أرشيف المدونة

فرية قتل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وتعذيبه

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى والشيعة الروافض حول الرسول الكريم

صلى الله عليه وسلم

فرية قتل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات النصارى حول رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالوا كيف تقولون عن نبيكم أنه رسولُ الرحمة وكتب التاريخ عندكم تقول أنه عذّب كنانةَ بنَ الربيع بن أبي الحقيق ثم قتله ؟!!

واستدلوا بما رواه الإمام الطبري في تاريخه قال:

{ حَدَّثَنَا ابْنُ حميد ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وَأُتِيَ رَسُولُ الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ – وَكَانَ عِنْدَهُ كَنْزُ بَنِي النَّضِيرِ – فَسَأَلَهُ فَجَحَدَ أَنْ يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ برجل من يهود، فقال لرسول الله: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ كِنَانَةَ يُطِيفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلَّ غَدَاةٍ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِكِنَانَةَ: أَرَأَيْتَ إِنْ وجدناه عندك ، أأقتلك؟ قال: نعم ، فأمر رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ بِالْخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ، فَأُخْرِجَ مِنْهَا بَعْضُ كَنْزِهِمْ، ثُمَّ سَأَلَهُ مَا بَقِيَ، فَأَبَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ، فَأَمَرَ به رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَقَالَ: عَذِّبْهُ حَتَّى تَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُ، فَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدِهِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَحَاصَرَ رَسُولُ الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنَيْهِمُ، الْوَطِيحَ وَالسَّلالِمَ، حَتَّى إِذَا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ لَهُمْ دِمَاءَهُمْ، فَفَعَلَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ حَازَ الأَمْوَالَ كُلَّهَا: الشِّقَّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ إِلا مَا كَانَ مِنْ ذَيْنِكَ الْحِصْنَيْنِ }.(1)

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولا: الرواية غير صحيحة:

هذه الرواية لا تصح ولا تقوم بها الحُجة لأن في سندها راوياً متروكَ الحديثِ وهو محمد بن حميد الرازي و أيضا في سندها انقطاع.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم إلا حديثاً حتى تنطبق عليه شروط قبول الرواية بقسميه الصحيح والحسن, ويجب أن تنطبق على الصحيح خمسة شروط وهي:

1- اتصال السند.

2- عدالة الرواة.

3- ضبط الرواة.

4- انتفاء الشذوذ.

5- انتفاء العلة.

قال  الإمام أبو عمرو بن الصلاح:

{ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الّذِي يَتّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلّلاً }.(2)

ولو نظرنا في هذا السند الذي رُويت من خلاله هذه الرواية لوجدناه مخالفا للشرطين الأول والثاني وهما:

1- اتصال السند.

2- عدالة الرواة.

فأما اتصال السند فغير متوفر لوجود الانقطاع بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين محمد بن إسحاق.

وكذلك عدالة الرواة أيضا غير متوفرة في محمد بن حميد الرازي لأنه مُتّهَمٌ بالكذب.

وعليه فالرواية غير صحيحة ولا يُحتج بها علينا.

1- فأما محمد بن حميد الرازي:

فقال عنه الإمام الذهبي في السير:

· وَهُوَ مَعَ إِمَامَتِهِ مُنْكَرُ الحَدِيْثِ ، صَاحِبُ عَجَائِبَ.(3)

· وَأَمَّا البُخَارِيُّ ، فَقَالَ: فِي حَدِيْثِهِ نَظَرٌ.

وقد يَحتج أحدُهم علينا ويقول أن الإمام أحمد بن حنبل أثنى على محمد بن حميد الرازي !

أقول ذكر الإمام الذهبي رداً لطيفاً على هذه المسألة فقال:

{ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُوْرِيُّ: قُلْتُ لاِبْنِ خُزَيْمَةَ:

لَوْ حَدَّثَ الأُسْتَاذُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ حُمَيْدٍ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ قَدْ أَحسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ.

قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ ، وَلَوْ عَرَفَه كَمَا عَرَفْنَاهُ ، لَمَا أَثْنَى عَلَيْهِ أَصْلاً. أهـ

وأقول أن أعلمَ الناسِ بالرجل هم أهل بلده ، ولقد قال أهل بلده عنه أنه كذاب }.(4)

قال الإمام ابن حبان:

{ قال أبو زُرعة الرازي ومحمد بن مسلم ابن وَارَة: صح عندنا أنه يكذب }.(5)

2- أما ابن إسحاق:

فأما ابن اسحاق فلم يدركِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وحديثه عنه مُعْضَل.

و الحديث المعضل أشدُّ ضعفاً من المرسل.!

والحديث المعضل هو ما سقط من إسناده راويان على التوالي.

فابن إسحاق تُوفي سنة 150 من الهجرة وكان مولده سنة 80 من الهجرة

وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تُوفيَ في السنة الحادية عشرة من الهجرة

وهذا يعني أن هنا انقطاعاً ما يقرب من 70 سنة بين وفان النبي صلى الله عليه وسلم وبين ولادة محمد بن إسحاق.!

والانقطاع في السند عِلَّة تمنعنا من قبول الرواية .

ثانيا: محقق الكتاب حَكَمَ على الرواية بالضعف:

أقول أن الرجوع في كل علم من العلوم وكل فن من الفنون إلى علمائه وجهابذته .

وإذا عُدنا إليهم للحكم على هذه الرواية نجدهم يحكمون عليها بالضعف.

قال الشيخ محمد صبحي حسن حلاق:

{ إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ، وقد ذكره ابنُ إسحاق بلاغاً }.(6)

إسناد آخر للرواية:

قال الإمام ابن سعد في الطبقات:

أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَاضِي الْكُوفَةِ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا ظَهْرَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم عَلَى خَيْبَرَ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ لَيْسَ لَهُمْ بَيْضَاءُ وَلَا صَفْرَاءُ، فَأُتِيَ بِكِنَانَةِ وَالرَّبِيعِ، وَكَانَ كِنَانَةُ زَوْجَ صَفِيَّةَ، وَالرَّبِيعُ أَخُوهُ وَابْنُ عَمِّهِ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «أَيْنَ آنِيَتُكُمَا الَّتِي كُنْتُمَا تُعِيرَانِهَا أَهْلَ مَكَّةَ؟» قَالا: هَرَبْنَا فَلَمْ تَزَلْ تَضَعُنَا أَرْضٌ وَتَرْفَعُنَا أُخْرَى، فَذَهَبْنَا فَأَنْفَقْنَا كُلَّ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُمَا: «إِنَّكُمَا إِنْ كَتَمْتُمَانِي شَيْئًا فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ اسْتَحْلَلْتُ بِهِ دِمَاءَكُمَا، وَذَرَارِيَّكُمَا» ، فَقَالا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَى قَرَاحِ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ ائْتِ النَّخْلَ فَانْظُرْ نَخْلَةً عَنْ يَمِينِكَ أَوْ عَنْ يَسَارِكَ فَانْظُرْ نَخْلَةً مَرْفُوعَةً فَأْتِنِي بِمَا فِيهَا» . قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُ بِالْآنِيَةِ وَالْأَمْوَالِ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا وَسَبَى أَهْلَيْهِمَا وَأَرْسَلَ رَجُلًا فَجَاءَ بِصَفِيَّةَ فَمَرَّ بِهَا عَلَى مَصْرَعِهِمَا ، فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لِمَ فَعَلْتَ؟» فَقَالَ: أَحْبَبْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَغِيظَهَا. قَالَ: فَدَفَعَهَا إِلَى بِلالٍ وَإِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ “.(7)

وهذا إسناد ضعيف لضعف مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيِّ.

قال عنه الإمام ابن حجر العسقلاني:

{ صدوق سيء الحفظ جدا }.(8)

ثالثا: الرواية تخالف صحيح السُنة:

هذه الرواية تخالف الصحيح من سيرة وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو الذي نهى نهيا شديدا عن التعذيب والمُثْلَة.

روى الإمام مسلم في صحيحه:

{ بُرَيْدَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ « اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَ لاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا» }. (9)

ورى الإمام أحمد في مسنده:

{ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: « مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً، إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ» }.(10)

روى الإمام أبو داود في سننه:

{ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ

« إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِى عَلَيْهِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ» }. (11)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

{ فَأَمَّا التَّمْثِيلُ فِي الْقَتْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ وَقَدْ {قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً إلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ، حَتَّى الْكُفَّارُ إذَا قَتَلْنَاهُمْ فَإِنَّا لَا نُمَثِّلُ بِهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ وَلَا نَجْدَعُ آذَانَهُمْ وَأُنُوفَهُمْ وَلَا نَبْقُرُ بُطُونَهُمْ إلَّا أنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ بِنَا فَنَفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا } . وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ }.(12)

فلو خالف الرسول صلى الله عليه وسلم ما يأمر الناس به لأنكروا عليه وخالفوه.

بل لأنكر عليه المشركون أنفسهم فعله هذا وهم الذين كانوا يصفونه دائما بأنه كان رحيما رفيقا. (13)

رابعا: قتل كنانة بن الربيع كان قِصاصاً:

أقول أيضا على فرض صحة الرواية فالرواية تقول أن قتل كنانة بن الربيع كان قِصاصاً لأنه قتل محمود بن مسلمة فقُتل به .

وهكذا يتبين لنا كذب هذه الفرية بالحُجة والدليل والبرهان.

مراجع البحـث:

 (1) تاريخ الرسل والملوك للإمام الطبري ج3 ص14 ، ط دار المعارف – القاهرة ، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.

 (2) علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11 ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان ودار الفكر – سوريا ، ت: نور الدين عتر.

 (3) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج11 ص503 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: شعيب الأرناؤوط.

 (4) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج11 ص504 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: شعيب الأرناؤوط .

 (5) المجروحين للإمام ابن حبان ج2 ص321 ، ط دار الصميعي الرياض ، ت: حمدي عبد المجيد السلفي.

 (6) ضعيف تاريخ الطبري د/محمد صبحي حسن حلاق ج7 ص186 ، ط دار بن كثير – دمشق – بيروت.

 (7) الطبقات الكبرى للإمام بن سعد ج2 ص106 ، ط مكتبة الخانجي – القاهرة، ت: د/ علي محمد عمر.

 (8) تقريب التهذيب للإمام بن حجر العسقلاني ، ص427 ، ط الرسالة – بيروت، ت: عادل مرشد.

 (9) صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج ص828 ح3/1731 ، ط دار طيبة – الرياض، ت: نظر محمد الفَاريابي.

(10) مسند أحمد للإمام أحمد بن حنبل ج33 ص91 ، ط مؤسسة الرسالة – بيروت ، ت: شعيب الأرناؤوط.

(11) سنن أبي داود للإمام أبي داود السجستاني ج7 ص185 ، ط دار الرسالة العالمية، ت: شعيب الأرناؤوط.

(12) مجموع فتاوى شيخ الإسلام بن تيمية ج28 ص314، ط خادم الحرمين الشريفين، ت: عبد الرحمن محمد قاسم.

(13) صحيح البُخاري للإمام محمد بن إسماعيل البُخاري ص159 ح631 ، ط دار بن كثير – بيروت .

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

قول ابن عمر لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى والشيعة الروافض حول القرآن الكريم

معنى قول ابن عمر ” لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله ، قد ذهب منه قرآن كثير”

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

وبعد:

هذه سلسلة الرد على شبهات النصارى والشيعة الروافض حول القرآن الكريم.

قالوا أن القرآن الكريم قد ذهب منه الكثير !!

واستدلوا بما رواه أبو عبيد قَالَ:

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: “ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلَّهُ؟ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهْرَ مِنْهُ.(1)

وكان محل استدلالهم بقول ابن عمر : ” قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ “.

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولا: الرواية صحيحة :

هذه الرواية صحيحة لا إشكال مطلقا فيها سنداً ولا متناً.

فأما السند فصحيح متصل بين سعيد بن منصور وبين بن عمر رضي الله عنهما.

وأما المتن فلا غبار عليه.

ثانيا: الرواية ذكرها أبو عبيد تحت باب:

{بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ}

إذا هناك آيات نزلت على المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم رُفعت ونسخها الله سبحانه وتعالى ومن هذه الآيات باتفاق كل المسلمين بلا مخالف هذا الحديث يدخل تحت هذا النسخ.

وأكرر أنه لا يوجد مخالف في هذه المسألة.

إذًا الإمام أبو عبيد وضع هذه الرواية تحت هذا الباب:

{بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ}

فلا ينبغي أن يخرج علينا جاهل متعالِم ويدّعي ضياع شيء من القرآن الكريم مستدلاً بهذه الرواية.

وإليك باقي كلام العلماء الذي يوافق أبا عبيد في هذه المسألة.

فالإمام ابن حجر العسقلاني يقول:

وَقَدْ أخرج ابنُ الضريس من حَدِيث ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَيَقُولُ إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.(2)

فيقول السيوطي في الإتقان:

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ .. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ.(3)

ثم ذكر السيوطي هذه الرواية مباشرة!

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ.

وقال العلامة الألوسي:

[ أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنًا كما هو موجود بين الدفتين اليوم ، نعم أسقط الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوتُه .. وعليه يُحْمَل ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال ” لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كله ؟! قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقلْ: قد أخذت منه ما ظهر ، والروايات في هذا الباب أكثر من أن تُحْصَى إلا أنها محمولة على ما ذكرناه ].(4)

وقال محقق سنن سعيد بن منصوروهو يبيّن ويوضح المقصود من الرواية
رغم أنها واضحة لكل عاقل فقال ما مختصره:

(أخذت القرآن كله) أي: كل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مما نسخت تلاوته وما استقر متلوّاً ، (ذهب منه قرآن كثير) أي: سقط منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أسقط في الجمعين المجمع عليهما بعده لعدم استيفائه شروط ثبوت قرآنيته حسب العرضة الأخيرة وشروطا أخرى غيرها.(5)

 

ثالثا: النبي لم يترك إلا القرآنَ الموجود بين أيدينا فقط:

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يترك بعد وفاته إلا ما بين الدَّفَّتَيْنِ، أي ما بَيْنَ الجِلْدَتَيْنِ.

وهذا ما رواه البخاري عن أحد الصحابة وأحد التابعين رضي الله عنهم.

روى البخاري في صحيحه: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ:

دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ؟

قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.

قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ:

فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.(6)

قال ابن حجر العسقلاني:

[ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ ].(7)

قال بدر الدين العيني:

وَقد ترْجم لهَذَا الْبَاب للرَّدّ على الروافض الَّذين ادّعوا أَن كثيرا من الْقُرْآن ذهب لذهاب حَملته وَأَن التَّنْصِيص على إِمَامَة عَليّ بن أبي طَالب واستحقاقه الْخلَافَة عِنْد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ثَابتا فِي الْقُرْآن ، وَأَن الصَّحَابَة كتموه ، وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة وحاشا الصَّحَابَة عَن ذَلِك. قَوْله: (إلاَّ مَا بَين الدفتين) أَي: الْقُرْآن.(8)

رابعا: القرآن يستحيل أن يضيع منه شيء لأن الله تعالى وعد بحفظه

وقد وعد الله أمة الإسلام أنه سيحفظ هذا الكتاب الكريم فلا يضيع منه شيءٌ أبدًا.

{..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.(9)

فكتاب ربنا تبارك وتعالى باقٍ كما هو ، لم يـُحرّف ولم يُبدّل تحقيقًا وتصديقًا لموعود الله تبارك وتعالى بحفظه . 

خامسا: ابن عمر يعتقد استحالة تغيير حرف من القرآن الكريم: 

وبعد بحثٍ سريعٍ وجدتُ أن هذا المعنى قد رواه اثنان من أئمة التابعين عن ابن عمر رضي الله عنهما, نافع مولى ابن عمر وخالد بن سُمَيْر، والسندان إليهما صحيحان.

فقد روى ابن سعد في طبقاته الكبرى عن الأَسْوَدِ بنِ شَيْبَانَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ سُمَيْرٍ، قَالَ:
خَطَبَ الحَجَّاجُ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَرَّفَ كِتَابَ اللهِ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَبْتَ كَذَبْتَ، مَا يَستَطِيعُ ذَلِكَ وَلاَ أَنْتَ مَعَهُ.
قَالَ: اسْكُتْ، فَقَدْ خَرِفْتَ، وَذَهَبَ عَقلُكَ، يُوشِكُ شَيْخٌ أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، فَيَخِرَّ قَدِ انتفَخَتْ خِصْيَتَاهُ، يَطُوفُ بِهِ صِبيَانُ البَقِيْعِ ]. الطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص139 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

وروى الطبري في تفسيره بسنده عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: ” أَطَالَ الْحَجَّاجُ الْخُطْبَةَ، فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ فَقَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: لَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ ذَاكَ وَلَا ابْنَ الزُّبَيْرِ {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64] فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا أَنْ تَفْعَلَ. قَالَ أَيُّوبُ: فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ سَكَتَ “. تفسير الطبري ج12 ص226 ، ط دار هجر – الجيزة.

وهذا يدل على أن ابن عمر رضي الله عنهما يعتقد أنه لا يستطيع أَحَدٌ كَائِنًا مَنْ كَانَ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فليس كتابُنا ككتاب غيرنا من اليهود والنصارى.

يقول رياض يوسف داود:

[ كان الكِتَابُ يُنسخ نَسْخَ اليَدِ في بداية العَصْرِ الْمَسِيحِيِّ، وَكَانُوا يَنْسَخُونَ بِأَدَوَاتَ كِتَابَةٍ بِدَائِيَّةٍ عَنْ نُسَخٍ مَنْسُوخَةٍ ، وَلَقَدْ أَدْخَلَ النُسّاخُ الْكَثِيرَ من التبديل والتعديل على النصوص، وتراكم بعضُه على بعضه الآخر ، فكان النص الذي وصل آخر الأمر مثقلًا بألوان التبديل التي ظهرت في عدد كبير من القراءات ، فما إن يصدر كتاب جديد حتى تنشر له نُسْخَاتٌ مشحونة بالأغلاط ].(10)

فهل من كان هذا حال كتابه يتطاول بلا دليل ولا بينة ولا برهان على أشرف الكتب وأحكمها وأضبطها ؟!

مراجع البحـث:

(1)  فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ص320 ، ط دار بن كثير دمشق بيروت.

(2)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص253 ، ط دار طيبة ، ت: محمد نظر الفاريابي.

(3)  الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454، ط مجمع الملك فهد – السعودية، ت: مركز الدراسات القرآنية.

(4)  تفسير روح المعاني للإمام الألوسي ج1 ص25 ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.

(5)  سنن سعيد بن منصور ج2 ص433 ط دار الصميعي – الرياض ، ت: الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد.

(6)  صحيح البخاري ص1282 ح5019 ، ط دار بن كثير – بيروت .

(7)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص251 ، ط دار طيبة – القاهرة ، ت: محمد نظر الفَاريابي .

(8)  عمدة القاري للإمام بدر الدين العيني ج20 ص52 ، ط دار الكتب العلمية ، ت: عبد الله محمود محمد.

(9)  القرآن الكريم ،سورة فصلت ، الآيتان (41،42) .

(10) مدخل إلى النقد الكتابي للمهندس رياض يوسف داود ص23 ط دار المشرق – بيروت.

الرد مصورا على هذه الفرية

تم بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله ولوالديه

%d مدونون معجبون بهذه: