من الأباضية قال:

[ هذه الرواية لا تقوم بها حُجَّةٌ لأحد على الإباضية، وذلك لورودها من طريق همام بن يحيى بن دينار الأزدي الذي ضَعَّفَ حفظَه يحيى القطانُ وغيرُه من علماء الجرح والتعديل ].([6])

وقد قال الذهبي في السير:

[عُمَرُ بنُ شَبَّةَ: حَدَّثَنَا الفَلاَّسُ، قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِحَدِيْثٍ، فَأَنْكَرَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ، وَقَالَ: لَمْ يَصْنَعِ ابْنُ أَبِي عَرُوْبَةَ شَيْئاً. فَقَالَ عَفَّانُ – وَكَانَ حَاضِراً -: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فَسَكَتَ يَحْيَى، فَعَجِبْنَا مَنْ يَحْيَى، حَيْثُ يُحَدِّثُه ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيْدٍ، فَيُنْكِرُهُ، وَحَيْثُ حَدَّثَهُ عَفَّانُ عَنْ هَمَّامٍ، فَسَكَتَ.

قُلْتُ (الذهبي) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَحْيَى تَغَيَّرَ رَأْيُه بِأَخَرَةٍ فِي هَمَّامٍ، أَوْ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى اتِّفَاقَهُمَا عَلَى حَدِيْثٍ اطْمَأَنَّ].([7])

كما أَنَّ الأباضيَّ علي الحجري لم يذكر لِقُرَّائِهِ أَنَّ الإمامينِ العظيمينِ البخاريَّ ومسلمًا قد رَوَيَا لهمام بن يحيى في صحيحهما، ولم يتكلمْ واحدٌ منهما فِيهِ بِشَيءٍ، وكذلك سائِرُ بقية أصحاب الكتب!

وقال الذهبي في تاريخ الإسلام:

[ أَمَّا هَمَّامٌ فَاحْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ بِلا نِزَاعٍ بَيْنَهُمْ ].([8])

قال ابن حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:

[ همام بن يحيى الْبَصْرِيّ: أحد الْأَثْبَات .. وَقد اعْتَمدهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة، وَالله أعلم ].

وفجأةً صار هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ضَعِيفًا عند الأباضية !!

فحينما أراد الأباضيُّ علي الحجري تضعيفَ أبي هلال الراسبيِّ في روايته لبراءة جابر من الأباضية احتج الأباضي بأنَّ البخاري ذكر أبا هلال الراسبيَّ في كتاب الضعفاء ، لكن الأباضي لم يعتدَّ بتوثيق البخاري لهمام بن يحيى لأن توثيق البخاري لهمام يخالف هواه !

وقد ذَكَرَ ابنُ حَجَرٍ قولَ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيِّ في أَنَّ يحيى بنَ سَعِيدٍ القَطَّان ظَلَمَ همامَ بْنَ يحيى في كلامه عنه وتضعيفه له، وَأَنَّ كلامَه فيه لم يَكُنْ عَنْ عِلْمٍ أَو مجالسة، فقال: [ظَلَمَ يحيى بنُ سَعِيدٍ هَمَّامَ بْنَ يحيى، لم يكن له به عِلْمٌ ولا مجالسة ].

يعني نفس الكتاب – تهذيب التهذيب – الذي استدلَّ منه الحجري للطعن في همام بن يحيى ، يحتوي على براءة همام بن يحيى من كلام يحيى بن سعيد القطان، ومع ذلك لَمْ يَسْتَحِ الأباضي علي الحجريُّ أنْ يحذفه أثناء نقله كلامَ ابنِ حَجَر العسقلاني! 

هذا منهج ميكافيللي بجدارة !!

ويكفي المنصفَ قولُ ابن عَدِيٍّ: [ وهمامٌ أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديثٌ مُنْكَرٌ، وأحاديثُهُ مستقيمةٌ عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير ].([9])

وقول ابنُ عَدِيٍّ – بأنَّ أحاديث يَحْيَى مستقيمة عن قتادة – قَاطِعٌ في محل النزاع، وهو تصحيحٌ لِكُلِّ ما رواه هَمَّامُ بْنُ يحيى عن قتادة، ويدخل في ذلك روايتُهُ حول براءة جابر بن زيد من الإباضية !

المضحك أنَّ الأباضيَّ الحَجري تجاهلَ توثيقَ ابنِ معين لهمام بن يحيى ، مع أنه صَرَّحَ في كتابه بأنَّ يحيى بن معين من كِبَار علماء الجرح والتعديل، فقال: [ يحيى بن معين ، وهو من كبار علماء الجرح والتعديل ].([10])

فحينما احْتَاجَ الأباضيُّ لِقَولِ يَحْيَى بن مَعِين وَصَفَهُ بِأَنَّهُ من كِبَار علماء الجرح والتعديل، وحينمـا رأى أَنَّ قول يحيى بن معين لا يوافق هواه ولا يَخْدُمُ هدفه ولا يُسَايِرُ خطته لم يَذْكُرْهُ البتةَ !!

ويبقى هذا السؤالُ يُؤَرِّقُ الأباضية:

لماذا ترك الأباضيُّ عليُّ الحَجَري كلامَ يَحْيَى بنِ معين – مع وَصْفِهِ له بأنه من كِبَار علماء الجرح والتعديل – ، وكلامُ يحيى بن معين كلامٌ واضحٌ وصريح في توثيق روايات همام بن يحيى عن قتادة بن دعامة ؟!

قد ثبت للقارئِ الكريم أن يحيى بن معين وَثَّقَهُ وقال إنه ثقة في مروياته عن قتادة!

وَلِأَنَّ كَلَامَ العلماء المتكلمين في همام معتبرٌ عندنا، فهو محمولٌ على غير روايته عن قتادة ، إذْ وَثَّقُوهُ في روايته عن قتادة بإطلاق. مع اعتبار تَرَاجُعِ مَنْ تَرَاجَعَ عَنْ كلامِهِ فيه كَـ يحيى القطان!

ثم إِنَّ الذي رَوَى هذه الروايةَ عن همام بن يحيى رَجُلَانِ ثِقَتَانِ، وسماع عفان بن مسلم من همام ليس قَدِيمًـا، بل هو من الحديث الذي لا غُبَارَ عليه، فقد نَقَلَ الأباضيُّ ما نقله ابنُ حَجَر:

[ قال الحسن بن علي الحلواني : سمعت عَفَّانَ يقول: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً فنستغفر الله تعالى .. وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أَصَحُّ ممن سَمِعَ منه قديمًـا ]. أهـ

قلت ( أبو عمر) : بما أن عَفَّانَ نقل عن همام تَرَاجُعَهُ عن حديثه القديم، ونَقَلَ لنا عَفَّانُ قولَه هذا، فروايةُ عفان عن همام هي من آخر حديث همام الخالي من الخطأ بعد مراجعة كتابه !

إِذْ لا يتخيل عاقل أن عفان سيخبرنا بأن همام تراجع عن رواياتٍ أخطأ فيها ، ثم يرويها لنا دون بيان ذلك !

ثم يبقى السؤال: هل رواية براءة جابر بن زيد من الأباضية مما أخطأ فيه همام بن يحيى ؟!

أقول: لا، بل تابعه على هذه البراءةِ كثيرٌ من الحُفَّاظِ الثِّقَاتِ، كما سيأتي بيانُهُ إن شاء الله في حلقات قادمة !

لكن سأكرر قول ابن عدي: [ وهمامٌ أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديثٌ مُنْكَرٌ، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يَحيى بن أبي كثير ].([11])

فكما قلتُ سابقًا إِنَّ هذا الكلامَ قاطِعٌ في محلِّ النزاع، فابنُ عَدِيٍّ صَرَّحَ أنه لا يوجد لِهَمَّـام بن يحيى حديثٌ مُنْكَرٌ وَاحِدٌ، وَيُصَرِّحُ أيضا أَنَّ رواياته عن قتادة مستقيمة !!

وهذا يقتضي تصحيحَ كلِّ ما يرويه همامٌ عن قتادة ، ويشمل ذلك روايةَ براءةِ جابرٍ من الأباضية!

ثانيًا: الكلام عن رواية قتادة عن عَزْرَة:

طعن الأباضيُّ علي الحجري في قتادة بن دعامة السدوسي وحاول إسقاط روايته في براءة جابر من الأباضية بأنه مُدَلِّس من الطبقة الثالثة، وقد رَوَى روايتَه عن عَزْرَةَ بالعنعنة !!

وسأضع روايتينِ يرويهما قتادةُ بالعنعنة، وأرجو من الأباضية أنْ يحكموا عليهما بالضعف !

1. [ .. عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ يَقْنُتُ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ الآخِرِ يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَلَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ ].([12])

2. [ .. عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالتَّوْبَةُ مَدَنِيَّاتٌ، وَالرَّعْدُ مَدَنِيَّةٌ إِلاَّ آيَةً وَاحِدَةً .. ].([13])

فهل هاتانِ الروايتانِ ضعيفتانِ عند الأباضية لِأَنَّ قَتَادَةَ لم يُصَرِّحْ فيهما بالسَّمَـاع ؟!

إذا حَكَمَ الأباضيةُ على هاتينِ الروايتينِ بالضَّعْفِ ؛ فَسَأَقْبَلُ منهم مؤقتًا تضعيفَهم لرواية قتادة في براءة جابر بن زيد من الأباضية ، وإذا صَحَّحَ الأباضيةُ هاتينِ الروايتينِ؛ فما وَجْهُ تَضْعِيفِهِم لرواية براءة جابر بن زيد من الأباضية بعنعنة قتادة ؟!

لن يجرؤ الأباضية أن يضعفوا هاتين الروايتينِ !!

فهاتانِ الروايتانِ نقلتُهُمَـا من كتاب مُسْنَدِ الربيع بن حبيب الذي تقدِّسُهُ الأباضية، وتعتبره أَصَحَّ من صحيحي البخاري ومسلم، ويحكمون بصحة جميع ما جاء فيه من مروايات !!!!

جاء في مقدمة هذا الكتاب قولُ شيخِهِمْ عبد الله بن حميد السالمي:

[ اعلمْ أن هذا المسند الشريف أصحُّ كُتُبِ الحديث روايةً وأعلاها سَنَدًا، وجميعُ رجالِهِ مشهورون بالعِلْم وَالوَرَع والضَّبْطِ والأمانة وَالْعَدَالَة والصِّيَانَة، كلهم أئمةٌ في الدين وقادةٌ للمهتدين، هذا حكم المتصل من أخباره، وأما المنقطع بإرسال أو بلاغ في حكم الصحيح لتثبُّتِ راويه ].([14])

فإذا كان قتادةُ ثِقَةً عند الأباضية ؛ فروايته في براءة جابر بن زيد من الأباضية رواية صحيحة.

وإذا كان قتادةُ عندهم مُدَلِّسًا فليحذفوا رواياته من مسندهم وليحكموا بخطأ شيخهم عبد الله السالمي!

وأمَّا رواية قتادةَ عن عَزْرَةَ عندنا فصحيحة، ولقد روى مسلمٌ لِقَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ في مَوْضِعَينِ:

قال الإمامُ مسلم: [ وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: «فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ].([15])

قال الإمامُ مسلم: [ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ }. [السجدة: 21] قَالَ: «مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، أَوِ الدُّخَانُ» شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ أَوِ الدُّخَانِ ].([16])

والخُلاصة أَنَّ الأستاذ علي الحجري أرادَ تضعيفَ كُلِّ رواياتِ براءةِ جابر بن زيد من الأباضية فقط لأنه أَبَاضِيٌّ، ولأن براءة جابر بن زيد من الأباضية تنسف مذهبهم البدعي نَسْفًا وتهدمه من أَسَاسِهِ، – إذْ أنهم يزعمون أن جابر رحمه الله هو الذي أسس هذا المنهج الغريب -، وليس سبب تضعيفه لهذه الروايات أن عِلْمَ الحديث الشريف يُقِرُّهُ أو يساعده في ذلك كما تبين للقارئ الكريم !!

وأيضًا نقول للأباضية: أعطونا عالِـمًـا من علماء الحديث أعلَّ روايةً لأنها من رواية همام بن يحيى بن دينار البصري عن قتادة !

ثم إن هذه الرواية لَيْسَتْ حَدِيثًا نبويًا لِيَتَعَنَّتَ الأستاذ الحجري فيها بهذه الطريقة الغريبة !

مع تسليمه بِصِحَّةِ مُسْنَدِ الربيع بن حبيب المجهول عند جميع علماء الجرح والتعديل الذين يستدل الحجري بكلامهم، وَكذلك جَهَالَةِ شيخِهِ مسلم بن أبي كريمة، أو تضعيف العلماء له !

فانظرْ أخي القارئ الكريم كيف يتساهَلُ الأباضيةُ في تصديق رواياتٍ منسوبةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في مسند الربيع – مع ضعفها وإرسالها وجهالة رواتها -، وكيف يتعنتون ويدلسون ويبترون كلام العلماء ليرفضوا كلامًا مَقْطُوعًا بثبوته عن رَجُلٍ من التابعين !!

مع أَنَّ العكس هو الصحيح، فالتَّسَاهُل قد يكون في كلامٍ مَنْسُوبٍ لأحد التابعين لِأَنَّ كلامه ليس تَشْرِيعًا، ويكون التشددُ والتدقيق في الكلام المنسوب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم !!

الغريب والعجيب أَنَّ الأستاذ علي الحجري كان يقول في مقدمة كتابه:

[فلابد للجميع أن يحتكموا إلى الحَقِّ الذي يعترف بِسُلْطَانِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ في إِثْبَاتِ ما هو ثَابِتٌ بالدليلِ القاطعِ، وإبطالِ ما هو باطلٌ بالحجة الواضحة البينة ].([17])

قلت: ما صدقتم ولا بررتم !

وإمعانًا في إفحام الأباضي علي الحجري أقول:

قال الإمام ابن أبي حاتم:

[وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أبو داود الطَّيَالسي، عَن هَمَّام ، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَن الشَّعْبي؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي أسامةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّهُ أفاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فلم تَرفَعْ راحِلَتُه يَدًا غَادِيَةً ، حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَة؟. وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ هَمَّام، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني ، عَنِ الفَضْل بْنِ عباس: أنه كان رَديفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المُزدَلِفَة، ولم تَرْفَعْ راحِلَتُه يَدً غادِيَةً، حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ؟

قَالَ أَبِي: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ خطأٌ؛ الشَّعْبيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أُسَامَةَ شَيْئًا فِيمَا أَعْلَمُ ].([18])

وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ هَمَّام، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَنِ الشَّعبي؛ أنَّ الفَضْلَ بْنَ عباس حدَّثه، وأن أسامةَ بْنَ زَيْدٍ حدَّثه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ. هَلْ سَمِعَ الشَّعْبيُّ مِنْهُمَا ؟ فَقَالَ: لا يُحْتَمَلُ، ويَنْبَغي أَنْ يكونَ بينهُما رجلٌ آخَرُ، ولكنْ كَذَا حدَّث بِهِ هَمَّام، فَلا أَدْرِي مَا هَذَا الأَمْرُ؟! ].([19])

فهنا نرى الإمامَ الكبيَر أبا حاتم يُخَطِّئُ الروايتينِ وَيُعِلُّ الأولى بعدم سماع الشعبي من أسامة، فمن باب أولى ألا تكون الثانية صحيحة لأن الحسنَ الْعُرَنِيَّ لم يسمع من عبد الله بن عباس، فكيف يكون قد سمع من أخيه الفضل بن عباس، وهو الذي مات قبل ابن عباس بعشرات السنين!

والشاهد من هذا أَنَّ الإمام أبا حاتم الرازيَّ لم يجرؤ على إِعْلَالِ الرواية بسبب هَمَّام أو قتادة !!

لكنَّ صاحبَنا الأباضيَّ تَجَرَّأَ على فعلها هكذا بمنتهى الْبَسَاطَةِ، بلا ضَابِطٍ ولا رَابِطٍ، منتهكًا القواعد العلمية المنهجية بهذا الشكل الصارخ !!!!

وأنا – عن نفسي – لا أعرف أَحَدًا من الأئمة أَعَلَّ روايةً أتت من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن عزرة على الإطلاق !

فإنَ رواياتِ هَمَّامِ بنِ يحيى عن قتادة، أو روايات قتادة عن عَزْرَةَ موجودةٌ في الصحيحينِ!!

ولم يتكلمْ فيها أَحَدٌ حسبما علمتُ وقرأتُ وبحثتُ ! وإليك شيئًا من هذا:

أولا: رواية همام عن قتادة رواية صحيحة معتبرة بلا خلاف عند العلماء.

1. قال الإمام البخاري: [ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟!، كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ ].([20])

2. قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ].([21])

ثانيًا: رواية قتادة عن عَزْرَةَ روايةٌ صحيحة معتبرة بِلَا خِلَاف عِنْدَ العلماء.

1. قال الإمام مسلم:

[ وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: «فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ» ].([22])

2. قال الإمام الترمذي:

[ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلاَّسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ. حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ].([23])

فهل يجوز أن يقال: [ الرواية لا تقوم بها حُجَّةٌ، وذلك بسبب همام بن يحيى وقتادة بن دعامة ] ؟!!

قلتُ: ما فعله الأستاذ الأباضي علي الحجري عبارة عن جناية شرعية وسوأة فكرية وخيانة علمية وجريمة أخلاقية في حق الدِّينِ وَالْعِلْم والتَّارِيخ أَوَّلًا، ثُمَّ في حَقِّ جابر بن زيد ثانيًا، ثم في حق قُرَّائِهِ مِنَ الْأَبَاضِيَّةِ المساكين المخدوعين ثَالِثًا !!

فالله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل !

وبناءً على ما سبق أقول إن الرواية الأولى في براءة جابر بن زيد من الأباضية روايةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ، لا يطعن فيها عاقِلٌ فَضْلًا عن عَالِمٍ، فإِنَّ الطَّعْنَ في الرواياتِ الصحيحة بمثل ما فَعَلَه هذا الأباضيُّ من بَتْرِ النصوص وإخفائها ليس من فِعْلِ أهل العِلْم والفَضْلِ والتحقيق والشرف !

………………

فإلى دَيَّانِ يَومِ الدِّينِ نَمْضِي ** وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُوم

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

صباح الخميس ، الثالث من ربيع الآخر لعام 1439 هجري

الموافق 21 من ديسمبر لعام 1017 ميلادي

مراجع البحث:

([1]) صحيح البخاري – حديث رقم 106.

([2]) صحيح البخاري – حديث رقم 109.

([3]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج1 ص350، ط دار طيبة – الرياض.

([4]) دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص18، ط مكتبة الضامري – السيب – سلطنة عمان.

([5]) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ج6 ص666 ، 669، ط وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة – السعودية.

([6]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات لعليّ الحجري ص55، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([7]) سير أعلام النبلاء للذهبي ج7 ص299، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([8]) تاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص533، ط دار الغرب الإسلامي- بيروت.

([9]) الكامل في ضعفاء الرجال ج8 ص447، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([10]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ الحجري ص55، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([11]) الكامل في ضعفاء الرجال ج8 ص447، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([12]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص355 حديث رقم 909، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان. وهو كتاب منحول مختلق !

([13]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص28 حديث رقم 17، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان.

([14]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص3 ، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان.

([15]) صحيح مسلم – حديث رقم: 7 – (1493).

([16]) صحيح مسلم – حديث رقم: 42 – (2799).

([17]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ الحجري ص19، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([18]) العلل لابن أبي حاتم ج3 ص230 ، ط مطابع الحميضي – الرياض.

([19]) العلل لابن أبي حاتم ج3 ص197 ، ط مطابع الحميضي- الرياض.

([20]) صحيح البخاري – حديث رقم: 321.

([21]) صحيح مسلم – حديث رقم: 93 – (1116).

([22]) صحيح مسلم – حديث رقم: (1493).

([23]) سنن الترمذي ج1 ص210، حديث رقم: 144.

%d مدونون معجبون بهذه: