أرشيف المدونة

الرد على الأباضي: موقف الأباضية من الصحابة ج1

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

الردود العلمية على افتراءات طائفة الإباضية

 

الرد على مقطع: رسالة سريعة لأبي عمر الباحث موقف الأباضية من الصحابة! ج1

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومن والاه، وبعد:

 فهذا رد علمي على مقطع فيديو لأحد الأباضية حاول فيه أن يرد على ما ذكرته في حلقة موقف علماء الأباضية من الصحابة، وكنت أرد فيه على نائب مفتي الأباضية ” كهلان الخروصي”.

والحقيقة أن كلام المتكلِّم في المقطع جاءَ مُخَيِّبًا لِآمالِ الأباضية الذين اتهموني أني أفتري على الأباضية وأني زعمتُ أن علماءهم يسبون الصحابة ويتبرؤون منهم ، فإذا بالمتكلم في المقطع يثبت ما قلته، ويثبتُ ما قاله علماؤه كما سنرى في هذه الحلقة.

وربما تطول هذه الحلقة قليلا فسامحوني ، فالمقطع الذي أرد عليه 45 دقيقة ، وأنا قررتُ تفنيدَ كُلِّ كلمةٍ قالها الأباضي في هذا المقطع بحول الله وقوته.

في البداية عاتبني الأخُ المتكلِّمُ في الفيديو وقال لي:

[لماذا تركتَ الرد على النصارى وحوَّلتَ حربك على الإسلام والمسلمين؟! ].

أولًا: أنت لا تحسن اختيار كلماتك، فلعنة الله عليَّ في الدنيا والآخرة إِنْ كنتُ أحارب الإسلامَ، وأما الرد على أهل البدع، والذب عن الصحابة مما ينسبه المبتدعة إليهم فهذا وَاجِبٌ شرعيٌّ، وشرف أدعيه وأفتخر به في الدنيا والآخرة. وأيُّ شَرَفٍ أعظمُ من الذَّب عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والدفاع عنهم وإظهار بَرَاءَتِهِم من افتراءات أهل البدع؟!

ولَعَلَّ الأخ يَعلم أني حينما أنشأتُ قناتي إنما أنشأتها خِصِّيصًا للرد على النصارى، وحينما انشغلتُ أنا وإخواني الدعاة والباحثون بالرد على النصارى كـ زكريا بطرس وغيره ؛ كان أَهْلُ الْبِدَعِ المخالفون لمنهج أهل السنة يطعنوننا في ظهورنا، ويطعنون في منهجنا وفي صحابة نبينا عليه الصلاة والسلام ، مثل الشيعة والأباضية وعدنان إبراهيم ومثل شيخِك أحمد الخليلي الذي استغلَّ فرصةَ انشغالِ الدعاةِ والباحثين بالرد على النصارى، وقام بالهجوم على منهج أهلِ السُّنَّةِ والجماعة والطعنِ فيه، وَأخذ يصِف عقائِدَ أهل السنة والجماعة – التي هي عقائد دين الإسلام الصحيح كما أنزله الله – بأنها عقائد يهودية وأنها عقائد المشركين!!

كما جاء في كتابه “الحق الدامغ ” ص95 ، حيث قال إِنَّ القائلين برؤية المؤمنين ربَّهم يومَ القيامة متأثرون بعقائد اليهود والمشركين!! فقال:

[لا أظنك أيها القارئ الكريم تشك في أن نُفَاتها ( يقصد نفاة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة) لم يأخذوا إلا بالأقوى والأسلم والأحزم، فإن ذلك واضح بوضوح حججهم، وسلامة قولهم من التأثر بالذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين].(1) أهـ

مع أن الذي قال بأننا سنرى ربنا يوم القيامة هو الله رَبُّ العالمين جَلَّ جَلَالُهُ في آيةٍ صريحةٍ وَاضِحةٍ مُحكَمَةٍ، فقال سبحانه: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }.(2)

والقول برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة متواترٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم بصريح القول:

[إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا ].(3)

ورواه مُسْلِمٌ بلفظ: [أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ].(4)

  قال الحافظ الذهبي:

[وَأَمَّا رُؤْيَةُ اللهِ عِيَاناً فِي الآخِرَةِ: فَأَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، تَوَاتَرَتْ بِهِ النُّصُوْصُ].(5) 

قال الحافِظُ ابنُ حَجَر الْعَسْقَلَانِيُّ:

 [وَتَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ النَّبَوِيَّةُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ وَبِإِكْرَامِهِمْ بِهَا فِي الْجَنَّةِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهَا فَوَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ].(6) 

 والقول برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة هو إجماعُ كُلِّ الصحابة رضي الله عنهم بلا مخالف. 

  قال الْعَلَّامَةُ النوويُّ:

 [وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الصحابة فَمَنْ بَعْدَهُمْ من سَلَفِ الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نَحْوٌ من عشرين صَحَابيًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم].(7)  

وأما اللغة العربية فالنظر إذا تَعَدَّى فيها بـ إلى فلا يَعْرِف العَرَبُ منه إلا الرؤية العينية.

ركز معي جيدًا ؛ النظر إذا تَعَدَّى في اللغة العربية بـ إلى فلا يعرف العرب منه إلا الرؤية العينية.

 قال الْعَلَّامَةُ ابنُ مَنْظُور:

 [وَمَنْ قال إِنَّ معنى “إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” يعني منتظرة فقد أَخطأَ، لأَنَّ العَرَبَ لا تقول نَظَرْتُ إِلى الشيء بمعنى انتظرتُه، إِنما تقول نَظَرْتُ فلانًا: أَي انتظرته.. وإِذا قلتَ: نَظَرْتُ إِليه لم يكن إِلا بالعين].(8)

ومع ذلك قال الخليليُّ إِنَّ عقائدنا النابعة من الكتاب والسنة الصحيحة عقائد يهودية وشِرْكِيَّة !!

ويقول مفتي الأباضية في نفس الكتاب:

[وبهذا تعلم أخي القارئ أَنَّ القول بتحوُّلِ الفُجَّار مِن العَذَاب إلى الثواب ما هو إلا أَثَر من آثار

الغزو اليهودي للفكر الإسلامي].(9) أهـ

مع أَنَّ الذي قال إِنَّ عُصَاةَ المسلمين سيخرجون من النار هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم!!

فقال في حديث الشفاعة المشهور:

[ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللَّهُ المَلاَئِكَةَ: أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ].(10)  وبهذا لا يستوي المسلمون والكافرون، لقول رب العالمين جل جلاله: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.(11)  

فإذا كان عُصاةُ المسلمين سَيُخَلَّدون في نار جهنم مثل الكافرين فما فائدةُ إِسْلَامِهِمْ إذًا ؟!

هل يساوي اللهُ سبحانه وتعالى من قال سبحان ربي الأعلى بمن قال أنا ربكم الأعلى ؟! 

وهذا دليل واضح من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمَيْنَ}، فعن صَالِحُ بْنُ أَبِي طَرِيفٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمَيْنَ} [الحجر: 2]؟ فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ، يَقُولُ:  «يُخْرِجُ اللَّهُ أُنَاسًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا يَأْخُذُ نِقْمَتَهُ مِنْهُمْ، قَالَ: لَمَّا أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ النَّارَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: أَلَيْسَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ فِي الدُّنْيَا أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ فَمَا لَكُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ، فَإِذَا سَمِعَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ، فَيَتَشَفَّعُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ حَتَّى يَخْرُجُوا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمَّا أُخْرِجُوا، قَالُوا: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مَثَلَهُمْ، فَتُدْرِكُنَا الشَّفَاعَةُ، فَنُخْرَجُ مِنَ النَّارِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمَيْنِ} [الحجر: 2]، قَالَ: فَيُسَمَّوْنَ فِي الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ مِنْ أَجْلِ سَوَادٍ فِي وُجُوهِهِمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَذْهِبْ عَنَّا هَذَا الِاسْمَ، قَالَ:

فَيَأْمُرُهُمْ فَيَغْتَسِلُونَ فِي نَهْرٍ فِي الْجَنَّةِ فَيَذْهَبُ ذَلِكَ مِنْهُمْ].(12)

والخلاصة أَنَّ الخليليَّ وَصَفَ عَقَائِدَنَا المبنية على الكتاب والسنة الصحيحة بأنها عقائد يهودية !

ولا أريد الإطالة في هذه النقطة، فهي نقطة فرعية، ولكني وجدتُ من المناسب أنْ أذكرَ شَيْئًا من الرَّدِّ على افتراءاتِ الخليلي على عقيدة أَهْلِ السنة لِيَكُونَ القارئ الكريم على بينة من أمره.

ثم نقول: أين ردود الأباضية على النصارى والرافضة والملاحدة الذين يطعنون في الإسلام ؟!

ثم لماذا لا يتحرك الأباضية إلا حينما يمس الأمر عقائد الأباضية فقط ؟! أليست هذه هي الطائفية والمذهبية التي تنسبونها إلينا؟! لماذا لا تتكلمون إلا حينما يمس الأمر أحد شيوخكم ؟!

هل شيوخكم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تدافعوا ولا تدافعون عنه ؟!

هل ستقول لي إن أعداء الإسلام يستدلون من كتب أهل السنة، فأهل السنة هم المعنيون بالرد.

لو قلت ذلك فبهذا يثبت أنكم طائفيون بامتياز، وَأَنَّ الدفاعَ عندكم لا يكون عن الإسلام العظيم، وإنما عن مذهبكم وفِكْرِكُمْ فقط.

فلماذا لم يَرُدَّ شَيخُهم ومفتيهم أحمد الخليلي على النصارى والروافض كما يفعل أهل السنة والجماعة؟! أليس هذا كان أولى به من وصف عقائد الإسلام الصحيح باليهودية والشِّرْكِيَّة؟!

إذًا وبناءً على ما سبق فقد عرف القارئ الكريم الآنَ سببَ تحويلِ أبي عمر الباحث دَفَّةَ قناته لِلرَّدِّ على أهل البدع، أو بمعنى أدق إضافته الرَّدَّ على المبتدعة بجوار رَدِّه على النصارى والملاحدة.

نعود لِصاحِبِ المقطع هدانا الله وإياه للحق والصدق.

أثبت المتكلم في المقطع أن كلامي في حلقتي عن عقيدة الأباضية  صحيح من عدة أوجه:

الوجه الأول:

أنه لم يَنْفِ ما نقلتُه من كُتُبِ الأباضية المعتمدة لعلماء مذهبهم، بل اعترف بِصِحَّةِ نقلي.

الوجه الثاني:

أنه طعن في حديث الْعَشَرَة المبشرين بالجنة، رغم أنه حديث صحيح ثابت عند جميع المحدثين. وقد استدلَّ به الأباضية حينما حاولوا الرد عليَّ من قبل، لأنَّ فيه روايةً عن المغيرة بن شُعْبَةَ وهو ينال من عَلِيٍّ رضي الله عنه، فَرَدَّ عليه سعيد بن زيد.

الوجه الثالث:

أنه حَرَّفَ معنى الحديث وزعم أَنَّ معناه مَنْ ثَبَتَ منهم على ما كان عليه أيامَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. مُتَجَاهِلًا أَنَّ اللهَ بَشَّرَهُمْ بهذه الْبُشْرَى لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنهم سَيَظَلُّونَ مُتَّبِعِينَ لِنَبِيِّهم عليه الصلاة والسلام حتى مماتهم، فأراد الأباضي نَفْيَ هذه الفضيلة عنهم بأي وسيلة!!

واستدلَّ الأباضيُّ على زعمه هذا بحديث عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ: فَقَالَ يَا أُمَّهْ، قَدْ خِفْتُ أَنْ يُهْلِكَنِي كَثْرَةُ مَالِي، أَنَا أَكْثَرُ قُرَيْشٍ مَالًا، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، فَأَنْفِقْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” إِنَّ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لَا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَهُ ” فَخَرَجَ فَلَقِيَ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: بِاللهِ مِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَتْ: لَا، وَلَنْ أُبْلِيَ أَحَدًا بَعْدَكَ].(13)

 وقام الأباضيُّ بتنزيل هذا الحديث على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وَزَعَمَ أَنَّ حديثَ العشرة المبشرين بالجنة لا ينطبق عليهم إلا بشرط الاتباع والاقتداء حتى وفاتهم!!

وهذا الشرط في غير موضعه، لِأَنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يقينًا يعلم أَنَّ هؤلاءِ الصحابةَ الذين بَشَّرَهُم النبيُّ بالجنة هم بالفعل مُتَّبِعُون لنبيهم عليه الصلاة والسلام مقتدون به ويعلم سبحانه وتعالى أنهم سيظلون على ذلك و سيموتون عليه، ولهذا جاءتهم هذه الْبُشْرَى.

والكُلُّ يعلم أَنَّ هؤلاءِ ساروا على هَدْيِ نبيهم عليه الصلاة والسلام فلم يُغيِّروا ولم يبدلوا !!

فالحديث الذي استدلَّ به الأباضيُّ لا ينطبق على الصحابة المبشرين بالجنة. وهذا الاستدلال

الغريب من جنس استدلالات الرافضة بحديث الحوض لنفي عدالة الصحابة والطعن فيهم!!

وتنزيل الأباضي هذا الحديث على الصحابة رضي الله عنهم دليل واضح على طعنه فيهم، فأين التدليس في كلامي إذًا؟! ولماذا خرج ليرد علي وهو يثبت صحة نقلي لكلام علمائهم؟!!

وقوله عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لَا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَهُ] ليس بالضرورة أن

يكون معناه الصحابة الْـمَرْضِيَّ عنهم، بل يدخل بداهةً في هذا المعنى المرتدون الذين ارتدوا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، والمنافقون كذلك.

ويفسره قوله عليه الصلاة والسلام: [وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ..].(14)

  قال الْعَلَّامَةُ بَدْرُ الدين الْعَيْنِيُّ:

[وَهَذَا لَا يُقَال للْمُسلمين، فَإِن شَفَاعَته للمذنبين. فَإِن قلتَ: كَيفَ خَفِي عَلَيْهِ حَالهم مَعَ إخْبَاره بِعرْض أمته عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: لَيْسُوا من أمته، وَإِنَّمَا يعرض عَلَيْهِ أَعمال الْمُوَحِّدين لَا الْمُرْتَدين وَالْمُنَافِقِينَ، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يَكُونُوا منافقين أَو مرتكبي الْكَبَائِر من أمته، قَالَ: وَلم يرْتَد أحد من أمته، وَلذَلِك قَالَ: على أَعْقَابهم، لِأَن الَّذِي يعقل من قَوْله: الْمُرْتَدين الْكفَّار إِذا أطلق من غير تَقْيِيد، وَقيل: هم قومٌ من جُفَاة الْعَرَب دخلُوا فِي الْإِسْلَام أَيَّام حَيَاته رَغْبَة وَرَهْبَة.. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِهِ المُنَافِقُونَ والمرتدون، وَقيل: المُرَاد من كَانَ فِي زَمَنه مُسلما ثمَّ ارْتَدَّ بعده، فيناديه لما كَانَ يعرفهُ فِي حَال حَيَاته من إسْلَامهمْ، فَيُقَال: ارْتَدُّوا بعْدك].(15)

وقوله صلى الله عليه وسلم: [إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ] دالٌّ على أن الارتداد سيكون فور وفاته عليه الصلاة والسلام، وهذا يؤكد على أَنَّ الحديث ليس عن الصحابة

رضي الله عنهم، وإنما عن المرتدين أو المنافقين أو عنهما مَعًا.

فانظر أخي القارئ الكريم كيف يُسْقِطُ الأباضيةُ أحاديثَ المرتدين والمنافقين على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيَسْلِبُوهُمْ فَضْلَهُمْ وَيَهْضِمُوهُمْ حَقَّهُم ويسقطوا مَنْزِلَتَهم!!

 ثم يقولون بمنتهى البساطة: الأباضية هُمْ أكثر طوائف الأمة الإسلامية إِجْلَالًا للصحابة!!!

ثم، هل الأباضية صاروا الآن يستدلون بمُسْنَد الإمام أحمد ؟!! ألم تطعنوا في المسند كله لكي تسقطوه ؟! أَلَمْ يَطعنْ شَيْخُكُم الأباضيُّ خالد الهاشمي في مسند أحمد، وقال:

[ أشهر الرواة الذين رووا مسند الإمام أحمد بن حنبل هو أبو بكر الْقَطِيعِيُّ، وأبو بكر القطيعي ذَكَرَ عنه الحافظُ الذهبيُّ نَقْلًا عن بعض أئمة الجرح والتعديل أنه سَيِّءُ الحِفْظِ، إذًا بناءً على ذلك فإن مسند الإمام أحمد بن حنبل لا يحتج به، لأن راويه سيء الحفظ، وهناك انقطاع بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل].([16])

فانظر أخي المسلم كيف يطعنون في مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لتشكيك المسلمين فيما نقله الإمام أحمد من سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم !!

وما قاله خالِد الهاشمي فيه تدليسٌ وَاضِحٌ، فالذهبيُّ نقل هذه الأقوال وَرَدَّ عليها!!

  قال الحافظ الذهبي:

[أحمد بن جعفر بن حمدان أبو بكر القطيعي صدوق في نفسه مقبول تغيَّر قَلِيلًا.

 قال الخطيب: لم نر أَحَدًا ترك الاحتجاجَ به، وقال الحاكم: ثِقَة مأمون، وقال أبو  عمرو بن الصلاح: اختلَّ في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقْرَأُ عليه، ذكره أبو الحسن بن الفرات.

 قلت (الذهبي) : فهذا القول غُلُوٌّ وَإِسْرَافٌ، وقد كان أبو بكر أَسْنَدَ أهلِ زمانه، مات في آخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة وله خمس وتسعون سنة. قال ابن أبي الفوارس: لم يكن في الحديث بذاك، له في بعض مسند أحمد أصول فيها نظر. وقال البرقاني: غرقت قطعة من كتبه فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك وَإِلَّا فهو ثقة، وكنتُ شديدَ التَّنْقِيرِ عنه حَتَّى تَبَيَّنَ عندي أنه صدوق لَا يُشَكُّ في سَمَاعه، قال وسمعت أنه مجاب الدعوة].(17) أهـ

فالأباضي خالد الهاشمي – على عادة شيخه أحمد الخليلي – نقل شيئًا من كلام الإمام الذهبي، وترك رَدَّ الإمامِ الذهبيِّ على هذا الكلام في نفس الصفحة!!

وأما بخصوص الانقطاع بين القَطِيعِيِّ وبين الإمام أحمد بن حنبل؛ فهو زَعْمٌ كَاذِبٌ من خالد الهاشمي هداه الله، فسماع أبي بكر القطيعي من عبد الله بن أحمد بن حنبل سَمَـاع صَحِيحٌ.

  قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:

 [وقد سمع القطيعي من أبي مسلم الكَجِّيِّ، وَغيره ومن عبد الله بن أحمد مع المسند: الزهد الكبير وتفرد بهما].(18) أهـ

فأبو بكر القطيعي سَمِعَ مُسْنَدَ الإمام أحمد بن حنبل وكتابَ الزهد الكبير من ولده عبد الله.

وَنَبَّهَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ أَدَاءَ أبي بكر القطيعي للمسند كان قبل اختلاطه وَتَغَيُّرِهِ، فقال:

[قلتُ: كان سماعُ أبي عَلِيٍّ بن الْـمُذْهِبِ منه لمسند الإمام أحمد قبل اختلاطه، أفاده شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين].(19) أهـ

والحاصل أن الأباضية صاروا الآن يستدلون بمسند أحمد، مع أنهم في نفس الوقت يطعنون فيه!!

ثم سأفترض أن فَهْمَ الأباضي أبي الأيهم لرواية أمِّ سَلَمَةَ عليها السلام والرضوان صحيح، فهل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم خَالَفُوا سُنَّةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وغيَّرُوها وَبَدَّلُوهَا فلم يتبعوه ولم يقتدوا به بعد وفاته؟!

إن قال الأباضي نعم ، فقد أثبتَ الطعنَ في هؤلاء الصحابة العمالقة الأكابر رضي الله عنهم ووافق قوله قول علمائه، وإنْ قال لا؛ فما وجه استدلاله بحديث أُمِّ سَلَمَةَ أصلًا ؟!

ثم قال الأباضي [إِنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المبشرين بالجنة ؛ فهل عمر سيشك في كلام النبي صلى الله عليه وسلم] ؟!

فأقول إن هذا الكلام دليل على أن القوم لا يعرفون شيئًا عن حياة الصحابة رضي الله عنهم وزهدهم وورعهم وتقواهم !! ففي صحيح البخاري يقول ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: [أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ].(20)

  قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:

 [وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ النِّفَاقَ فِي الْأَعْمَالِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ مَا يَشُوبُهُ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُهُ مِنْهُمْ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ مِنْهُمْ فِي الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ].(21)

إِذًا فالصحابة المبشَّرُونَ بالجنة رضي الله عنهم كانوا يَعْلَمُونَ أنهم في الجَنَّةِ قَطْعًا، ومع ذلك كانوا يخافون على أنفسهم النفاق، فلا تعارض بين الأمرين. بل الخوف من النفاق من علامات الإيمان، فقال البُخَارِيُّ: [وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ” مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلاَ أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ”].(22)

إذًا فعلامة المؤمن الخوف من النفاق. والصحابة كانوا يخافون منه مع علمهم بمنزلتِهِم في الجنة.

فحديث أم سلمة لا يدل من قريب ولا بعيد على هذا المعنى الذي قاله أبو الأيهم على الإطلاق!!

  قال زَيْنُ الدِّينِ الـمُنَاوِيُّ:

 [إنما بَشَّرَ الْعَشْرَةَ بكونهم فيها (أي الجنة) واقتصر عليهم مع أَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِهِ فِيهَا، ولم يُبَشِّرْهُمْ لِأَنَّ عَظَمَةَ اللهِ قَدْ مَلَأَتْ صُدُورَ أولئك وَصَفَتْ أَرْوَاحُهُمْ فَأَخَذَتْ بِقِسْطِهَا مِنْ صَفْوَةِ الأنبياء وَرَفَعَتْ عَنْ قُلُوبِهِم الحُجُبَ فلاحظوا الْعِزَّ والجَلَالَ، فَلَا تَضُرُّهُم الْبُشْرَى لموت شهواتهم وحياة قلوبهم بالله، وأما غيرهم فلمْ تَأْمَنْ نُفُوسُهُم فَكَتَمَ عنهم خَوفًا عليهم].(23)

ثم يقول الأباضيُّ بعد ذلك :

[ فعلى ذلك الفَهْمِ إما أنَّ الحديث لا يثبت أَصْلًا .. ]

وَمَنْ قال إِنَّ فهمك لحديث أي سلمة صحيح لكي نُسِقِطَ به حديثَ العشرة المبشرين بالجنة ؟!

ثم هل هناك مَنْ سبقك بتضعيف الحديث من علماء الحديث وجهابذته وأهلِ فَنِّهِ وَصَنْعَتِهِ؟!

أقول: إن حديث العشرة المبشرين بالجنة حديث صحيح، ولم يطعن في صحته عَالِمٌ مُحْتَرَم !!

  قال الْعَلَّامَة النووي:

[قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وعلي فِي الْجَنَّةِ إِلَى آخِرِ الْعَشَرَةَ].(24)

  قال زَيْنُ الدِّينِ الـمُنَاوِيُّ:

 [إسناده صحيح].(25)

إذًا هذا الحديث لم يطعن في صحته عالِمٌ واحِدٌ من عُلَمَـاء الحديث، بل نَصَّ على صحته غيرُ واحدٍ من الأئمة، ومع ذلك لم يَسْتَحِ الأباضيُّ أن يطعن في الحديث ويصفه بالمكذوب والموضوع!!

ثم لو تَنَزَّلْنَا وفرضنا جَدَلًا أنَّ هذا الحديث لا يصح ؛ فماذا أنت فَاعِلٌ في قولِ النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ يَحْفِرْ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ] فحفرها عثمان وتركها للمسلمين يشربون منها ؟!(26)

وماذا أنت فاعِلٌ في قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: [مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ لَهُ الْجَنَّةُ] فجهزه

عثمان رضي الله عنه؟! (27)

بل ثبت عنه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أنه قال: [مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ. قالها مَرَّتَيْنِ].(28)

وحينما دخل النبي عليه الصَّلَاةُ والسلام بِئْرَ أَرِيس، ووقف أبو موسى الأشعري بَوَّابًا على باب

البِئْرِ، وجاء عثمان يطرق الباب ويستأذن للدخول؛ قال المصطفى عليه الصلاة والسلام لأبي موسى: [«ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ»].(29)

ولن أتحدث عن بقية الصحابة المبشرين بالجنة، فإذا ما ثبتت الْبُشْرَى بهذا المعنى في حَقِّ عثمان رضي الله عنه فقد ثبتت لغيره  من الصحابة المبشرين أيضًا، فالسياق كله واحد، وضبط معاني أحاديث التبشير بالجنة في حق أحدهم ينسحب على جميع الـمُبَشَّرِينَ بها كذلك.

وإنما وَضَع الأباضيُّ هذا الشرط بَاطِلًا لِيَزْعُمَ بعد ذلك أنهم – أو بعضهم قد غَيَّرُوا وَبَدَّلُوا وانحرفوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم!! فهو طعن مبطن فيهم رضي الله عنهم.

  قال الأمير الصنعاني:

[كرر الإخبارَ عن كل فَرْدٍ بأنه في الجنة، ولم يكتف بالإخبار عن الجميع بلفظ واحد تنصيصًا على أن كل فرد محكوم له بالجنة وزيادة في بيان شرفهم رضي الله عنهم قال بعضهم والتفسير بالجنة لا يلزم منه الأمن من البعد عن كمال القرب، إنما اللازم الأمْنُ من النار على أَنَّ الْوَعْدَ لا يمنع الحيرة والدهشة والخوف ولهذا كانوا باكين خاشعين خائفين من سوء العاقبة ومن عذاب الآخرة].(30)

  وقال أيضًا:

[واعلم أن الإخبار بأنهم في الجنة، المراد: أنهم داخلون الجنة في أول الأمر من دون أن يصيبهم بعذاب، فلا يرد أن كل من مات على الإيمان يدخل الجنة، وفيه فضيلة لهم ليست لغيرهم، إلا من شهد له صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك].(31)

فلو أننا قلنا بقول الأباضي لضحك مِنَّا الْعُقَلَاءُ، فالمعنى الذي قاله الأباضي مذكورٌ في كتاب الله على عموم المسلمين، كقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}. سورة النساء آية 124. فلو أننا فَسَّرْنَا حديث التبشير بالجنة بنفس تفسير الأباضي؛ فما هي الفضيلة المذكورة للصحابة في هذا الحديث حِينَئِذٍ؟!

وهذه رواية من مسند أحمد تنسف المعنى الباطل الذي زعمه الأباضي:

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] إِلَى قَوْلِهِ {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55] ، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا، فَتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوْا النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: ” لَا، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِقَالَ أَنَسٌ: ” وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمّـَا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ، فَقَاتَلَهُمْ

 حَتَّى قُتِلَ].(32)

فأنس بن مالك وبقية الصحابة معه فَهِمُوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ثَابِتُ بْنُ

قَيْسِ: [بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] أنه داخِلُهَا لا محالة، وأعلنوا عن ذلك بقوله: [وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] ولم يشترطوا الاتباع لأن هذا مَعلوم بداهةً لكل عاقل!

فَبُشْرَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَحَدٍ بالجنة إنما هي عن وَحْيٍ من الله جَلَّ جلاله لنبيه عليه الصلاة والسلام، لأن الله يعلم أن هذا المُبَشَّر بالجنة سَيَظَلُّ ثَابِتًا على ما هو عليه حتى يموت.

والمضحك أن هذه القاعدة الباطِلة التي اخترعها الأباضي أبو الأيهم لم يعملْ بها أحدُ علماء الأباضية في كلامه حول الخوارج الذين يَعْتَبِرُونَهُمْ من الصحابة كحرقوص بن زهير السعدي!

فيقول إِمَامُ الأباضية نور الدين السالمي عن أهل النهروان:

وفيهمُ مَنْ شَهِدَ الرسولُ  **   ثَلَاثَ مَرَّاتٍ له يقولُ

أَوَّلُ مَنْ يدخل مِنْ ذا البابِ  **  فهو إلى الجنة والثوابِ

وفي الثلاث يدخلن حرقوصُ  **  نجل زهير وهو المخصوصُ

فهنا يشهد شيخ الأباضية نور الدين السالمي لحرقوص بن زهير بأنه ذاهب إلى الجنة والثواب.

ولا حاجة أن ننبه أن الرسول صلى الله عليه وسلم بريءٌ من هذا الإفك براءةَ الذِّئْبِ من دماء يوسف عليه السلام! فإن هذا من الباطل الذي يُغْنِي بُطْلَانُهُ عن إِبْطَالِهِ، إِذْ لَا سَنَدَ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك مُطْلَقًا، وهذا من افتراءات الأباضية عليه صلى الله عليه وسلم.

وحرقوص بن زهير السعدي هذا كان على رأس الخوارج المارقين في معركة النهروان، وقضى عليه الصحابة والتابعون، ومات خَارِجِيًّا عَاصِيًا لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم ضرب أبو الأيهم مِثَالًا بأبي الْغَادِيَة الجُهَنِيِّ في محاولة يائسة للتملص من استدلالي بحديث المبشرين بالجنة على تخطئة مشايخه وعلمائه وبطلان أقوالهم، وزعم أنه من أهل بيعة الرضوان!

فما علاقة قصة أبي الغادية بحديث العشرة المبشرين بالجنة، وهل لمجرد أنك قلتَ إِنَّ أَبَا الْغَادِيَةِ من أهل بيعة الرضوان سيكون كذلك؟! أرجو أن تذكر لي رواية واحدة صحيحة تثبت ذلك!!

وإذا لم تجد رواية واحدة صحيحة تؤيد زعمك هذا فاعْلَمْ أنك محتاج لمراجعة إيمانك وعقيدتك وتصحيحها وَتَعَلُّمِهَا من جديد!

وطالما أنك لن تستطيع أن تثبت أن أبا الغادية “رِضْوَانِيٌّ” فكلٌّ كلامك ليس له قِيمَة علمية.

ولا تنقل لي كلامًا قاله فلان وعِلان: فمنهج أهل السنة يقرر أَنَّ قَوْلَ العالِم يُسْتَدَلُّ له من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أو التاريخ الصحيح الثابت ، وليس يُستدل به مجرَّدًا.

وتذكر طلبي جيدًا: أريد رواية واحدة صحيحة تثبت أن أبا الغادية شهد  بيعة الرضوان!!

ثم يقول: [ أكثر من ذلك أصحاب بيعة الرضوان، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وشهد الله تعالى أنهم وشهد الله تعالى أنه رضي عنهم، { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }، وممن بايع تحت الشجرة أبو الغادية الجهني، وتعلمون أنه في صفين هو من قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “قاتل عمار وسالبه في النار”. وهذا من أهل بيعة الرضوان، إذًا بيعة الرضوان هل هي مشروطة أم على إطلاقها؟!].

نعم بيعة الرضوان على إطلاقها كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام. وليست مشروطة بشيء، ولا يوجد صحابي واحد من أهل هذه البيعة ظهر أنه نكث عَهْدَه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إلا عند الأباضية، فقال عليه الصلاة والسلام: [لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ].(33)

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم }.

وحينما يقول الله جل جلاله : { فعلم ما في قلوبهم }. فهذا يعني أنه سبحانه وتعالى يعلم أنَّ هؤلاءِ لن يبدلوا ولن يغيروا، لِأَنَّ الرِّضَا عنهم جاء مقرونًا بعلم الله بما في قلوبهم.

ورواه مسلم الحديث في صحيحه بلفظ: [لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ

أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا].(34)

  قال الْعَلَّامَةُ النَّوَوِيُّ:

[قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ حَدِيثِ حَاطِبٍ، وَإِنَّمَا قَالَ “إِنْ شَاءَ اللَّهُ” لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلشَّكِّ].(35)

ويدل على صِحَّةِ كلامي حديث حاطِبُ بن أبي بَلْتَعَة رضي الله عنه، فقد فعل جريمة نكراء وأخبر المشركين بخطة النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما وصفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالنفاق وأراد أن يقتله؛ منعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من ذلك، وقال له: [إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ].(36)

فأهل بدر أيضًا ممن وجبتْ لهم الجنة، وحتى مع ارتكاب بعضهم لبعض الأخطاء أو المعاصي – – كحاطب – إلا أَنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أصر على أن دخولهم الجنة أَمْرٌ حَتْمِيٌّ.

والمدهش أن شيخ الأباضية محمد بن يوسف أطفيش ذكر الرواية السابقة في سبب نزول الآيات الأولى من سورة الممتحنة!! وقال: [نزلت في حاطب بن عمرو أبي بلتعة].(37)

ثم قال أطفيش: [وفى قول عمر دليل على قتل الجاسوس إِذ لم ينهه – صلى الله عليه وسلم – إِلا لكونه من أهل بدر].

وهذا اعتراف واضح من شيخ الأباضية أطفيش – الملقب عندهم بقطب الأئمة ومفتي الأمة- بِأَنَّ شُهَودَ حاطب بن أبي بلتعة لغزوة بدر جعله مانعًا له من العقاب على الخيانة. وهذا أيضًا دليل واضح على صِحَّةِ فَهْمِنَا وتفسيرنا لحديث العشرة المبشرين بالجنة، وبطلان تفسير الأباضي!!

ثم قال الأباضي:

[الذين بايعوا بيعة الرضوان كثيرون، فإذًا لابد أن ننتبه لمثل هذا فالله سبحانه يقول: { إن الذين

يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه..}. هناك شرط إذًا، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى، إذا فهناك شرط التوفية {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا. لا أولئك الذين ينكثون بيعتهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم].  

فأكرر نفس السؤال لك مرة أخرى: هل عثمان وعلي وطلحة والزبير ممن نكث بيعته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أمْ لا ؟!

فإن قلتَ نعم، فأنت تطعن فيهم كما فعل علماؤك السابقون، فما سبب اتهامك لي بالتدليس إذًا وإنْ قلتَ لا؛ فما وجه استدلالك بالآية في معرض الحديث عن الصحابة المبشرين بالجنة؟!!

ثم ما علاقة هذه الآية بموضوعنا ؟!

قوله تعالى: { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه }. تحذير من نكث العهد، والعهد كان عَدَم الْفِرَار من المعركة لِظَنِّ الصحابةِ أَنَّ كُفَّار قريشٍ قتلوا عثمانَ رضي الله عنه ، وقد وَفُّوا جميعًا عَهْدَهُم.

وقوله تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) }. جاء بعد قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)}. بثمان آيات.

فالآية الثامنة عشرة تخبرنا عن رضا الله سبحانه وتعالى عنهم جميعًا لأنهم صادقون أوفياء، أي صدقوا جميعًا في بيعتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والله يعلم ذلك من قلوبهم.

والأباضي أبو الأيهم بارك الله فيه جعل الآيتينِ عكس بعضهما ، فجعل الآية الْعَاشِرَةَ حَكَمًا على الآية الثامنة عشرة، مع أن السياق يوضح أن الآية العاشرة فيها وعد لمن أوفى بالبيعة ووعيد لمن نكثها، أما الآية الأخرى تخبر أنهم جميعا صدقوا في بيعتهم ولم ينكثوا، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}. أي من الصدق والإخلاص والوفاء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فهل كان الأباضي يعلم أنه بكلامه هذا يقلب سياق الآيات أَمْ أَنَّ الأمرَ قَد اختلطَ عليه ؟!

بل بعدها بآيات أخرى قال رَبُّنَا تباركَ وَتَعَالَى: { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)}.

فهل انتبه الأباضيُّ لقوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} ؟!

فالله عَزَّ وَجَلَّ أَلْزَمَ هؤلاء الصحابةَ كلمةَ التقوى، لأنهم كانوا مستحقين لها، وكانوا أهلًا لها، وكل هذا الثناء جاء بعد ذِكْرِ الله عَلْمَهُ بِمَا في قلوبهم؛ فهل هؤلاء الصحابة بَدّلوا وَغَيَّرُوا ؟!

ثم استدل أبو الأيهم بحديث البراء بن عازب: [عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَقِيتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقُلْتُ طُوبَى لَكَ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعْتَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثْنَا بَعْدَهُ]. ثم قال: [وهذا الحديث أخرجه الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ، وهو في حَقِّ صَحَابِيٍّ جليل، وممن شهد بيعة الرضوان].

والجواب عن هذا سهل بسيط ميسور، ويستطيع كُلُّ عَاقِلٍ من الأباضية أن يسألَ نفسه: ما الذي أحدثه البراء بن عازب أو غيرُه من أصحاب بيعة الرضوان بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟!

فإن لم تجدْ على هذا السؤال جَوَابًا فَاعْلَمْ أن الرواية ليستْ كما فَهِمَهَا هذا الأباضيُّ نِهَائِيًّا.

فالمقصود بالرواية الفتن والحروب التي جَرَتْ بعد وفاة الرسولِ صلى الله عليه وسلم، والتي بدأت باستشهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على يد المجوس، ثم استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد الخوارج، ثم استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضًا على يد الخوارج. وليس للصحابة رضي الله عنهم يَدٌ في ذلك كله!

وحتى حروبهم لم تكن لأجل الدنيا، بل كانت عن اجتهاد منهم، وخطؤهم مغفور بإذن الله.

فقول البراء رضي الله عنه: ” لا تدري ما أحدثناه بعده ” ليس معناه أَنَّ أصحابَ بيعةِ الرضوانِ أحدثوا في الدين أو غَيَّروا وَبَدَّلُوا، بل كلامه على سبيل التواضع، ولتعليم التابعين عدم الغلو.

  قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:

 [وَهُوَ مِمَّا يُغْبَطُ بِهِ، لَكِنْ سَلَكَ الصَّحَابِيُّ مَسْلَكَ التَّوَاضُعِ فِي جَوَابِهِ.. قَوْلُهُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثْنَاهُ بَعْدَهُ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا فَخَافَ غَائِلَةَ ذَلِكَ وَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ].(38)

أما ما نقله الأباضي من قول سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عُمَر فهذا موقف خاصٌّ بِهِ، ولعلَّه لم يبلغه حديث النبي صلى الله عليه وسلم بأن أهل بيعة الرضوان مبشرون بالجنة.

ثم ماذا عن قول أنس بن مالك عن ثابت بن قيس بن الشماس: [وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ]؟! كيف شَهِدَ أَنَسُ بن مَالِكٍ لثابت بن قيس بالجنة وهو حَيٌّ؟!

طيب ما رأيك أن أعطيك ما يهدم استدلالك تمامًا من قول رجل أجمعت الأمةُ على علمه وفضله، وسَمَّوْهُ بـ ترجمان القرآن الكريم ؟!

عبد الله بن عباس حَبْرُ الأمة الإسلامية وعالِمُهَا  وَفَقِيهُهَا يقول لعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح: [ أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا].(39)

 كيف جزم لها ابن عباس بأنها من أهل الجنة وهي مازالت حَيَّةً؟! هل أخطأ ابن عباس رضي الله عنهما ؟! أم أن الأباضي يصر على فَهْمِ الأحاديث فَهْمًا أَعْوَجَ لِيُثَبِّتَ الأباضية على باطلهم؟!

ابن عباس يعلم جيدًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بَشَّرَهَا بالجنة، فكلُّ شَخْصٍ بَشَّرَهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بالجنة فنقطعُ له بأنه من أهل الجنة، وهذا ليس تَأَلِّيًا على الله، بل هو تصديقٌ بكلام رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وعملٌ منا بخبره وامتثال لأمره.

وأكثر من ذلك، الصحابي الجليل الشهيد عمار بن ياسر شَهِدَ لِأُمِّ المؤمنين عائشةَ عليها السلام والرضوان بالجنة قبل معركة الجمل بسويعات قليلة، بل شَهِدَ لها بالجنة وهو يخالفها ويحكم بخطئها لما كان يظن أنه خرجت للقتال، ولكنها كانت قد خرجت للصلح بين الناس، فقال عنها: [ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ].(40)

ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة قطعًا، وبما أنها زوجته في الآخرة فهي أيضًا في الجنة قطعًا، فهل كان عمار بن ياسر رضي الله عنه مخطئًا حينما شهد لها بالجنة في حياتها؟!

ثم قال الأباضي:

[ المسألة ليست سهلة كما فهمها هؤلاء القوم، فلان في الجنة وفلان في الجنة وفلان في الجنة هكذا، دون أن تكون هناك متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم].

وأكرر سؤالي للمرة الثالثة: هل ترى أنَّ عثمان وعليًا وطلحة والزبير كانوا متبعين لنبينا عليه الصلاة والسلام بعد وفاته  أم لا ؟! إن قلت لا ؛ فقد طعنتَ فيهم، وأثبتَّ كلامي وأَكَّدْتَّ كلامَ

علمائِكَ من الأباضية، وإن قلت نعم فما وجه استدلالك بقول سعيد بن المسيب هنا أصلًا؟!

وتصوير المسألة بهذه الطريقة وزعمه أن هذا مجرد فهمنا الشخصي لها شَيْءٌ بَشِعٌ، وقد أثبتنا بكلام أعلم البشر بعد الرسل والأنبياء أن فهمنا لأحاديث الْبُشْرَى هو الصحيح، فعلى ماذا يَتَّكِئُ هو؟!

ثم قال الأباضي:

[ولذلك يقول الله عز وجل: {لقد رَضِيَ اللهُ عن المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تحتَ الشجرة} وقال: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} يعني هناك من لم يتبع بإحسان].

وهذا الاستدلال باطل ولا يَقِلُّ بُطْلَانًا عَمَّـا سبقه من استدلالات الأباضي، فالأباضي لم يكمل الآية عند قوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}، لأن إخبار الله عز وجل في الآية بعلمه واطلاعه عما في قلوبهم دَالٌّ على نقاء هذه القلوب، وأنها ليست من القلوب التي تنكث عَهْدَهَا بعد إبرامه.

وأما استدلاله بقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان}؛ فهذا تحريف لمعنى الآية الكريمة، فَالِاتِّبَاعُ المذكور يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ أَتَى بَعْدَهُم، وليس مُوَجَّهًا إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كَيْفَ وَقَدْ جَعَلَ اللهُ اتِّبَاعَنا للمهاجرين والأنصار المذكورينَ بِإِحْسَانٍ دَالًّا على نَيْلِنا لرِضَاه ، وسببًا لدخولنا الجنة كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}؟!

هل الأباضي أبو الأيهم لم يفهم الآية ؟! أم فهمها وَحَرَّفَ معناها متعمِّدًا؟!

ولو فرضنا أَنَّ فَهْمَ الأباضي للآية صحيح ؛ فسنطرح السؤال الاعتيادي: هل عثمان وعلي وطلحة

 والزبير كانوا من المتبعين بإحسان أم لا ؟!

فإن قال الأباضي نعم كانوا مُتَّبِعِين؛ فما وجه استدلاله بهذه الآية في هذا الموضع؟! وإن قال لم يكونوا مُتبعين؛ فقد طعن فيهم كما فعل علماؤه السابقون، وَأَكَّدَ ما نقلتُه عنهم في كتبهم!!

فالأباضي الآن بين نارين:

1.      نار تخطئة علمائه من الأباضية وتبرئة الصحابة رضي الله عنه.

2.      نار الطعن في الصحابة وموافقة ما قاله علماؤه.

وأنوِّه مرة أخرى على ضبط فهم الآية الكريمة بشكل صحيح، فالآية تحدثت عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وأنهم ممن نال رضا الله وسيدخل جنته حتمًا، وعطف الله عليهم مَنْ يتبعهم بإحسان. فالآية ليست حُجَّةً للأباضيِّ، وإنما حُجَّةٌ عليه!!

ثم قال الأباضي:

[على أن هناك حديث استفاض عند الأمة وَحَكَمَ عليه كثيرٌ من أهل العلم بالتواتر .. حديث الحوض المشهور، عندما خرج النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ وقال «سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواني» قالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ إلى آخر الرواية، وفي نهايتها قال: « وليذادن أقوام عن حوضي كما يذاد البعير فأناديهم: ألا هلم

أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: فسحقا سحقا».

إذًا القضية واضحة، ليست القضية كما يقول أبو عمر الباحث أن هناك فلان في الجنة قطعا، قطعًا إن وَفَّوا، ألم يحصل قتال بين سيدنا علي وطلحة والزبير، ألم يحصل قتال في الجمل؟! فإذًا القضية لابد أن توضع في مواضعها الصحيحة ، وليست هكذا فقط بالأهواء].

فأكرر سؤالي لأبي الأيهم للمرة الرابعة:

هل تعتقد أن عثمانَ وعليًّا وطلحةَ والزبيرَ قد بَدَّلُوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

إذا قلتَ نعم بَدَّلُوا؛ فقد طَعَنْتَ فيهم ووافقتَ أقوالَ علماءِ الأباضية الطاعنين في هؤلاء الصحابة، وإِنْ قلتَ لا؛ فما وجه استدلالك بهذا الحديث أصلًا ؟!

ثم هناك نقطة أخرى، وهي نقطة تتعلق بألفاظ الحديث نفسه، وسأذكر الرواية من كتاب مسند

الربيع الذي يؤمن به الأباضية ويُسَمُّونَهُ بـ “الجامع الصحيح” !! جاء في مسند الربيع:

[عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ إِخْوَانِي» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا»].(41)

وَحَسْبَ هذه الرواية ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم فَرَّقَ بين أصحابه، وبين إخوانه الذين سيأتون بعده. فقال لأصحابه: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ. ثم سأله الصحابة قائلين: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟، إذا فسياق الكلام بعد ذلك عَمَّنْ سيأتي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس عن أصحابه، فقال عليه الصلاة والسلام إنه سيعرفهم من أَثَرِ الوضوء، ثم قال: [ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا»]. فأين ذِكْرُ الصَّحَابَةِ في هذا السياق؟!

لماذا ذكر أبو الأيهم الصحابة في هذه الرواية، مع أن الرواية في مسند الربيع ليس فيها ذِكْرُ

الصحابة، والحديث بهذا السياق وبهذا اللفظ من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر الصحابة عند مسألة الذود عن حوضه عليه الصلاة والسلام، وإليك الرواية أيضًا من صحيح مسلم:

[عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ” فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا”].(42)

فليس في رواية أبي هريرة أيضًا ذِكْرٌ للصحابة رضي الله عنهم في سياق الذود عن الحوض. وإنما فَرَّقَ النبيُّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ بين أصحابه وبين مَنْ سَيَأْتي بعدهم، فالآتون بعدهم قسمان:

القسم الأول: إخوانه، وهم الْغُرُّ الْـمُحَجَّلُون من آثار الوضوء.

القسم الثاني: مَنْ سَيُذَادون عن حوضه، وهم الذين بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا بَعْدَه عليه الصلاة والسلام.  

أما الرواية التي فيها قوله عليه الصلاة والسلام: [يا رب أصحابي] وهي من حديث ابن عباس وغيره فلا يوجد عالِم واحِدٌ قال إنها تنطبق على عثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم.

بل العلماء فَسَّرُوهَا بأَنَّ المقصودَ بها هم المرتدون بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، أو المنافقون أو أصحاب الكبائر، ولا أجد عالِمًا واحد جعل هذه الرواية عن الصحابة رضي الله عنهم.

بل في هذه الرواية قوله عليه الصلاة والسلام: [إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى].

فإن كان أبو الأيهم يرى أن عثمان وعليًّا وطلحة والزبير من المقصودين بالحديث فليخبرنا بذلك!

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:

[قَالَ الْفَرَبْرِيُّ: ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، يَعْنِي حَتَّى قُتِلُوا وَمَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَبِيصَةَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَرْتَدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا ارْتَدَّ قوم من جُفَاة الاعراب مِمَّن لا نصرة لَهُ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ قَدْحًا فِي الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ].(43)

وقبيصة بن جابر من أفاضل التابعين وأئمتهم ونبلائهم؛ فما علاقة حديث الحوض بأفاضل الصحابة كعثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم؟!

وأما شرط الوفاء والاتباع الذي ذكره أبو الأيهم مرةً أخرى؛ فسبق أنْ قلتُ إِنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يعلم منهم أنهم ثابتون على ما كانوا عليه أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يغيروا ولم يبدلوا، بل هم موعودون ومبشرون بالجنة لأن الله يعلم أنهم سيظلون ثابتين على ذلك.

وأما ضربه المثالَ بمعركة الجمل وما وقع بين علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم فليس بِحُجَّةٍ.

فالله عز وجل حينما بَشَّرَهُمْ رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم بالجنة كان يعلم سبحانه أن هذه الحروب ستحدث، ومع ذلك أوحى لنبيه عليه الصلاة والسلام بهذه البُشْرَى لهم.

وليتدبر القارئ الكريم كيف يقوم الأباضيةُ بتنزيل الأحاديثِ التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم عن  المرتدين والمنافقين على الصحابة!! ثم يقولون إنهم يُعَظِّمُونَ الصحابة ويوقرونهم !!

فقوله: [فَإِذًا القضية لابد أن توضع في مواضعها الصحيحة، وليست هكذا فقط بالأهواء] ينطبق عليه هو وعلماؤه الذين حَكَّمُوا أهواءَهم وطعنوا في الصحابة، وقاموا بتنزيل أحاديثِ الرسول صلى الله عليه وسلم عن  المرتدين والمنافقين على الصحابة رضي الله عنهم!!

ثم يقول إن براءة علماء الأباضية من الصحابة كانت على خلفيات تاريخية !!

فأنا لم أفهم ما هو المطلوب مني بالضبط في قوله هذا؟! هل يعني أن براءة علمائكم من الصحابة وسبهم والحكم عليهم بالخلود في النار جائِزٌ بشرط أن يكون ذلك على خَلْفِيَّاتٍ تاريخية؟!

ما علاقةُ حديثك عن الخلفيات التاريخية ببراءة علمائكم من الصحابة ؟! المهم عندي أَنَّ علماءَ الأباضيةِ تبرأوا من الصحابة وشتموهم وسبوهم وحكموا عليهم بالخلود في النار!!

والسؤال واضحٌ جليٌّ: هل ما نقلته من كتب علماء الأباضية صحيح أم أني افتريتُ عليهم؟!

وأنا سألتُ في حلقتي سؤالًا وَاضِحًا صَرِيحًا: إذا كان الأباضية لا يعتقدون بالكلام المكتوب في

 كتب علمائهم السابقين فلماذا يطبعون هذا الكتب ؟! ولماذا لم يصدر بيان رسمي من مفتي الأباضية الشيخ الخليلي أو من نائبه بأن عقيدة علمائهم السابقين عقيدة خاطئة ؟!

 المدهش أن الشيخ الخليلي وصف أبا سعيدٍ الْكُدَمِيَّ الذي كَفَّرَ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام بأنه إمام العلماء بلا منازع. بل إِنَّ وصف الخليلي للكدمي بهذا الوصف كان في مقدمة الكتاب الذي كَفَّرَ فيه الكُدَمِيُّ عَلِيًّا رضي الله عنه!!  بل إن الخليلي لم يُشِر في مقدمة الكتاب إلى بطلان قول أبي سعيد الكُدَمِيِّ في حق علي بن أبي طالب عليه السلام والرضوان!!

 ثم قال أبو الأيهم:

[أليس أحد من علمائكم من طعن في بعض الصحابة أبدًا قطعًا؟! أنا لا أَرُدُّ عليك في هذا، علماء

أهل السنة ردوا عليك ويكفينا ذلك].

فأقول: كلامك هذا هروب من إلزامي لكم بكلام علمائكم الذي لم تتعرَّض له إلى الآن!! ثم هل نحن تَبَنَّيْنَا قولَ مَنْ قال ذلك ووصفناه بأنه إمامُ العلماء بلا منازع؟! هل فعلنا مثل الأباضية وَدَفَنَّا رؤوسنا في الرمال، ولم نستطع أن نرد عليه قولَه ؟! وخذها مني صريحة، كل من طعن في الصحابة فهو مخطئ، سواء كان منهم أو من جاء بعدهم، ونحن نبرأ إلى الله من هذه الطعون.

وليلاحظ القارئ الكريم أن الأباضي حتى الآن لم يحكم بتخطئة علماء الأباضية الذين كَفَّرُوا

الصحابة رضي الله عنهم وتبرأوا منهم وحكموا عليه بدخول النار والخلود فيها!!

ثم مَنْ هُمْ علماء أهل السنةِ الذين رَدُّوا عَلَيَّ في ذلك ؟! أرجو أن تذكر لي أسماءهم من فضلك!

ثم يقول الأباضي:

[ دعنا مع إخواننا من أهل السنة والجماعة، ودعنا مع إخواننا الشِّيعَة، الحمد لله نحن لا نُكَفِّرُ أحدًا، ولن نخوضَ في هذه الأحداث].

فهل صدق الأباضي في كلامه هذا؟!  وهل سَلِمَ أَهلُ السنة والجماعة من ألسنتكم وأقلامكم؟!

ألم أنقلْ بالنص من كتاب شيخك الخليلي وهو يصف عقائد أهل السنة والجماعة بالعقائد اليهودية والشركية؟! ثم هل سلم الشيعة من ألسنة علماء الأباضية وأقلامهم؟! ألم يصف علماؤكم الشيعة بأنهم نصارى هذه الأمة، ونسبوا هذا الوصف للنبي صلى الله عليه وسلم؟!

  فيقول الأباضي أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي:

[مسألة: فالصنف الأول في الروافض … المضاهى بهم في سُنَّةِ الرسول أهل البيع بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الرافضة نصارى هذه الأمة)) وهم فرق كثيرة، ولا غرض لنا في وصف فرقهم وما تباينوا فيه من إفك مختلفهم، وإنما الغرض تخليص أهل الحق منهم وإبانهم في التدين بالحق عنهم، فمتى وضح تكفيرهم فاز بالحق غيرهم، وتكفير كل فرق الأمة ولو في مسألة واحدة كاف

 عن إسباغ القول في شرح ضلالاتهم ووصف الرد على حججهم ودلالاتهم، وبالله التوفيق].(44)

  ويقول الأباضي أبو يعقوب الوارجلاني:

[الشيعة ومذاهبهم في علي بن أبي طالب وولده كأنَّهم ليسوا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أشار إليهم رسول الله عليه السلام فقال: (شر أفراق هذه الأمة فرقة تنتحلك يا علي ولا تعمل بأمرك) كما لأنهم خارجون من هذه الأمة إلا شَواذَّهُم فهم متاخمون بلاد الترك وبلاد

 النصارى وأرمينية ونظائرها].(45)

هل يجرؤ الأباضي أبو الأيهم على أن يحكم على إِمَامَيْهِ أبي بكر الكندي وأبي يعقوب الوارجلاني بالخطأ والضلال؟!

  ثم ماذا عن حرقوص بن زهير وعبد بن وهب الراسبي ؟! هل هذانِ مُبَشَّرَانِ بالجنة ؟!

وماذا عن تكفير أبي سعيد الكدمي والكندي وغيرهما للصحابة؟! حتى وإن كان المقصود كفر النعمة كما تقولون، فأين براءتكم من قول الكدمي والكندي والوارجلاني والعوتبي ؟!

نريد منكم فقط أن تعلنوا أن علماء الأباضية المكفرين للصحابة مخطئون، وأَنَّ قولهم ليس مُعْتَمَدًا عندكم الآن، ولن يكون معتمدًا في المستقبل!! وإلَّا فنحن لسنا من الساذجين حتى نصدِّقَ هذا الكلام في نفس الوقت الذي تطبعون فيه الكتب التي تكفِّرُهُمْ وتصفون مُكَفِّرِي الصَّحَابَةِ بأنهم أَئِمَّةُ الْعُلَمَـاء بِلَا مُنْازِع وأنهم أئمةُ الدين وأقطابُ الأئمة وَمُفْتِيِّو الأمة!! وعدم تخطئة علمائكم في تكفيرهم للصحابة إلى الآن يدل على أن الأمر مجرد تقية وخداع للبسطاء ومتاع إلى حين!!

ثم كرر الأباضي أن من علمائنا أو من بني أمية مَنْ سَبَّ عليَّ بن أبي طالب على المنابر!!

فأقول: ما وقع من بعض ولاة بني أمية في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنهم معروف،

ولكننا أنكرنا عليهم ذلك وحكمنا بخطئهم، ونبرَأ إلى الله من سَبِّهِمْ له؛ فأين براءة الأباضية المعاصرين من أقوال علمائهم الذين سبوا عثمانَ وعليًّا وطلحة والزبير رضي الله عنهم وكَفَّرُوهم وحكموا عليهم بالخلود في النار؟!

ثم يقول الأباضي بمنتهى البساطة إنه يَلُمُّون ويجمعون ولا يُفَرِّقُونَ!!

في الحقيقة هذا غير واضح ، ففي الوقت تزعم أنت فيه ذلك نرى شيخك الخليلي يسب المغيرة بن شعبة مع أنها من أهل بيعة الرضوان، ويسب معاوية بن أبي سفيان وغيرهما من الصحابة في كتابه الاستبداد، ويصفهم بما لو وُصِفَ بِهِ أَحَدُكم لَاحْمَرَّ أَنْفُهُ وهاج وماج  وأكثر العَجَاج والحِجَاج!!

ثم قال الأباضي :

[نحن مستعدون أن ننسى تلك الأحداثَ التاريخية].

قلت: لو كان ذلك كذلك لما وجدنا شيخكم الخليلي يكرر الأكاذيب التاريخية في كتابه الاستبداد للطعن في المغيرة بن شعبة وهو من أهل بيعة الرضوان، ولما وجدناه يصف عَقَائِدَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة بأنها عقائدُ اليهودِ والمشركين، ولما وجدناك أنت أيضًا في نفس المقطع تطعن في الأشعث بن قيس الكندي، وهو صحابي متفق على صحبته لرسول صلى الله عليه وسلم.

من يريد بالفعل أن ينسى هذه الأحداث التاريخية فكان عليه ألَّا يسطرها في كتبه لتظل شاهدة عليه وعلى أبناء مذهبه أنهم يقولون شيئًا ويفعلون عكسه وضده تمامًا!

لو كنتم مستعدين الفعل لنسيان هذه الأحداث فكان عليكم أن تصدروا بيانًا واحدًا يَتِيمًـا بِأَنَّ أقوال أئمتكم باطلة وأنَّ تكفيرهم للصحابة باطل، وأن هذه الأقوال لن يقول بها الأباضية!

تخيل أنك طوال الحلقة لم تُصَرِّحْ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِأَنَّ عُلَمَـاءَكُم الذين طعنوا في الصحابة مخطئون!!! لمدة 45 دقيقة تتكلم ولم تستطعْ أن تنطق بها، لأنك تعلم جيدًا أن الطعن في الصحابة هو القول المعتمد في دين الأباضية ومذهبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله !!

شيخكم الأباضي فرحات الجعبيري – وهو من المعاصرين – قال إِنَّ علي بن أبي طالب قتل أهلَ النهروان عن هوى في نفسه!! وقال عن الأباضية إنهم: [يبرئون من علي بن أبي طالب لقتله أهل النهروان، ويعتبرون أن عليًّا لم يقتلهم عن ديانة، وإنما قتلهم عن هَوًى في نفسه].(46)

فهل هذا مدح في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه أم طعن، وهل الجعبيري أيضًا كان مستعدًا أن ينسى الأحداث التاريخية حينما وصف علي بن أبي طالب بهذا الوصف المشين؟!

ثم قال هذا الأباضي:

[ ليس كل الصحابة عدولًا، كما هو قطعًا معلوم، حتى عندك أنت يا أبا عمر الباحث قطعًا معلوم أنه ليس كل الصحابة سَلِمُوا مِن الفتنة].

بل الصحابة كلهم عدول، بشهادة الله لهم، وشهادة رسوله صلى الله عليه وسلم الذين لا ينطق عن الهوى، يا أبا الأيهم، كيف تتكلم في العدالة وتنفيها عن بعض الصحابة وأنت لا تعرف معناها بارك الله فيك؟!

العدالة لا تعني العِصْمَة، بل نؤمن أن العصمة انتهت بوفاة سيد الخلق بأبي هو وأمي وروحي عليه الصلاة والسلام،

  قال الحافظُ صلاحُ الدينِ الْعَلَائِيُّ:

[((في تقرير عدالة الصحابة رضي الله عنهم)) : والذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف، أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة رضي الله عنهم، وهي الأصل المستصحب فيهم، إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحاً عن أحد منهم بحمد الله، فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف

من بعدهم].(47)

بل هذه المسألة من المسائل التي أطلق الأئمة فيها الإجماع!!

فقال الحافظُ الْعَلَائِيُّ:

[فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجُمْلَة أَحَدٌ من أهل السنة..قال ابنُ الصلاح: أجمع العلماءُ الذين يُعْتَمَد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضاً إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأنَّ الله تعالى أباح الإجماعَ على ذلك لِكَوْنِهِم نَقَلَةَ الشريعة].(48)

  قال الخطيب البغدادي:

[بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْدِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلصَّحَابَةِ: وَأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ, وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيمَنْ دُونَهُمْ كُلُّ حَدِيثٍ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ, لَمْ يَلْزَمِ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَةِ رِجَالِهِ, وَيَجِبُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِمْ, سِوَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ, لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ, وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ].(49)

فكيف زعمتَ أني لا أؤمن بعدالة الصحابة جميعًا؟!

ويأتي السؤال الاعتيادي لأبي الأيهم: هل ترى عثمان وعلي وطلحة والزبير عدولًا أم لا؟!

فإن قلت إنهم ليسوا عدولًا فقد طعنت فيهم، وإن لت إنهم عدول، فما وجهة كلامك عن العدالة في سياق الحديث عنهم وعن بقية المبشرين بالجنة إذًا؟!

وليس معنى وقوع الفتن أَنَّ مَنْ خَاضَ فيها سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ، فالنص القرآني الإلهي والنص النبوي المحمدي قاطعانِ بفضل الصحابة المذكورين في حديث البشارة بالجنة، ولا ينبغي تعطيل

نصوص لأجل نصوص أخرى، وينبغي التسليم لكلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

فمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة؛ فهو من أهل الجنة قَطْعًا، لا شك في ذلك أبدًا.

وقال الأباضي:

[وإلا فكيف يسمِّي الرسول صلى الله عليه وسلم لحذيفة أسماء الصحابة الذين نافقوا].

قلت: أرجو أن يجيب أبو الأيهم عن هذا السؤال لأني كررته عدة مرات:

هل تعتقد حَقًّا أن عثمان وعليا وطلحة والزبير كانوا منافقين؟! إنْ قلتَ لا؛ فلماذا تذكر إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة بأسماء المنافقين في معرض طعنك في حديث العشرة المبشرين بالجنة، وإنْ قلتَ نعم؛ فتلك طامة كبرى، ولا إخالك تجرؤ على النطق بها. فإنْ كُنْتَ تعتقد أنهم منافقون فأنت مُجْرِمٌ من كِبَارِ المجرمين. وأنا ظني بك أنك لا تعتقد بذلك، وعليه فذِكْرُكَ لمسألةِ إخبارِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حذيفة بأسماء المنافقين لا محل لها من الإعراب.

ثم هل يوجد اسم واحد من العشرة المبشرين بالجنة ضمن أسماء المنافقين حتى تذكر ذلك؟!

وبهذا ينتهي الجزء الأول من الرَّدِّ على الأباضي أبي الأيهم هدانا الله وإيَّاه إلى الحق، ويليه الجزء الثاني بحول الله وقوته.

والحمد لله رب العالمين  ،،،،

—-

فإلى دَيَّان يوم الدين نمضي   **   وعند الله تجتمع الخصوم

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

صباح الأحد يوم 10 من شوال لعام 1439 هجريا

الموافق 24 يونيه لعام 1018 ميلاديا

 


مراجع البحث:

(1)  الحق الدامغ للخليلي ص95.
(2)  سورة القيامة – الآيتان 22 : 23.
(3)  رواه البخاري برقم 7435.
(4)  رواه مسلم برقم 211 – (633).
(5)  سير أعلام النبلاء ج2 ص167، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.
(6)  فتح الباري ج8 ص302، ط دار المعرفة – بيروت.
(7)  شرح صحيح مسلم للنووي ج3 ص15، ط دار المعرفة – بيروت.
(8)  لسان العرب ج5 ص215، دار صادر – بيروت.
(9)  الحق الدامغ ص190.
(10)  صحيح البخاري – حديث رقم  806.
(11)  سورة القلم  – الآيتان 34 : 35.
(12)  صحيح ابن حبان ج16 ص457، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.
(13)  مسند الإمام أحمد بن حنبل ج4 ص92، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.
(14)  مسند الإمام أحمد بن حنبل ج4 ص92، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.
(15)  عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج15 ص243، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت.
(16)  صحيح البخاري – حديث رقم 3349.
(17)  ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج1 ص221 و222، ط دار الكتب العلمية – بيروت.
(18)  لسان الميزان ج1 ص419 ، ط مكتب المطبوعات الإسلامية – بيروت.
(19)  المصدر السابق.
(20)  صحيح البخاري ص22 ط دار ابن كثير- بيروت . بَاب: “خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
(21)  فتح الباري (1/ 111(، ط دار المعرفة – بيروت.
(22)  صحيح البخاري ص22 ط دار ابن كثير- بيروت . بَاب: “خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
(23)  فيض القدير (4/ 317).
(24)  شرح النووي على مسلم (16/ 41).
(25)  فيض القدير ج2 ص132، ط مكتبة الإمام الشافعي – الرياض.
(26)  صحيح البخاري – رقم 2778. وهناك خلاف هل حفرها أم اشترها، والراجح أنه اشتراها. والله أعلم.
(27)  صحيح البخاري – حديث رقم 2778.
(28)  سنن الترمذي –  حديث رقم 3701.
(29)  صحيح البخاري – حديث رقم 3674، وصحيح مسلم برقم 29 – (2403).
(30)  التنوير شرح الجامع الصغير ج7 ص240، ط مكتبة دار السلام – الرياض.
(31)  التنوير شرح الجامع الصغير ج1 ص267، ط مكتبة دار السلام – الرياض.
(32)  مسند الإمام أحمد بن حنبل ج19 ص391، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.
(33)  سنن الترمذي ج6 ص178، ط دار الغرب الإسلامي – بيروت. وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(34)  صحيح مسلم – حديث رقم  163 – (2496).
(35)  شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 58).
(36)  صحيح البخاري – حديث رقم 4890.
(37)  تيسير التفسير للقطب محمد اطفيش (11/ 151)، بترقيم الشاملة الأباضية.
(38)  فتح الباري (7/ 450(.
(39)  صحيح البخاري – رقم 5652، وصحيح مسلم – رقم 54 – (2576).
(40)  مروي عنه بإسنادينِ صحيحينِ، أحدهما عند البخاري برقم 3772، والثاني عند الترمذي رقم 3889.
(41)  مسند الربيع بن حبيب الأباضي – رقم 43.
(42)  صحيح مسلم – رقم  39 – (249).
(43)  فتح الباري لابن حجر (11/ 385).
(44)  الجوهر المقتصر ص122.
(45)  الدليل والبرهان ج1 ص24 ، 25.
(46)  البعد الحضاري للعقيدة الأباضية  ص48.
(47)  تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة ص60، دار العاصمة – الرياض.
(48)  المصدر السابق ص78.
(49)  الكفاية في علم الرواية ص46، المكتبة العلمية – المدينة المنورة.

 

 

الإعلانات

هل كان ابنُ تيمية يحقِد على عليِّ بن أبي طالب؟

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

مفتي الإباضية أحمد الخليلي في ميزان البحث العلمي

 

هل كان ابنُ تيمية يحقِد على عليِّ بن أبي طالب؟!  حلقة (11)!

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَن والاه، وبعد:

 فهذا الجزءُ الحادي العَشَر مِنْ سِلْسِلَةِ الردودِ الْعِلْمِيَّةِ عَلَى شُبُهَات وافتراءات مُفْتِي الإباضية الشيخ أحمد الخليلي هدانا الله وإياه ، وبيانِ مَنْهَجِهِ المُخَالِفِ لِكِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، بل وحَتَّى مخالفاته لمنهج محققي الإباضية!

وَفيه تَفْنِـيد شبهاته حَوْلَ الإمام الكبير والشيخ الجليل ابن تيمية رحمه الله.

يقول الخليلي في كِتَابِهِ الاسْتِبْدَاد:

[ومع تقادم العهد، بقي ابن تيمية ـ مع محاولته طي ما في نفسه عن الناس- تنفلت منه عبارات، تشي عما يعتمل بين حناياه من الحقد على أبي السبطين – كرم الله وجهه، حتى أنه شبهه بفرعون، حيث قال: «ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء المسلمين ، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رياسته، وقد قال النبي لي : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وقال: «ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» فيكون عليٌّ كافرًا لذلك؛ لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم، لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة، وأيضا فيقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدا للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، والله تعالى يقول”تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نجَعَلَها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَسَادًا وَالْعاَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة].(1)

قلت:

لو أردنا أن نَضرِبَ مِثالًا وَاضِحًا صريحًا على الخِيَانَة العِلْمِيَّـة والتدليس وانعدام الفهم والتخبُّطِ لما وجدنا أفضل من كلام الخليلي السابق كمثال صريح على ذلك ! ولعلَّ هذا من أعراض الشيخوخةِ !

فقد حَكَوْا أنَّ طالِبًا من طُلَّاب أبي الحسن الإشبيلي سأله قائلًا: يا أستاذ، ما الكَمَوْج؟!

فقال له أبو الحسن : وأين رأيتَ هذه اللفظة؟!

قال: في قول امرئ القيس: ولَيلٍ كَمَوجْ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ .

فقال له أبو الحسن : الكموج : دويبة من دواب البر، تحمل الكتب ولا تعلم ما فيها .أهـ

فالخليلي اعتبر كلام ابن تيمية هذا حِقْدًا يعتمل بين حناياه على علي بن أبي طالب رضي الله عنه!!

مع أن ابن تيمية لم يُرِدْ مَا فَهِمَه مُفتي الأباضية على الإطلاق!

وغالب ظني أن الخليلي نقل هذه الشبهات المضحكة من صفحات الرَّافِضَة على الإنترنت، فهذه السَّخَافَاتُ لا تخرج إلا من عند الرافضة!

وشيخ الإسلام ابن تيمية ليس مَسئولًا عَمَّنْ يَقرأ كلامَه ولا يفهمه!

المهم أن الخليلي وصف كلام ابن تيمية بما قال ، لكنَّ الخليليَّ لم يعتبرْ شَتْمَ عُلَمَاءِ الأباضيةِ الصَّرِيحَ لعليِّ بن أبي طالب وتكفيرَهُم له حِقْدًا يَعْتَمِلُ بين حناياهم! وهاك شيئا من أقوالهم

أولا:

سَبُّ وشَتْمُ علماءِ الأباضية لعلي بن أبي طالب وتكفيرهم له:

 يقول إمامُ الأباضية أبو سَعِيد الكُدَمِي:

 [ وقد أظهرت الحُجَّةُ عليَّ بنَ أبي طالب بالنكير بمفارقتهم له (أهل النهروان)، واعتزالهم عنه ، ومحاربتهم له ، إذْ أراد حربَهم على ذلك ، وبالواحِدة من ذلك تقوم عليه الحُجَّةُ ، ولو كان مُحِقًّا

واحتمل حقه وباطله ، فإنكار الحُجَّة عليه مُزِيلٌ لِعُذْرِهِ ، مُوجِبٌ لِضَلَالِهِ وكُفْرِهِ ].(2)

 وأبو سعيد الكُدَمِيُّ هذا يلقبه الخليليُّ مُفْتِي الأباضية بأنه إمامُ المذهب بلا منازع !!

فالكُدَمِيُّ هذا يتهم أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب بالضلال والكفر، ومع ذلك لم ير الخليلي حَنَايَا كُدَمِيِّهِ تعتمل على حِقْدٍ أو ما شابه ، لكنه فقط فهم كلام ابن تيمية بالمقلوب ثم قال ما قال!

 ويقول كتاب السير والجوابات:

 [ وكذلك عليٌّ أَمَرَهُ الله بقتالهم فلا يحل له ترك ذلك ولا تحريمه منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولا يحكم أحدًا منهم ولا فيهم بعد أن فرّق الله بينه وبينهم. فهذا دليل على كُفْر عليٍّ وضلاله، وصواب أهل النهروان وعدلهم ].(3)

أما شيخُ الأباضية محمد بن إبراهيم الكنديُّ فيعلن براءته من عليٍّ قَائِلًا:

 [ وَبَرِئْنَا بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ من أهل القبلة الذين هم من أهل القبلة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وجميع من رضي بحكومة الحكمين، وترك حكم الله إلى حكومة عبد الملك بن مروان وعبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف وأبي جعفر والمهدي وهارون وعبد الله بن هارون، وأتباعهم وأشياعهم ومَنْ تَوَلَّاهُم على كُفْرِهِمْ وَجَورِهِمْ من أهل الْبِدَعِ وَأَصْحَابِ الهوى.

قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: نوافِقُهم على هذا، والبراءة ممن سَمَّـاه].(4)

إذا فعلماءُ الأباضية يتبرؤون  من عليِّ بن أبي طالب، ويتهمونه بالجَور والضلال والكفر.

بالإضافة إلى أن إِمَامَ مَذْهَبِهِم أبا سَعِيدٍ الْكُدَمِيَّ وَصَفَ سِيرَةَ عَلِيِّ بْنِ أبي طالبٍ بالقبيحة!! (5)

لكن كل هذه الشتائم وهذا السِّبَاب والتكفير من علماء الأباضية لم يجعل الخليليَّ يرى ما يعتمل بين حناياهم من غِلٍّ وَضَغَائِنَ وَأَحْقَادٍ على عليِّ بن أبي طالب، لكنه اتَّهَمَ شَيخَ الإسلامِ بِذَلِكَ!!

 ثانيًا:

من الذي قال إن شيخ الإسلام كان يحقِد على عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟!

هذا كَذِبٌ صريح مُتَعَمَّدٌ، وكتب ابن تيمية تزخر بِعَكْسِ ذلك تمامًا !

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

[ فَضْلُ عَلِيٍّ وَوِلَايَتُهُ لِلَّهِ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أَفَادَتْنَا الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى كَذِبٍ وَلَا إِلَى مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ].(6)

ومعنى قوله “العلم اليقيني” أي العِلْم القَطْعِيُّ الذي ليس فيه ذَرَّةٌ من الشك !

فإذا كان ابن تيمية يقول إن ثبوت فضل علي بن أبي طالب وولايته ومنزلته العالية مقطوعٌ بصحته، وليس فيه مجالٌ للشَّكِّ، فكيف يكون قائل هذا عن عليِّ بن أبي طالب حاقدًا عليه ؟!

 وقال أيضًا:

[وَأَمَّا كَوْنُ عَلِيٍّ، وَغَيْرِهِ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ فَهُوَ وَصْفٌ ثَابِتٌ لَعَلِيٍّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِ عَلِيٍّ، فَعَلِيٌّ الْيَوْمَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ].(7)

وهناك يقرر ابنُ تيمية أن مولاة علي بن أبي طالب وهو حُبُّ المؤمنين له وَصْفٌ ثَبَتَ لِعَلِيِّ بن أبي طالب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مماته، ثم يقرر ابنُ تيمية أن عليًا رضي الله عنه اليوم هو مولى لِكُلِّ مؤمنٍ.

والسؤال الآن: هل ابن تيمية يعتبر نفسه مؤمنًا أم لا ؟!

مُؤَكَّدٌ أَنَّ كلَّ شَخْصٍ يعتقد في نفسه الإيمان، وابن تيمية يقول إن عليًا اليوم مولًى لكل المؤمنين، فهذا يعني أن ابنَ تيمية يَتَوَلَّى عليَّ بن أبي طالب وَيُـحِبُّه وينصره !

قال شيخ الإسلام أيضًا مُؤَكِّدًا على هذا المعنى:

[وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُوَالَاةَ عَلِيٍّ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مُوَلَاةُ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ].(8)

إذًا فابنُ تيميَّة يرى وُجُوبَ مُوَلَاةِ عليِّ بن أبي طالب، والمولاةُ تتضمَّنُ المحبة، كما قال ابن تيمية:

[ فَإِنَّ الْوَلَايَةَ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، والْوَلَايَةُ تَتَضَمَّنُ الْمَحَبَّةَ وَالْمُوَافَقَةَ، والْعَدَاوَةُ تَتَضَمَّنُ الْبُغْضَ وَالْمُخَالَفَةَ].(9)

بل قَرَّرَ ابنُ تيمية أنَّ الْـمَحَبَّةَ هي أَصْلُ الوَلَايَةِ، فقال:

[ وَالْوَلَايَةُ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، وَأَصْلُ الْوِلَايَةِ الْمَحَبَّةُ وَالْقُرْبُ، وَأَصْلُ الْعَدَاوَةِ الْبُغْضُ وَالْبُعْدُ].(10)

فكيف يكون ابنُ تيمية موالِيًا لعليِّ بنْ أبي طالبٍ مُحِبًّا له، وهو يحقد عليه كما زعم الخليلي ؟!

 هل يستقيم هذا التفكِيرُ في عقل الخليلي، إذا كان ذلك كذلك فإنه لا يستقيم عند العقلاء!

وقال ابنُ تيمية أيضًا:

 [وَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُحِبُّ اللهَ وَيُحِبُّهُ اللَهُ ].(11)

وهنا يقرِّرُ ابنُ تيمية بما لا يدع مَجَالًا للشَّكِّ أَبَدًا أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب رجل يُحِبُ اللهَ وَيُحِبُّهُ اللهُ!

فكيف يقرر أن عَلِيًّا يحب اللهَ ويحبه اللهُ، ثم يبغضه ويحقد عليه كما يزعم الخليليُ زُورًا وكذبًا؟!

وأرجو أن يُلَاحِظَ القارئُ الكريم أننا ننقل هذا الكلامَ من نفس الكتاب الذي يستدل منه الخليلي بفهمه الأعوج في فريته على شيخ الإسلام ابن تيمية !

ولو ظللنا ننقل كلامَ ابنِ تيميّة عن محبته وموالاته لعليِّ بن أبي طالب لما انتهينا!

وأختمُ هذا الْوَجْهَ بنقل ابن تيمية اعتقادَ أَهْلِ السُّنَّةِ في مَحَبَّةِ وَمُوَالَاةِ عَلِيِّ بن أبي طالب، فيقول:

[ وَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُحِبُّونَهُ وَيَتَوَلَّوْنَهُ، وَيَشْهَدُونَ بِأَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ ].(12)

إذا بحسب ما نقلناه فابنُ تيمية أبعدُ الناس عن فرية الحقد على عليِّ بن أبي طالب.

وبهذا يثبت للقارئ الكريم أنَّ قول الخليلي عن ابن تيمية محضُ افْتِرَاءٍ وَكَذِبٍ رَخِيصٍ !

ثالثًا:

زَعْمُ الخليليِّ أن ابْنَ تيميّة شَبَّهَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ بفرعون زَعْمٌ باطل مُضْحِكٌ !!

وأقلُّ ما يُقال في هذا الكلامُ إنَّهُ كَذِبٌ صريح ممجوج مفضوح!

ونحن هنا مضطرون لنقل كلام ابن تيمية مَرَّةً أخرى، وبيان منهجه في كتاب “منهاج السنة النبوية” حَتَّى يَتَّضِحَ للقارئ حقيقةُ الأمر!

/  قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية:

[ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ: لَوْ قَالَتْ لَكُمُ النَّوَاصِبُ: عَلِيٌّ قَدِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ: وَقَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى رِيَاسَتِهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» “. وَقَالَ: ” «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» ” . فَيَكُونُ عَلِيٌّ كَافِرًا لِذَلِكَ – لَمْ تَكُنْ حُجَّتُكُمْ أَقْوَى مِنْ حُجَّتِهِمْ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا صَحِيحَةٌ.

وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ. وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} سُورَةُ الْقَصَصِ فَمَنْ أَرَادَ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ].

وبحسب الكلمات التي وضعتُ تحتها خَطًّا ؛ فشيخ الإسلام لم يقل إن هذا هو قوله الذي يعتقده في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل يقول للرافضة لو أَلْزَمَكُمُ النَّوَاصِبُ بِكَذَا وكذا ؛ فلن تستطيعوا أن تجيبوا عليهم، لِأَنَّ قَاعِدَتَكُمُ التي تنطلقون منها لمهاجمة معاوية قاعدة باطلة، وفي حَالِ أَخْذِكُمْ بِهَذِهِ القاعدة فسيتمكَّنُ النواصِبُ من الطعن بها على عليِّ بن أبي طالب أيضًا.

ولكي نفهم الموضوع ببساطة وسهولة علينا أنْ نَعُودَ لِكَلَامِ الرافضي الحِلِّيِّ الذي كان شيخُ الإسلام ابن تيمية يرد عليه في هذه المسألة، قال ابن تيمية:

[ قالَ الرَّافِضِيُّ: ” وَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِ أَهْلِ الْيَمَـامَةِ قَتَلَ مِنْهُمْ أَلْفًا وَمِائَتَيْ نَفَرٍ.(13) مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَقَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ صَبْرًا وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَعَرَّسَ  بِامْرَأَتِهِ، وَسَمَّوْا بَنِي حَنِيفَةَ أَهْلَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا إِمَامَتَهُ، وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.

حَتَّى أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ، فَسَمَّوْا مَانِعَ الزَّكَاةِ مُرْتَدًّا، وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ، وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ»].

وهناك يطعن الرافضيُّ الحليُّ في أبي بكر الصديق لأنه أرسلَ خالدَ بنَ الوليدِ لِقِتَال أهل اليمامة، وَلَمْ يَذْكُر الرافضيُّ أنَّ أَبَا بَكْرٍ إنما قاتلهم لأنه ارتدوا عن الإسلام وآمنوا بمسيلمة الكذَّاب.

إذًا فالرافضي ظلم أبا بكر حينما لم يذكر سبب قتاله لهم، فابن تيمية عامل الرافضي بنفس قاعدته حينما قال له: [لَوْ قَالَتْ لَكُمُ النَّوَاصِبُ: عَلِيٌّ قَدِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ: وَقَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى رِيَاسَتِهِ]. وقال ابن تيمية للرافضي: [ وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ ].

فابن تيميَّـة يقول للرافضي: إذا كان أبو بكر عندك ظَالِـمًـا قاتِلًا للمسلمين ؛ فعلى قاعدتك يكون علي بن أبي طالب أيضًا مِثْلَه!

وهذا يسمى في باب المناظرات بـ إلزام الخصم بكلامه وقواعده.

ولم يكن ابن تيمية يريد الانتقاص من علي بن أبي طالب عليه السلام على الإطلاق، لأنه صرح في مواضع كثيره بمحبته وموالاته، ودافع عنه ضد الخوارج من أهل النهروان وغيرهم !!

رابعًا:

 وهذا بيانٌ لمنهج شيخ الإسلام ابنِ تيميَّةَ في هذا الكتاب:

ملخص منهج وطريقة شيخ الإسلام في كتابه “منهاج السنة النبوية” في هذا الباب – كما وضحت الأن – أنه يريد أن يقول للرافضة ما معناه أنكم إذا طعنتم في خلافة أبي بكر وعمر بشيء فإن القاعدة التي تنطلقون منها يستطيع أن ينطلق منها النواصب فيطعنوا في علي بن أبي طالب.

فإذا نفيتم عن أبي بكر وعمر فَضِيلَةً من الفضائل وقلتُم إنها لا تثبت عنهما، لكان ذلك إنكارًا منكم لِفَضْلِ عليِّ بن أبي طالب أيضًا، فَإِنَّ الطَّرِيقَةَ التي ثبتت بها فَضَائِلُ عليٍّ بن أبي طالب هي نفسُ الطريقة التي ثَبَتَتْ بها فَضَائِلُ أبي بكر وعمر، فإنْ أَنْكَرْتُمْ فَضَائِلَ أبي بكر وعمر لَزِمَكُمْ أَنْ تُنْكِرُوا فَضَائِلَ عليٍّ بن أبي طالب أيضًا.

ويقول أيضًا للرافضة: إذا طعنتم في أبي بكر وعمر بشيءٍ ما، وَثَبَتَ عن عليِّ بن أبي طالب نَفْسُ هذا الشيء، فإنكم بِطَعْنِكُم في أبي بكر وعمر طعنتم أيضا في علي بن أبي طالب لاتفاقهم على نفس الفعل !

وهذا مثال واضح لمنهج ابن تيمية في كتابه منهاج السُّنَّة عن النصارى والرافضة، فيقول:

[ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَغْلُونَ فِيهِ غُلُوَّ النَّصَارَى، وَلَا يَجْفُونَ جَفَاءَ الْيَهُودِ. وَالنَّصَارَى تَدَّعِي فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، وَتُرِيدُ أَنْ تُفَضِّلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، بَلْ تُفَضِّلَ الْحَوَارِيِّينَ عَلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ، كَمَا تُرِيدُ الرَّوَافِضُ أَنْ تُفَضِّلَ مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَالْمُسْلِمُ إِذَا نَاظَرَ النَّصْرَانِيَّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ فِي عِيسَى إِلَّا الْحَقَّ، لَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ جَهْلَ النَّصْرَانِيِّ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ، فَقَدِّرِ الْمُنَاظَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِيِّ; فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ الْيَهُودِيِّ إِلَّا بِمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُسْلِمُ ; فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا كَانَ مُنْقَطِعًا مَعَ الْيَهُودِيِّ، فَإِنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ قَدَحَ فِي نُبُوَّتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا إِلَّا قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ فِي الْمَسِيحِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَاتِ لِمُحَمَّدٍ أَعْظَمُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ لِلْمَسِيحِ، وَبُعْدَ أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَنِ الشُّبْهَةِ أَعْظَمُ مِنْ بُعْدِ الْمَسِيحِ عَنْ الشُّبْهَةِ، فَإِنَّ جَازَ الْقَدْحُ فِيمَا دَلِيلُهُ أَعْظَمُ وَشُبْهَتُهُ أَبْعَدُ عَنِ الْحَقِّ، فَالْقَدْحُ فِيمَا دُونَهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْقَدْحُ فِي الْمَسِيحِ بَاطِلًا، فَالْقَدْحُ فِي مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا بَطَلَتِ الشُّبْهَةُ الْقَوِيَّةُ، فَالضَّعِيفَةُ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، وَإِذَا ثَبَتَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي غَيْرُهَا أَقْوَى مِنْهَا فَالْقَوِيَّةُ أَوْلَى بِالثَّبَاتِ].(14)

وهذا سياقُ كلامِ ابنِ تيميةَ الذي اجتزأ الخليليُ منه للتشنيع عليه:

وقال ابنُ تيمية وهو يردُّ على الرافضيِّ ابنِ المطهّر الحِلِّيِّ:

[قَالَ الرَّافِضِيُّ: سَمَّوْا (الصحابة) مَانِعَ الزَّكَاةِ مُرْتَدًّا، وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ، وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ].

إذًا فهذا الرافضي يريد أن يقول لأهل السُّنَّة: كيف تُسَمُّونَ مانعي الزكاة مرتدين، ولم تُسمُّوا معاويةَ مرتدًا مع أن معاوية حَارَبَ المسلمين ، وحارب عليَّ بن أبي طالب في معركة صفين ، ومع ذلك لم يسموا معاوية مرتدًا، مع أنهم سمعوا النَّصَّ الذي قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعلي بن

أبي طالب: “يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي حَرْبُكَ”].

وابن تيمية رَدَّ على هذا الرافضيِّ بما يُعْجِزُهُ ويقطع حُجَّتَهُ!

فكان مِنْ جواب ابن تيمية عليه – بعدما بَيَّنَ له كَذِبَ الروايةِ وغَلَطَهُ في الاستدلال بها وأوضح سوء فَهْمِه للنصوص – أنه قال ما معناه للرافضي: بحسب هذه الطريقة في الاستدلال؛ إذا قام النواصب بتوجيه نفس الاتهام لكم عن شخص علي بن أبي طالب لما استطعتم أن تردوا عليهم، لِأَنَّ القواعد الباطلة التي ينطلق منها الرافضي تدين عليَّ بن أبي طالب، فلو قالت النواصب للرافضة: أنتم تنكرون على معاوية استحلاله لدماء المسلمين كما تقولون فعليُّ بن أبي طالب أيضا اسْتَحَلَّ قِتَالَ المسلمين على خِلَافِتِهِ، إذْ لا يوجد نصٌّ قرآنيٌّ ولا حديثٌ نبويٌّ يأمر فيه النبيُ صلى الله عليه وسلم عليًّا بِقِتَال أهل الجمل وصِفِّين، فاتِّهَامُكُم لمعاوية يُعَدُّ اتهامًا لعليِّ بن أبي طالبٍ أيضًا سَيْرًا على نفس قاعدتكم.

 قال ابن تيمية: [فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة].

فهل ابن تيمية يصف عليَّ بنَ أبي طالبٍ بشيء من هذا أَصْلًا ؟!

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية:

[ وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آخِرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ].(15)

 فكيف يصف شيخ الإسلام أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه بأنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين وهو يشبهه في نفس الوقت بفرعون ؟! هل يجتمع هذان القولان في ذهن رجل عاقل سليم؟!

فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه

خامسًا:

نحن كمسلمين لا نرضى أَنْ يُسَبَّ أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام والرضوان.

وهو أفضل عندنا من ابن تيمية وأمثاله من العلماء بلا خلاف أو جِدَال!!

ولكننا في ذات الوقت نقول: إذا كان الخليلي يرى أن ابن تيمية نال من عليِّ بن أبي طالب ، فلماذا يسمح الخليلي بطباعة الكتب التي تسب علي بن أبي طالب وتنال منه وتحقد عليه؟!!!

فهذا إمام الأباضية أبو سعيد الْكُدَمِيُّ يقول: 

 [ ثم إن علي بن أبي طالب استخلف على الناس ، فنقض عهد الله ، وحكم في الدار غير حكم كتاب الله ، وقتل المسلمين ، وسار بالجور في أهل رعيته ، فعلى هذا الذي قد صحت منه سعادة علي بن أبي طالب ، أن يتولى لله علي بن أبي طالب ، على سفكه لدماء المسلمين ، وعلى تحكيمه في الدماء غيرَ حُكْمِ كِتَاب الله ، وسيرته القبيحة ، ولا يحل له الشك في ولايته ، وعليه أن يبرأ لله من باطله ، ومن سفك دمه إن قدر على ذلك].(16)

فهل كانت سيرة علي بن أبي طالب قبيحة ؟! وإذا كان الجواب بالنفي؛ فلماذا يتم طباعة الكتب التي تحتوي سب علي بن أبي طالب وشتمه ؟!

ويقول شيخ الأباضية سالم السيابي:

[كان علي بن أبي طالب من علماء الصحابة و عبادها ، إلا أنَّ حبه الخلافة أوقعه في ما وقع فيه من بلائها، فلم يهتدي لسياستها، فإنَّه لما مات النبي صلى الله عليه و سلم و آله ما كان يرى لها غيره، وكان المسلمون لا يرونه لها، فلما تولاها أبو بكر تَبَرَّمَ وَدَخَلَ في نفسه ما دخل من التأثير، حتى إذا اسْتَخْلَفَ أبو بكر عُمَرَ بن الخطاب بَقِيَ في نَفْسِ عَلِيٍّ أنها فَلْتَةٌ وسترجع إليه، فكان الأمر على خِلَاف ما ظَنَّ ، فزاد تَبَرُّمُهُ وتَشَكِّيهِ].(17)

وفي النهاية أنصح الخليليَّ مفتي الأباضيةِ بهذه النصيحة:

/  يقول الأباضيُّ ناصر المسقري:

[ إنَّ التسرعَ والاندفاعَ في إصدار الأحكام دون رَوِيَّةٍ دون تَحَرٍّ للحقيقة ولا صَبْرٍ في الْبَحْثِ عنها، بل الاكتفاءُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ يُوقِعُ في أَخْطَاءٍ كَثِيرَةٍ ! والاكتفاء ببادئ الرأي سِمَةُ الْعَامَّةِ وَالدَّهْمَاءِ الذين تحركهم الْعَوَاطِفُ الآنِيَّةُ وتوجههم الانفعالاتُ غيرُ الواعية وتتحكمُ بهم الغوغائيةُ ويشغلهم عادةً أصحابُ المصالح والأهواء. ولذلك نجد أن أكثر الأفكار المسيطرة عليهم التي تتحكم بها تعميمات باطلة ومبادئ لا تعتمد على حق، وعقائد لا تستند إلى براهين ولا أدلة كافية للإقناع، بل عواطف لا قيمة لها في ميزان الفكر السليم ولا في ميزان الواقع التجريبي ].(18) 

/  يقول الأباضيُّ علي الحجري في مقدمة كتابه:

[فَعَلَى الْكُتَّاب الذين لا يَرْضَونَ إلا بإثارة أَخْبَارِ تِلْكَ الْفِتَنِ في أوساط الأجيال المسلمة أَنْ يفهموا مسئولياتِهم ويتحققوا من صِحَّة الْأَخْبَار التي يبنون عليها أحكامهم].(19)

وقد قيل:  

فَدَعْ عَنْكَ الْكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْهَا       ****      وَلَوْ لَطَّخْتَ وَجْهَكَ بِالْـمِدَادِ

….

فإلى دَيَّان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم.

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

………

صباح الأربعاء يوم 23 من ربيع الثاني لعام 1439 هجريا

الموافق 10 يناير لعام 1018 ميلاديا

 


(1)  كتاب الاستبداد – مظاهره ومواجهته للخليلي ص58 ، 59 ، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(2)  الاستقامة ج1 ص119، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(3)  كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان ج2 ص307، ط وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان.

(4)  بيان الشرع لمحمد الكندي ج3 ص280، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(5)  المعتبر ج1 ص36 ، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

(6)  منهاج السنة النبوية (8/ 165).

(7)  منهاج السنة النبوية (7/ 325).

(8)  منهاج السنة النبوية (7/ 27).

(9)  مجموع الفتاوى (5/ 510).

(10)  مجموع الفتاوى (11/ 160).

(11)  منهاج السنة النبوية (7/ 218).

(12)  منهاج السنة النبوية (6/ 18).

(13)  الرافضي يقصد خالد بن الوليد رضي الله عنه في حروب الرِّدَّة.

(14)  منهاج السنة النبوية (2/ 55).

(15)  مجموع الفتاوى ج3 ص406، ط خادم الحرمين الشريفين.

(16)  المعتبر ج1 ص36، قاموس الشريعة ج8 ص260.

(17)  العرى الوثيقة للسيابي ص 188.

(18)  الإباضية في ميدان الحق – ناصر المسقري ص22 ، ط مكتبة الأنفال مسقط – عمان.

(19)  الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري ص195.

براءة جابر بن زيد من الأباضية – حلقة (2)

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

مسند الربيع بن حبيب في ميزان البحث العلمي

براءة جابر بن زيد من الأباضية – حلقة (2)!

الحمد لله والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَنْ وَالَاهُ، وبعد:

 فهذا هو الجزء الثاني من دِرَاسَةٍ كتبتُها من واقِعِ ملاحظاتي وقراءتي في مُسْنَدِ الربيع بن الحبيب الفراهيدي الذي تعتبره الإباضيةُ أَهَمَّ كُتُبِ الحَدِيث النبوي!!

وسبب هذه الدراسة أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ قال: [لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ].([1])

وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ].([2])

وهذا حديث في منتهى الخطورة، إذْ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جعل الْـمُتَقَوِّلَ عليه ما لم يَقُلْهُ في النار، لأنه في الحقيقة كَاذِبٌ على الله، لِأَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلِّغُ عن الله، وكلامُه وأفعالُه وإقرارُه تشريع للعباد، والكاذِبُ عليه كاذِبٌ على الله في الحقيقة!

قال الحافظ ابن حجر الْعَسْقلاني:

[ تَقْوِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ].([3])

فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخطر الأمور، ولهذا فإنَّ صيانةَ كلامِهِ صلى الله عليه وسلم عن الكذب والوضع من أخص العِبَادَاتِ وأفضل القربات إلى الله سبحانه.

وَبِنَاءً على ما سبق قررتُ عملَ دراسةٍ مختصرةٍ حول هذا الكتاب من خلال رُوَاتِهِ، وما قيل في هؤلاء الرواة سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو مَن جاء بعدهم، وما قاله بعضُ هؤلاءِ الرواةِ أنفسهم في الأباضية أو في أَسْلَافِهِم من أهل النهروان بشكلٍ عامٍ.

ذكرت في الحلقة الأولى أَنَّ مُؤَلِّفَ كِتَابِ ” الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات ” حاول تضعيفَ الرواياتِ التي تؤكِّد براءة الإمام جَابِرَ بْنَ زَيد من الأباضية، ضَارِبًا بالقواعد المنهجية العلمية المعروفة عرضَ الحائط!!

فيقول:

فيس ص52

.

فقام الأباضيُّ بإنكار الرواية ورآها غيرَ صالحةٍ للدلالة بسبب عارم بن الفضل ولأنَّ جابرًا لم يذكر الأباضيةَ فيها!!

فهل يعرف الأباضيُّ قومًا نُسِبَتْ البراءةُ لجابر بن زيد منهم إِلَّا الأباضية؟!

سبحان الله!!

ويبدو أنَّ الأباضيَّ لم يقرأ الروايةَ جيدًا قبل أن ينكرها!

فالكلام ليس على لِسان جابر بن زيد رحمه الله أَصْلًا، وإنما هذا وصفُ التابعي الجليل الإمام محمدِ بنِ سيرينَ لجابر رحمهما الله!

فالمتكلم في هذه الرواية هو الإمام محمد بن سيرين، يقول وَاصِفًا حالَ جابر إِنَّه كان بريئًا مما يقولون.

وهذا يوضح أَنَّ الأباضية زعمت نسبتها إلى جابر بن زيد في زمان التابعين، فَأَسْرَع جابر بتبرئة نفسه من نسبتهم إليه – كما في الرواية الأولى – ، وقام الذين يعرفون جابر بن زيد كمحمد بن سيرين وغيره بنفي هذه الفرية عنه كما في هذه الرواية وغيرها ! 

ثم إن براءة جابر من الأباضية ثابتةٌ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ صحيحٍ منه كما تقدم في البحث الأول، فما وجه إنكار هذه الرواية على عارِم وكأنَّها مما اختلط فيه عارم؟!

بل الصحيح أن هذه الرواية مما لم يختلط فيه عارم!

والمدهش أن الأباضي علي الحجري نقل لنا كلامَ ابنِ حِبَّان عن عَارِم، ولم ينقل لنا – كعادته – إنكار العلماء على ابن حبان في كلامه عن عارم بن الفضل السدوسي!!

وسنرتب الكلامَ في هذا الموضوع إلى عِدَّةِ نِقَاط:

أولا:

هذه الرواية مما حَدَّثَ به عارِمٌ قبل اختلاطه، لأنَّ عَارِمَ بن الفضل لم يُحَدِّثْ بعد اختلاطِهِ إلا حديثا واحدًا، وسيأتي ذكره بعد قليل.

قال الذهبيُّ:

[ محمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي الحافظ عارم .. تَغَيَّرَ قَبْل موته فمـا حَدَّثَ ].([4])

فإذا كان عارِمُ بن الْفَضْلِ لم يُحَدِّثْ بعد اختلاطِهِ فاحْتجاجُ الأباضيِّ باختلاطِ عارِم على ضَعْفِ الرواية ورفضِها ليس له مَحلٌّ من الإعراب هاهنا، لأن الرواية كانت قبل اختلاطه!

ثانيا:

عَارِم لم يظهرْ له حديثٌ واحدٌ منكرٌ بعد اختلاطِهِ، لأنه تَوَقَّفَ عن التحديث كما بَيَّنَّا!

قال الإمامُ الذهبيُّ:

[وقال الدارقطني: تغير بِأَخَرَةٍ، وما ظهر له بعد اختلاطِهِ حَدِيثٌ مُنْكَر ، وهو ثِقَةٌ ! ].([5])

ثم وَبَّخَ الذهبيُّ ابنَ حِبَّانَ توبيخًا شديدًا على قوله في عارم، فقال بعد ذِكْرِ كلامِ الدارقطني:

[ فهذا قولُ حافِظِ العَصْرِ (الدارقطني) الذي لم يَأْتِ بعد النَّسَائِيِّ مثلُه ، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخَسَّافِ المتهور في عارم ، فقال: اختلط في آخر عُمُرِهِ وَتَغَيَّرَ حَتَّى كَانَ لا يَدْرِي ما يُحَدِّثُ بِهِ، فوقع في حديثه المناكيرُ الكثيرة ، فيجب التَّنَكُّبُ عن حديثه فيما رَوَاهُ المتأخرون، فإذا لم يُعْلَمْ هذا مِنْ هَذَا تُرِكَ الْكُلُّ، ولا يُحْتَجُّ بِشَيءٍ منها !

 قال الذهبيُّ:

[ ولم يقدِر ابنُ حِبَّانَ أن يسوقَ له حديثًا منكرًا،  فأين ما زَعَمَ ؟! ].([6])

قلت (أبو عمر) :  

قال الذَّهَبِيُّ في السير: [بَلَى، لَهُ عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيْلِ، عَنْ أَنَسٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بشِقِّ تمرَةٍ”، وَقَدْ كَانَ حَدَّثَ بِهِ مِنْ قَبْلُ عَنِ الحَسَنِ، بَدَلَ أَنَسٍ، مُرْسَلاً، وَهُوَ أَشبَهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ عَفَّانُ وَغَيْرُهُ، عَنْ حَمَّادٍ ].([7])

فأخطأ عارم في رواية الحديث عن أنس، رغم أنه رواه قَبْلًا عن الحسن البصري مُرْسَلًا!

لكنَّ الأباضيَّ لم يذكر لنا هذا الكلامَ لأنه لا يخدم هدفَه ومرادَه، بل ذكر لنا قولَ ابن حبان فقط، ولم يذكر رَدَّ الذهبي عليه!

ونحن لَيس لدينا مشكلةٌ مع كلام ابن حبان – بخصوص رواية براءة جابر من الأباضية – كما سيأتي بيانه أيضًا إن شاء الله!

المضحك أنَّ الأباضيَّ في أَوَّلِ كِتابِهِ ذَكَرَ لنا قولَ شَيخِهِ مفتي الأباضية أحمد الخليلي يقول فيه:

[ وَإِنَّ مَنْ يُمْعِن نظرَه في التراث الأباضي الفكري – متجردًا من العوامل النفسية والمؤثرات الوراثية – يدرك كلَّ الإدراكِ أَنَّ الأباضيةَ أكثر فئات هذه الأمة اعتدالًا، وأسلمها فكرًا، وأقومها طريقًا، وأصحها نظرًا، وأصفاها موردًا ومصدرًا].([8])

قلت: هذا غير واضح في فعل الأباضيِّ الحجري وجميع دعاة الأباضية السابقين واللاحقين!!

فهؤلاء القوم لا يستحون من أنفسهم؟! يدلسون ويقتطعون ويزورون الحقائق، ثم يقولون بمنتهى البساطة إنهم أهلُ اعتدالٍ وسلامةٍ في الفِكْرِ واستقامةٍ في الطريق ونظرٍ وصفاءٍ!!

ثالثًا:

ابنُ سَعْدٍ سَمِعَ من عارِم قبل اخْتِلَاطِهِ:

 يدل على ذلك أن الأئمة صَرَّحُوا أنَّ عارمًا لم يُحَدِّثْ بعد اختلاطِهِ كما ذكرتُ سابقًا، وجَدِيرٌ بالذِّكْرِ أَنْ أُنَوِّهَ أن عارم متوفَّى 224 هجرية، وابنُ سَعْدٍ متوفَّى 230 هجرية. أي بَعْدَ وفاةِ عارم بـ 6 سنين. فهما متقاربانِ في الطبقة، والإمام البخاري الذي سمع من عارم قبل اختِلاطه مُتَوَفَّى عام 256 هجرية، أي بعد وفاة عارم بـ 32 عامًا ! ، فإذا كان البخاريُّ قد مات بعد وفاة عارم بـ 32 عامًا مع ثبوت سَمَاعِهِ من عَارِم قبل اختِلاطِهِ، فمن باب أَوْلَى أَنَّ ابنَ سعد – الذي مات بعد عارم بـ 6 سنين – يكون سماعه من عارم قبل اختلاطه !

قال الحافظ ابن حجر الْعَسْقَلَانيُّ:

[ إِنَّمَـا سَمِعَ مِنْهُ البُخَارِيُّ سنة ثَلَاث عشرَة ، قبل اخْتِلَاطِه بِمدَّة ].([9])

فالإمامُ البخاريُّ رحمه الله سَمِعَ من عارِم قَبْلَ وفاته بـ 11 عَامًا، فالْبُخَارِيُّ – كما قلنا – تُوُفِّيَ عام 256، ومع ذلك كان سماع البخاري منه قبل الاختلاط.

قالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ:

 [ قال أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ: اختَلَطَ عارِم في آخرِ عمرِهِ ، وزالَ عقلُهُ ، فمنْ سَمِعَ منهُ قبلَ الاختلاطِ فَسماعُهُ صحيحٌ، قالَ: وكتبْتُ عنهُ قبلَ الاخْتِلَاطِ سنةَ أربعَ عشرةَ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ فَسَمَاعُهُ جَيِّدٌ ].([10])

والرَّازِيُّ تُوُفِّيَ عام 277، أي بعد وفاة عارِم بـ 53 عامًا، وسَمَـاعُ أبي حاتمٍ الرازيِّ من عارِم كان قبل اختلاطِهِ، فمن باب أولى أن يكون ابنُ سعد – المتوفى عام 230 – سمعه قبل اختلاطه!

قال الحافظ زين الدين العراقي:

 [عارم محمد بن الفضل أبو النعمان اختلط بآخرة، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا عَنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ].([11])

إذًا فمحمد الذُّهْلِيُّ تُوُفِّيَ عام 258، أي بعد وفاة عارِم بـ 34 عامًا، وسَمَـاعُ الذُّهْلِيِّ من عارِم كان قبل اختلاطِهِ، فمن باب أولى أن يكون ابنُ سَعْدٍ المُتَوَفَّى عام 230 قد سمع منه قبل اختلاطه!

الْـخُلَاصَة: أن كِبَارَ الْـحُفَّاظِ الذين تُوُفُّوا بعد وفاة ابن سَعْد بعشرات السنين سَمِعُوا من عَارِمٍ قبل اختلاطِهِ، فمن باب أولى أَنْ يكونَ ابنُ سعد – الذي مات قبلهم بعشرات السنين – قَدْ سَمِعَ مِنْ عَارِمٍ قبل اختلاطِهِ، لأنه تُوُفِّيَ بعد عارم بـ سنواتٍ فقط.

رابعًا:

يدلُّ على صِحَّةِ روايَةِ عَارِم في براءةَ جابر بن زيد من فرقة الأباضية أَنَّ بقية الرواياتِ الصحيحة في نفس هذا المعنى أَكَّدَتْ براءةَ جابر بن زيد من فِرْقَةِ الأباضية، فلو سَلَّمْنَا جَدَلًا باختلاط عَارِم؛ فاختلاطُه لا ينطبق على هذه الرواية، بل هذه الرواية من صحيح حديثه الذي وافقَ فيه الثقاتِ، إِذْ لم يتفرد عارِمٌ بالرواية، فكيف يُحْتَجُّ على ضَعْفِ هذه الروايةِ بِاخْتِلَاطِهِ؟!

خامسًا:

سؤال للأباضية: إذا كان عارِم بن الفَضْلِ مَطْعونًا عليه وضعيفًا كَمَـا يحاول الأباضيُّ عليّ الحَجَرِيُّ أن يُشَوِّشَ عليه؛ فلماذا تستدلون بروايات عارِمٍ في فَضَائِلِ جابر بن زيد في كتبكم؟!

لماذا احتوت كُتُبُكُمْ على رواياتِ عارم التي فيها ثناءُ علماءِ التابعين على جابر بن زيد؟!

يقول الأباضي بدر السعيدي في بحث تخرجه بعنوان: وصل مراسيل الإمام جابر بن زيد في مسند الربيع بن حبيب، المبحث الثالث: عدالته وتوثيقه:

[اشتهر الإمام جابر بن زيد بالعلم والورع والعدل مما جعل الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم يثنون عليه، وكذلك ممن أتى بعدهم، وسأنقل في هذا المبحث بعض ما قيل عنه: قال ابن سعد: أخبرنا عارم بن الفضل قال: ” حدثنا حماد بن زيد عن خالد ابن فضاء عن إياس قال: [أدركتُ البصرةَ ومفتيهم رجل من أهل عمان؛ جابر بن زيد].([12])

وليلاحظ القارئُ الكريم أن هذه الروايات أيضًا من رواية ابن سعد عن عارم!!

كذلك استدلَّ الْأَباضِيُّ إبراهيم بن علي بولرواح صاحبُ موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية، بكثير من روايات عارم بن الفضل في الثناء على جابر بن زيد ومَدْحِهِ، فقال:

قال يحيى بن سعيد القطان: أخبرنا عارِمُ بنُ الفضل قال حدثنا حماد بن زيد عن خالد بن فضاء عن إياس قال : أدركتُ البصرةَ ومفتيهم رجلٌ من أهل عمان جابر بن زيد].([13])

وذكر هذه الرواية نَقْلًا عن الطبقات الكبرى لابن سعد، وليس فيها ذكر يحيى بن سعيد القطان. فقال:

[أَخْبَرَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا حماد بْنُ زَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ فَضَاءٍ عَنْ إِيَاسَ قَالَ: أَدْرَكْتُ الْبَصْرَةَ وَمُفْتِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أهل عُمَانَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ].([14])

فالرواية في الطبقات من رواية عارم بن الفَضْلِ السدوسي أيضًا!

فما هو الضابط عند هؤلاء القوم؟! لماذا استدلوا برواية عارم بن الفَضْلِ إذا كانوا يُضَعِّفُونَهُ؟!

ولماذا ضَعَّفُوا روايته إذا كانوا يوثقونه؟!!  هذا هو اتِّبَاعُ الهوى في أسوء صوره وأقبح مراحله!!

يقول الأَباضيُّ علي الحجري في مقدمة كتابه:

[لهذا فلا بد للجميع أن يحتكموا إلى الحق الذي يعترف بسلطانه كُلُّ مُسْلِمٍ في إثباتِ ما هو ثابتٌ بالدليلِ القاطعِ، وإبطالِ ما هو باطلٌ بالحجة الواضحة البينة].([15])

 فأين الاحتكام إلى الحق الذي يعترف بسلطانه كُلُّ مُسْلِمٍ في تضعيفِكَ لروايةٍ صحيحةٍ ثابتةٍ؟!

وأين استدلالك بما هو ثابتٌ بالدليل القاطع، وأين الحُجَجُ الواضحةُ البينة هنا؟!!!!

ما هذا التزوير والتلبيس والتدليس؟!

ثم كيف تَدَّعُون مَحَبَّتَكُم لجابر بن زيد وأنتم تُكَذِّبُون الصحيحَ الثابتَ من آثَارِهِ وَأَقْوَالِهِ؟!

سادسًا: نذكر شيئًا من أقوال علماء الجرح والتعديل في عارِم بن الفضل:

قال الإمامُ الذهبيُّ:

[ عَارِمٌ مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ السَّدُوْسِيُّ البَصْرِيُّ الحَافِظُ، الثَّبْتُ، الإِمَامُ ].([16])

وقَالَ ابْنُ وَارَةَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ الصَّدُوْقُ المَأْمُوْنُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: إِذَا حَدَّثَكَ عَارمٌ فَاخْتِمْ عَلَيْهِ، عَارمٌ لاَ يتَأَخَّرُ عَنْ عَفَّانَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ يُقَدِّمُ عَارماً عَلَى نَفْسِهِ إِذَا خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ، وَيرجعُ إِلَى مَا يَقُوْلُ عَارمٌ، وَهُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، بَعْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَقَالَ: عَارمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ عَارمٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ ].([17])

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ: فَمَنْ سَمِعَ مِنْ عَارِمٍ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ فَهُوَ أَحَدُ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ].([18])

سابعًا: المتكلم في الرواية هو محمد بن سيرين، ولسنا في حاجة للكلام عن توثيقه، فمجرد ذِكْرِ اسْمِهِ كافٍ عند أهل العلم والفهم، فهو إمام سيد من أئمة وسادات التابعين!

الخلاصة: أَنَّ عَارِمَ بنَ الفَضْل ثِقَةٌ، ولكن اختلطَ في آخر عمره، فلم يُحَدِّثْ، ولم يظهر له حديث منكر إلا ما أشرنا إليه سابقًا. ولو افترضنا أن ابن سعد سمع منه بعد اختلاطه؛ فرواية براءة جابر بن زيد من الأباضية ليست مما اختلط فيه عارم، لأنه وافق غيره من الحفاظ والثقات.

فأقل ما يُوصَف فِعْلُ الأباضي علي الحجري به أنه جناية شرعية وسوأة فكرية وخيانة علمية وجريمة أخلاقية في حق الدين والعلم والتاريخ أَوَّلًا، ثم في حق جابر بن زيد، ثم في حق قُرَّائِهِ مِنَ الْأَبَاضِيَّةِ!!

ولا يفوتني أن أقول إني لم أَجِدْ أَحَدًا من الأباضية رَدَّ عليه وَبَيَّنَ له خطأه إلى الآن، فكأنَّ القَومَ لم يعلموا ماذا يفعل صَاحِبُهُم ولم ينتبهوا لتزويره وتدليسه ، أو أنهم عرفوا واستمرئُوا وسكتوا!

والله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل !

………………

إلى دَيَّانِ يَومِ الدِّينِ نَمْضِي     **     وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُوم

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

 

صباح الثلاثاء يوم في الثامن من ربيع الآخر لعام 1439 هجرياً

الموافق 26 من ديسمبر لعام 1017 ميلادياً

 


([1])  صحيح البخاري –  حديث رقم 106.

([2])  صحيح البخاري –  حديث رقم 109.

([3])  فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج1 ص350، ط دار طيبة – الرياض.

([4])  الكاشف لمن له رواية في الكتب الستة ج2 ص210، ط دار القبلة – جدة، مؤسسة علوم القرآن – جدة.

([5])  ميزان الاعتدال في نقد الرجال  ج6 ص298، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([6])  المرجع السابق.

([7])  سير أعلام النبلاء ج10 ص265، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([8])  الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ  الحجري ص5، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([9])  فتح الباري – هدي الساري لابن حجر العسقلاني ج1 ص441، ط دار المعرفة – بيروت.

([10])  فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي ج4 ص375، ط مكتبة السنة – مصر.

([11])  فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي ج4 ص375، ط مكتبة السنة – مصر.

([12])  المؤلف بدر بن خميس بن راشد السعيدي ص11، معهد العلوم الشرعية – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

([13])  موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية ج1 ص180، ط مكتبة مسقط – سلطنة عمان.

([14])  الطبقات الكبرى لابن سعد ج7 ص133، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([15])  الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ  الحجري ص19، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([16])  سير أعلام النبلاء (10/ 265).

([17])  سير أعلام النبلاء (10/ 265).

([18])  الضعفاء الكبير للعقيلي (4/ 122)

براءة جابر بن زيد من الأباضية – حلقة (1)

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

براءة جابر بن زيد من الأباضية- حلقة (1)

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومن والاه، وبعد:

فهذه دراسة كتبتُها من واقع ملاحظاتي وقراءتي في مُسْنَدِ الربيع بن الحبيب الفراهيدي الذي تعتبره الإباضيةُ أَهَمَّ كُتُبِ الحَدِيث النبوي !!

وسبب هذه الدراسة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: [ لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ ].([1])

وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ].([2])

وهذا حديث في منتهى الخطورة، إذْ أَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم جعل الْـمُتَقَوِّلَ عليه ما لم يَقُلْهُ في النار، لأنه في الحقيقة كَاذِبٌ على الله، لِأَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، وكلامه وأفعاله وإقراره تشريع للعباد، والكاذِبُ عليه كاذِبٌ على الله في الحقيقة!

قال الإمام ابن حجر الْعَسْقلاني:

[ تَقْوِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ].([3])

فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخطر الأمور، ولِذَا فَإِنَّ صيانةَ كلامه صلى الله عليه وسلم عن الكذب والوضع من أخص العبادات والقربات إلى الله سبحانه وتعالى.

ولهذا قررتُ عملَ دراسةٍ مختصرةٍ حول هذا الكتاب من خلال رُوَاتِهِ، وما قيل في هؤلاء الرواة ، سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو مَن جاء بعدهم، وما قاله بعضُ هؤلاءِ الرواةِ أنفسهم في الأباضية أو في أَسْلَافِهِم من أهل النهروان بشكلٍ عامٍ.

وأَوَدُّ أن أُوَضِّحَ المنهجَ الذي سأعتمده في ملاحظاتي في نقد هذا الكتاب، فسآتي بكلام مَنْ يخالفنا وَأَرُدُّ عليه كما تَعَوَّدْتُ مع قُرَّاء مدونتي وموقعي ومشاهدي قناتي الكرام.

وسأبدأ الكلام عن هذا الموضوع من الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي رحمه الله.

يقول الأباضي بكير بن سعيد أعوشت:

[ يرجع المذهب الأباضي في نشأته وتأسيسه الى جابر بن زيد الذي أرسى قواعده الفقهية وأصوله. فهو إمامٌ مُتَحَدِّثٌ فَقِيهٌ، وتبحَّر بعمق في الفقه، وأمضى بقية حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله على صِلَةٍ بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك. وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال للناس: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله المشرق والمغرب لوسعهم علمه. وقد أصبح أعظم فقيه في البصرة وله أتباع عديدون كعبد الله بن أَبَاض ومرداس بن حدير وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة].([4])

ولهذا حاول الأباضي علي الحجريُّ مُؤَلِّفُ كِتَابِ ” الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات ” أن يُضَعِّفَ كُلَّ الرواياتِ التي تُوَضِّحُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيد رحمه الله أَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ من الأباضية، وأعمل المؤلفُ فيها مِعْوَلَ الهدم الأعمى ضَارِبًا بالقواعد المنهجية العلمية المعروفة عرضَ الحائط !!

فيقول رَادًّا على الدكتور محمد عبد الفتاح عليان:

.

وبعدما عَرَضْنا كَلَامِهِ كاملًا عن الرواية الأولى نبدأ بحول الله في البحث في كلامه وطريقة استدلاله، وَذِكْرِ ما أغفل ذِكْرَهُ عَمْدًا من نفس كتب علماء الجرح والتعديل التي استدلَّ بها !!

والسؤال الآن: هل يدري القارئ الكريم ما الكلام الذي حذفه الأباضي علي من ترجمة همام؟!

أولا: الكلام عن رواية هَمَّام بن يَحْيَى عن قتادة:

لقد ذكر لنا الأستاذُ الحَجَرِيُّ أَقْوَالًا تَذُمُّ هَمَّامَ بن يحيى، لكنَّه لم يَذْكُرْ لنا أَنَّ الرَّدَّ على هذه الأقوال مَوْجُودٌ في نفس الصفحات بين الفراغات التي وَضَعَ الأستاذ الحجري مَكَانَهَا هذه النقاطَ !! وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ !!

وليس هذا فقط، بل إن الأقوالَ التي حَذَفَهَا الحجريُّ هي القولُ الْـمُعْتَمَدُ عند العلماء والأئمة في الْكَلَامِ عن همام بن يحيى الأزدي!! وسنذكر شيئًا من هذه الأقوالَ، ونبين الحقيقة لِقُرَّائِنَا الْكِرَام!

لكن قبل البدء أقول إِنَّ الأستاذ علي الحجري فعل فِعْلَتَهُ هَذِهِ، لِأَنَّهُ يَعْرِف يَقِينًا أنه لَا أَحَدَ مِن الأباضية المساكين من قُرَّائِهِ سَيُرَاجِع خَلْفَه هذه الأقوال!

قال ابنُ حَجَر الْعَسْقَلَانِيُّ:

[ قال عمر بن شبة عن عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هَمَّامًا في كثير مما كان يحيى ينكره ، فَـكَفَّ يحيى بَعْدُ عنه.

[ قال أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون: كان هَمَّام قويًّا في الحديث.

وقال صالح بن أحمد عن أبيه: همام ثَبْتٌ في كُلِّ المشائخ.

وقال الأثرم عن أحمد: كان عبدالرحمن – بن مهدي – يَرْضَاه.

وقال أبو حاتم عن أحمد: سمعتُ ابن مهدي يقول همام عندي في الصدق مثل ابن أبي عروبة.

وقال ابن محرز عن أحمد: همام ثقة، وهو أثبت من أبان العطار في يحيى ابن أبي كثير.

وقال الدوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يروي عن أبان، ولا يروي عن همام، وهمام عندنا أفضل من أبان.

وقال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: ثقة صالح، وهو أَحَبُّ إليَّ في قتادة من حمَّاد بن سلمة.

وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: همام في قتادة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ.

وقال عثمانُ الدارميُّ عن ابن معين مثله، وزاد قلت: همام أحب إليك في قتادة أو أبان؟ قال ما أقربهما، كلاهما ثقتان.

وقال ابنُ المديني لما ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وسعيد أعلمهم به، وشعبة أعلمهم بما سمع عن قتادة مما لم يسمع، قال: ولم يكن همام عندي بدون القوم فيه، ولم يكنْ لِيَحْيَى فيه رأيٌ، وكان ابنُ مهدي حَسَنَ الرأي فيه.

وقال ابن عَمَّـار: كان يحيى بنُ سعيد لا يعبأ بهمام ويقول: ألا تعجبوا من عبدالرحمن يقول: من فاته شعبة يسمع من همام.

وقال عمرو بن علي: كان يَحْيَى بنُ سعيد لا يُحَدِّثُ عن همام، وكان عبدالرحمن يحدث عنه.

قال: وسمعتُ ابراهيم بن عرعرة قال لِيَحْيَى: ثنا عفان ثنا همام، فقال له: اسكت ويحك.

قال عمرو بن علي: الأثبات من أصحاب قتادة: ابن أبي عروبة وهشام وشعبة وهمام.

وقال ابن المبارك: همام ثبت في قتادة.

وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زُرَيْعٍ يقول: هَمَّام حِفْظُهُ رَدِيءٌ، وكتابه صالح.

وقال ابن سعد: كان ثِقَةً، ربما غَلِطَ في الحديث.

وقال ابنُ أبي حاتم: سُئِلَ أبو زرعة عنه فقال: لا بأس به.

قال: وَسُئِلَ أبي عن همام وأبان مَنْ تُقَدِّمُ منهما؟ قال: همام أَحَبُّ إلي ما حَدَّثَ من كِتَابِهِ، وإذا حَدَّثَ من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط.

قال: وسألتُ أبي عن همام فقال: ثِقَةٌ صَدُوق، في حفظه شيءٍ، وهو أحب إليِّ من حماد بن سلمة وأبان العَطَّار في قتادة.

وقال ابنُ عَدِيٍّ: أخبرني إسحاق بن يوسف أظنه عن عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادةً فلم يعدلْهُ هَمَّام، فنقم عليه.

قال ابنُ عَدِيٍّ: وهمام أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى ابن أبي كثير.

قال محمد بن مَحْبُوب: مات سنةَ ثلاثٍ وستين ومائة، وذكره ابن حِبَّان في الثقات وقال: مات سنة أربعٍ وستين. وقال الميموني عن أحمد عن سريج بن النعمان: قَدِمْتُ البَصْرَةَ سَنَةَ أربع أو خمس وستين، فقيل لي: مات همام منذ جمعة أو جمعتين.

قلت: وقال ابن أبي خيثمة: قال عبدالرحمن بن مهدي: ظَلَمَ يحيى بنُ سَعِيدٍ هَمَّامَ بْنَ يحيى، لم يكن له به عِلْمٌ ولا مُجَالَسَةٌ ].([5])

والمستنبَط من هذا الكلام وخلاصته أَنَّ الكلامَ في هَمَّام ليس له علاقة بروايته عن قتادة، بل هو ثِقَةٌ ثَبْتٌ في روايته عن قتادة، كما شَهِدَ بذلك كِبَارُ الْحُفَّاظِ والأئمة !! وهذا هو الكلام الذي يتعلق برواية براءة جابر بن زيد بن الأباضية، حيث أَنَّ الرواية من طريق همام عن قتادة.

فالذي يخصنا الآن في كلام العلماء والأئمة عن همام هو روايته عن قتادة، وهو ثقة ثَبْتٌ فيها كما تقدم !

فلماذا لم ينقل الأستاذ علي الحجري كلام الأئمة والعلماء في رواية همام عن قتادة ؟!

لذلك أقول إن الطريقة التي يتبعها الأباضيُّ عليّ الحجري وغيرُهُ ممن يحاولون تشويه الحقائق وتزوير الوقائع لم تَعُدْ مُجْدِيَةً في هذا الزمان، إِذْ يستطيعُ أيُّ شَخْصٍ أَنْ يحصل بضغطة زِرٍّ على الكتاب الذي ينقل عنه المدلس، ويكتشف بسهولة ما أخفاه الْـمُدَلِّسُ عن الناس !!

فأما إِنْكَارُ يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان عليه، والذي ذكره الأباضيُّ نقلًا عن ميزان الاعتدال للذهبي ؛ فقد ذكر ابنُ حَجَرٍ في نفس الصفحة أَنَّ يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّانَ تَرَاجَعَ عن ذلك!

[ قال عمر بن شبة عن عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على هَمَّام في كثيرٍ من حديثه، فلما قَدِمَ مُعَاذُ نَظَرْنَا في كُتُبِهِ فوجدناه يُوَافِقُ هَمَّامًا في كثيرٍ مما كان يَحْيَى يُنْكِرُهُ، فَكَفَّ يحيى بَعْدُ عَنْهُ ].

إذًا فيحيى بن سعيد القطان يراجع عن كلامه في همام والقدح فيه !

ولقد ذكرتُ تَرَاجُعَ يحيى بن سعيد القَطَّان عن الكلام في همام بن يحيى هنا لسببين:

الأول: أنَّ الأباضيَّ ذَكَرَ ذلك من ميزان الاعتدال لتضعيف الرواية الأولى. وسيأتيك بيانه من كلام الذهبي  !

الثاني: أَنَّ الأباضيَّ الحجري حينما أراد تضعيفَ روايةٍ أخرى في براءة جابر من الأباضية قال:

[ هذه الرواية لا تقوم بها حُجَّةٌ لأحد على الإباضية، وذلك لورودها من طريق همام بن يحيى بن دينار الأزدي الذي ضَعَّفَ حفظَه يحيى القطانُ وغيرُه من علماء الجرح والتعديل ].([6])

وقد قال الذهبي في السير:

[عُمَرُ بنُ شَبَّةَ: حَدَّثَنَا الفَلاَّسُ، قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِحَدِيْثٍ، فَأَنْكَرَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ، وَقَالَ: لَمْ يَصْنَعِ ابْنُ أَبِي عَرُوْبَةَ شَيْئاً. فَقَالَ عَفَّانُ – وَكَانَ حَاضِراً -: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فَسَكَتَ يَحْيَى، فَعَجِبْنَا مَنْ يَحْيَى، حَيْثُ يُحَدِّثُه ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيْدٍ، فَيُنْكِرُهُ، وَحَيْثُ حَدَّثَهُ عَفَّانُ عَنْ هَمَّامٍ، فَسَكَتَ.

قُلْتُ (الذهبي) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَحْيَى تَغَيَّرَ رَأْيُه بِأَخَرَةٍ فِي هَمَّامٍ، أَوْ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى اتِّفَاقَهُمَا عَلَى حَدِيْثٍ اطْمَأَنَّ].([7])

كما أَنَّ الأباضيَّ علي الحجري لم يذكر لِقُرَّائِهِ أَنَّ الإمامينِ العظيمينِ البخاريَّ ومسلمًا قد رَوَيَا لهمام بن يحيى في صحيحهما، ولم يتكلمْ واحدٌ منهما فِيهِ بِشَيءٍ، وكذلك سائِرُ بقية أصحاب الكتب!

وقال الذهبي في تاريخ الإسلام:

[ أَمَّا هَمَّامٌ فَاحْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ بِلا نِزَاعٍ بَيْنَهُمْ ].([8])

قال ابن حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:

[ همام بن يحيى الْبَصْرِيّ: أحد الْأَثْبَات .. وَقد اعْتَمدهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة، وَالله أعلم ].

وفجأةً صار هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ضَعِيفًا عند الأباضية !!

فحينما أراد الأباضيُّ علي الحجري تضعيفَ أبي هلال الراسبيِّ في روايته لبراءة جابر من الأباضية احتج الأباضي بأنَّ البخاري ذكر أبا هلال الراسبيَّ في كتاب الضعفاء ، لكن الأباضي لم يعتدَّ بتوثيق البخاري لهمام بن يحيى لأن توثيق البخاري لهمام يخالف هواه !

وقد ذَكَرَ ابنُ حَجَرٍ قولَ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيِّ في أَنَّ يحيى بنَ سَعِيدٍ القَطَّان ظَلَمَ همامَ بْنَ يحيى في كلامه عنه وتضعيفه له، وَأَنَّ كلامَه فيه لم يَكُنْ عَنْ عِلْمٍ أَو مجالسة، فقال: [ظَلَمَ يحيى بنُ سَعِيدٍ هَمَّامَ بْنَ يحيى، لم يكن له به عِلْمٌ ولا مجالسة ].

يعني نفس الكتاب – تهذيب التهذيب – الذي استدلَّ منه الحجري للطعن في همام بن يحيى ، يحتوي على براءة همام بن يحيى من كلام يحيى بن سعيد القطان، ومع ذلك لَمْ يَسْتَحِ الأباضي علي الحجريُّ أنْ يحذفه أثناء نقله كلامَ ابنِ حَجَر العسقلاني! 

هذا منهج ميكافيللي بجدارة !!

ويكفي المنصفَ قولُ ابن عَدِيٍّ: [ وهمامٌ أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديثٌ مُنْكَرٌ، وأحاديثُهُ مستقيمةٌ عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير ].([9])

وقول ابنُ عَدِيٍّ – بأنَّ أحاديث يَحْيَى مستقيمة عن قتادة – قَاطِعٌ في محل النزاع، وهو تصحيحٌ لِكُلِّ ما رواه هَمَّامُ بْنُ يحيى عن قتادة، ويدخل في ذلك روايتُهُ حول براءة جابر بن زيد من الإباضية !

المضحك أنَّ الأباضيَّ الحَجري تجاهلَ توثيقَ ابنِ معين لهمام بن يحيى ، مع أنه صَرَّحَ في كتابه بأنَّ يحيى بن معين من كِبَار علماء الجرح والتعديل، فقال: [ يحيى بن معين ، وهو من كبار علماء الجرح والتعديل ].([10])

فحينما احْتَاجَ الأباضيُّ لِقَولِ يَحْيَى بن مَعِين وَصَفَهُ بِأَنَّهُ من كِبَار علماء الجرح والتعديل، وحينمـا رأى أَنَّ قول يحيى بن معين لا يوافق هواه ولا يَخْدُمُ هدفه ولا يُسَايِرُ خطته لم يَذْكُرْهُ البتةَ !!

ويبقى هذا السؤالُ يُؤَرِّقُ الأباضية:

لماذا ترك الأباضيُّ عليُّ الحَجَري كلامَ يَحْيَى بنِ معين – مع وَصْفِهِ له بأنه من كِبَار علماء الجرح والتعديل – ، وكلامُ يحيى بن معين كلامٌ واضحٌ وصريح في توثيق روايات همام بن يحيى عن قتادة بن دعامة ؟!

قد ثبت للقارئِ الكريم أن يحيى بن معين وَثَّقَهُ وقال إنه ثقة في مروياته عن قتادة!

وَلِأَنَّ كَلَامَ العلماء المتكلمين في همام معتبرٌ عندنا، فهو محمولٌ على غير روايته عن قتادة ، إذْ وَثَّقُوهُ في روايته عن قتادة بإطلاق. مع اعتبار تَرَاجُعِ مَنْ تَرَاجَعَ عَنْ كلامِهِ فيه كَـ يحيى القطان!

ثم إِنَّ الذي رَوَى هذه الروايةَ عن همام بن يحيى رَجُلَانِ ثِقَتَانِ، وسماع عفان بن مسلم من همام ليس قَدِيمًـا، بل هو من الحديث الذي لا غُبَارَ عليه، فقد نَقَلَ الأباضيُّ ما نقله ابنُ حَجَر:

[ قال الحسن بن علي الحلواني : سمعت عَفَّانَ يقول: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً فنستغفر الله تعالى .. وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أَصَحُّ ممن سَمِعَ منه قديمًـا ]. أهـ

قلت ( أبو عمر) : بما أن عَفَّانَ نقل عن همام تَرَاجُعَهُ عن حديثه القديم، ونَقَلَ لنا عَفَّانُ قولَه هذا، فروايةُ عفان عن همام هي من آخر حديث همام الخالي من الخطأ بعد مراجعة كتابه !

إِذْ لا يتخيل عاقل أن عفان سيخبرنا بأن همام تراجع عن رواياتٍ أخطأ فيها ، ثم يرويها لنا دون بيان ذلك !

ثم يبقى السؤال: هل رواية براءة جابر بن زيد من الأباضية مما أخطأ فيه همام بن يحيى ؟!

أقول: لا، بل تابعه على هذه البراءةِ كثيرٌ من الحُفَّاظِ الثِّقَاتِ، كما سيأتي بيانُهُ إن شاء الله في حلقات قادمة !

لكن سأكرر قول ابن عدي: [ وهمامٌ أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديثٌ مُنْكَرٌ، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يَحيى بن أبي كثير ].([11])

فكما قلتُ سابقًا إِنَّ هذا الكلامَ قاطِعٌ في محلِّ النزاع، فابنُ عَدِيٍّ صَرَّحَ أنه لا يوجد لِهَمَّـام بن يحيى حديثٌ مُنْكَرٌ وَاحِدٌ، وَيُصَرِّحُ أيضا أَنَّ رواياته عن قتادة مستقيمة !!

وهذا يقتضي تصحيحَ كلِّ ما يرويه همامٌ عن قتادة ، ويشمل ذلك روايةَ براءةِ جابرٍ من الأباضية!

ثانيًا: الكلام عن رواية قتادة عن عَزْرَة:

طعن الأباضيُّ علي الحجري في قتادة بن دعامة السدوسي وحاول إسقاط روايته في براءة جابر من الأباضية بأنه مُدَلِّس من الطبقة الثالثة، وقد رَوَى روايتَه عن عَزْرَةَ بالعنعنة !!

وسأضع روايتينِ يرويهما قتادةُ بالعنعنة، وأرجو من الأباضية أنْ يحكموا عليهما بالضعف !

1. [ .. عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ يَقْنُتُ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ الآخِرِ يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَلَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ ].([12])

2. [ .. عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالتَّوْبَةُ مَدَنِيَّاتٌ، وَالرَّعْدُ مَدَنِيَّةٌ إِلاَّ آيَةً وَاحِدَةً .. ].([13])

فهل هاتانِ الروايتانِ ضعيفتانِ عند الأباضية لِأَنَّ قَتَادَةَ لم يُصَرِّحْ فيهما بالسَّمَـاع ؟!

إذا حَكَمَ الأباضيةُ على هاتينِ الروايتينِ بالضَّعْفِ ؛ فَسَأَقْبَلُ منهم مؤقتًا تضعيفَهم لرواية قتادة في براءة جابر بن زيد من الأباضية ، وإذا صَحَّحَ الأباضيةُ هاتينِ الروايتينِ؛ فما وَجْهُ تَضْعِيفِهِم لرواية براءة جابر بن زيد من الأباضية بعنعنة قتادة ؟!

لن يجرؤ الأباضية أن يضعفوا هاتين الروايتينِ !!

فهاتانِ الروايتانِ نقلتُهُمَـا من كتاب مُسْنَدِ الربيع بن حبيب الذي تقدِّسُهُ الأباضية، وتعتبره أَصَحَّ من صحيحي البخاري ومسلم، ويحكمون بصحة جميع ما جاء فيه من مروايات !!!!

جاء في مقدمة هذا الكتاب قولُ شيخِهِمْ عبد الله بن حميد السالمي:

[ اعلمْ أن هذا المسند الشريف أصحُّ كُتُبِ الحديث روايةً وأعلاها سَنَدًا، وجميعُ رجالِهِ مشهورون بالعِلْم وَالوَرَع والضَّبْطِ والأمانة وَالْعَدَالَة والصِّيَانَة، كلهم أئمةٌ في الدين وقادةٌ للمهتدين، هذا حكم المتصل من أخباره، وأما المنقطع بإرسال أو بلاغ في حكم الصحيح لتثبُّتِ راويه ].([14])

فإذا كان قتادةُ ثِقَةً عند الأباضية ؛ فروايته في براءة جابر بن زيد من الأباضية رواية صحيحة.

وإذا كان قتادةُ عندهم مُدَلِّسًا فليحذفوا رواياته من مسندهم وليحكموا بخطأ شيخهم عبد الله السالمي!

وأمَّا رواية قتادةَ عن عَزْرَةَ عندنا فصحيحة، ولقد روى مسلمٌ لِقَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ في مَوْضِعَينِ:

قال الإمامُ مسلم: [ وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: «فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ].([15])

قال الإمامُ مسلم: [ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ }. [السجدة: 21] قَالَ: «مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، أَوِ الدُّخَانُ» شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ أَوِ الدُّخَانِ ].([16])

والخُلاصة أَنَّ الأستاذ علي الحجري أرادَ تضعيفَ كُلِّ رواياتِ براءةِ جابر بن زيد من الأباضية فقط لأنه أَبَاضِيٌّ، ولأن براءة جابر بن زيد من الأباضية تنسف مذهبهم البدعي نَسْفًا وتهدمه من أَسَاسِهِ، – إذْ أنهم يزعمون أن جابر رحمه الله هو الذي أسس هذا المنهج الغريب -، وليس سبب تضعيفه لهذه الروايات أن عِلْمَ الحديث الشريف يُقِرُّهُ أو يساعده في ذلك كما تبين للقارئ الكريم !!

وأيضًا نقول للأباضية: أعطونا عالِـمًـا من علماء الحديث أعلَّ روايةً لأنها من رواية همام بن يحيى بن دينار البصري عن قتادة !

ثم إن هذه الرواية لَيْسَتْ حَدِيثًا نبويًا لِيَتَعَنَّتَ الأستاذ الحجري فيها بهذه الطريقة الغريبة !

مع تسليمه بِصِحَّةِ مُسْنَدِ الربيع بن حبيب المجهول عند جميع علماء الجرح والتعديل الذين يستدل الحجري بكلامهم، وَكذلك جَهَالَةِ شيخِهِ مسلم بن أبي كريمة، أو تضعيف العلماء له !

فانظرْ أخي القارئ الكريم كيف يتساهَلُ الأباضيةُ في تصديق رواياتٍ منسوبةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في مسند الربيع – مع ضعفها وإرسالها وجهالة رواتها -، وكيف يتعنتون ويدلسون ويبترون كلام العلماء ليرفضوا كلامًا مَقْطُوعًا بثبوته عن رَجُلٍ من التابعين !!

مع أَنَّ العكس هو الصحيح، فالتَّسَاهُل قد يكون في كلامٍ مَنْسُوبٍ لأحد التابعين لِأَنَّ كلامه ليس تَشْرِيعًا، ويكون التشددُ والتدقيق في الكلام المنسوب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم !!

الغريب والعجيب أَنَّ الأستاذ علي الحجري كان يقول في مقدمة كتابه:

[فلابد للجميع أن يحتكموا إلى الحَقِّ الذي يعترف بِسُلْطَانِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ في إِثْبَاتِ ما هو ثَابِتٌ بالدليلِ القاطعِ، وإبطالِ ما هو باطلٌ بالحجة الواضحة البينة ].([17])

قلت: ما صدقتم ولا بررتم !

وإمعانًا في إفحام الأباضي علي الحجري أقول:

قال الإمام ابن أبي حاتم:

[وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أبو داود الطَّيَالسي، عَن هَمَّام ، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَن الشَّعْبي؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي أسامةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّهُ أفاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فلم تَرفَعْ راحِلَتُه يَدًا غَادِيَةً ، حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَة؟. وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ هَمَّام، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني ، عَنِ الفَضْل بْنِ عباس: أنه كان رَديفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المُزدَلِفَة، ولم تَرْفَعْ راحِلَتُه يَدً غادِيَةً، حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ؟

قَالَ أَبِي: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ خطأٌ؛ الشَّعْبيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أُسَامَةَ شَيْئًا فِيمَا أَعْلَمُ ].([18])

وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ هَمَّام، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَنِ الشَّعبي؛ أنَّ الفَضْلَ بْنَ عباس حدَّثه، وأن أسامةَ بْنَ زَيْدٍ حدَّثه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ. هَلْ سَمِعَ الشَّعْبيُّ مِنْهُمَا ؟ فَقَالَ: لا يُحْتَمَلُ، ويَنْبَغي أَنْ يكونَ بينهُما رجلٌ آخَرُ، ولكنْ كَذَا حدَّث بِهِ هَمَّام، فَلا أَدْرِي مَا هَذَا الأَمْرُ؟! ].([19])

فهنا نرى الإمامَ الكبيَر أبا حاتم يُخَطِّئُ الروايتينِ وَيُعِلُّ الأولى بعدم سماع الشعبي من أسامة، فمن باب أولى ألا تكون الثانية صحيحة لأن الحسنَ الْعُرَنِيَّ لم يسمع من عبد الله بن عباس، فكيف يكون قد سمع من أخيه الفضل بن عباس، وهو الذي مات قبل ابن عباس بعشرات السنين!

والشاهد من هذا أَنَّ الإمام أبا حاتم الرازيَّ لم يجرؤ على إِعْلَالِ الرواية بسبب هَمَّام أو قتادة !!

لكنَّ صاحبَنا الأباضيَّ تَجَرَّأَ على فعلها هكذا بمنتهى الْبَسَاطَةِ، بلا ضَابِطٍ ولا رَابِطٍ، منتهكًا القواعد العلمية المنهجية بهذا الشكل الصارخ !!!!

وأنا – عن نفسي – لا أعرف أَحَدًا من الأئمة أَعَلَّ روايةً أتت من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن عزرة على الإطلاق !

فإنَ رواياتِ هَمَّامِ بنِ يحيى عن قتادة، أو روايات قتادة عن عَزْرَةَ موجودةٌ في الصحيحينِ!!

ولم يتكلمْ فيها أَحَدٌ حسبما علمتُ وقرأتُ وبحثتُ ! وإليك شيئًا من هذا:

أولا: رواية همام عن قتادة رواية صحيحة معتبرة بلا خلاف عند العلماء.

1. قال الإمام البخاري: [ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟!، كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ ].([20])

2. قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ].([21])

ثانيًا: رواية قتادة عن عَزْرَةَ روايةٌ صحيحة معتبرة بِلَا خِلَاف عِنْدَ العلماء.

1. قال الإمام مسلم:

[ وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: «فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ» ].([22])

2. قال الإمام الترمذي:

[ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلاَّسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ. حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ].([23])

فهل يجوز أن يقال: [ الرواية لا تقوم بها حُجَّةٌ، وذلك بسبب همام بن يحيى وقتادة بن دعامة ] ؟!!

قلتُ: ما فعله الأستاذ الأباضي علي الحجري عبارة عن جناية شرعية وسوأة فكرية وخيانة علمية وجريمة أخلاقية في حق الدِّينِ وَالْعِلْم والتَّارِيخ أَوَّلًا، ثُمَّ في حَقِّ جابر بن زيد ثانيًا، ثم في حق قُرَّائِهِ مِنَ الْأَبَاضِيَّةِ المساكين المخدوعين ثَالِثًا !!

فالله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل !

وبناءً على ما سبق أقول إن الرواية الأولى في براءة جابر بن زيد من الأباضية روايةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ، لا يطعن فيها عاقِلٌ فَضْلًا عن عَالِمٍ، فإِنَّ الطَّعْنَ في الرواياتِ الصحيحة بمثل ما فَعَلَه هذا الأباضيُّ من بَتْرِ النصوص وإخفائها ليس من فِعْلِ أهل العِلْم والفَضْلِ والتحقيق والشرف !

………………

فإلى دَيَّانِ يَومِ الدِّينِ نَمْضِي ** وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُوم

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

صباح الخميس ، الثالث من ربيع الآخر لعام 1439 هجري

الموافق 21 من ديسمبر لعام 1017 ميلادي

مراجع البحث:

([1]) صحيح البخاري – حديث رقم 106.

([2]) صحيح البخاري – حديث رقم 109.

([3]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج1 ص350، ط دار طيبة – الرياض.

([4]) دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص18، ط مكتبة الضامري – السيب – سلطنة عمان.

([5]) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ج6 ص666 ، 669، ط وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة – السعودية.

([6]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات لعليّ الحجري ص55، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([7]) سير أعلام النبلاء للذهبي ج7 ص299، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([8]) تاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص533، ط دار الغرب الإسلامي- بيروت.

([9]) الكامل في ضعفاء الرجال ج8 ص447، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([10]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ الحجري ص55، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([11]) الكامل في ضعفاء الرجال ج8 ص447، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([12]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص355 حديث رقم 909، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان. وهو كتاب منحول مختلق !

([13]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص28 حديث رقم 17، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان.

([14]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص3 ، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان.

([15]) صحيح مسلم – حديث رقم: 7 – (1493).

([16]) صحيح مسلم – حديث رقم: 42 – (2799).

([17]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ الحجري ص19، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([18]) العلل لابن أبي حاتم ج3 ص230 ، ط مطابع الحميضي – الرياض.

([19]) العلل لابن أبي حاتم ج3 ص197 ، ط مطابع الحميضي- الرياض.

([20]) صحيح البخاري – حديث رقم: 321.

([21]) صحيح مسلم – حديث رقم: 93 – (1116).

([22]) صحيح مسلم – حديث رقم: (1493).

([23]) سنن الترمذي ج1 ص210، حديث رقم: 144.

%d مدونون معجبون بهذه: