أرشيف المدونة

براءة جابر بن زيد من الأباضية – حلقة (2)

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

مسند الربيع بن حبيب في ميزان البحث العلمي

براءة جابر بن زيد من الأباضية – حلقة (2)!

الحمد لله والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَنْ وَالَاهُ، وبعد:

 فهذا هو الجزء الثاني من دِرَاسَةٍ كتبتُها من واقِعِ ملاحظاتي وقراءتي في مُسْنَدِ الربيع بن الحبيب الفراهيدي الذي تعتبره الإباضيةُ أَهَمَّ كُتُبِ الحَدِيث النبوي!!

وسبب هذه الدراسة أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ قال: [لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ].([1])

وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ].([2])

وهذا حديث في منتهى الخطورة، إذْ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جعل الْـمُتَقَوِّلَ عليه ما لم يَقُلْهُ في النار، لأنه في الحقيقة كَاذِبٌ على الله، لِأَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلِّغُ عن الله، وكلامُه وأفعالُه وإقرارُه تشريع للعباد، والكاذِبُ عليه كاذِبٌ على الله في الحقيقة!

قال الحافظ ابن حجر الْعَسْقلاني:

[ تَقْوِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ].([3])

فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخطر الأمور، ولهذا فإنَّ صيانةَ كلامِهِ صلى الله عليه وسلم عن الكذب والوضع من أخص العِبَادَاتِ وأفضل القربات إلى الله سبحانه.

وَبِنَاءً على ما سبق قررتُ عملَ دراسةٍ مختصرةٍ حول هذا الكتاب من خلال رُوَاتِهِ، وما قيل في هؤلاء الرواة سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو مَن جاء بعدهم، وما قاله بعضُ هؤلاءِ الرواةِ أنفسهم في الأباضية أو في أَسْلَافِهِم من أهل النهروان بشكلٍ عامٍ.

ذكرت في الحلقة الأولى أَنَّ مُؤَلِّفَ كِتَابِ ” الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات ” حاول تضعيفَ الرواياتِ التي تؤكِّد براءة الإمام جَابِرَ بْنَ زَيد من الأباضية، ضَارِبًا بالقواعد المنهجية العلمية المعروفة عرضَ الحائط!!

فيقول:

فيس ص52

.

فقام الأباضيُّ بإنكار الرواية ورآها غيرَ صالحةٍ للدلالة بسبب عارم بن الفضل ولأنَّ جابرًا لم يذكر الأباضيةَ فيها!!

فهل يعرف الأباضيُّ قومًا نُسِبَتْ البراءةُ لجابر بن زيد منهم إِلَّا الأباضية؟!

سبحان الله!!

ويبدو أنَّ الأباضيَّ لم يقرأ الروايةَ جيدًا قبل أن ينكرها!

فالكلام ليس على لِسان جابر بن زيد رحمه الله أَصْلًا، وإنما هذا وصفُ التابعي الجليل الإمام محمدِ بنِ سيرينَ لجابر رحمهما الله!

فالمتكلم في هذه الرواية هو الإمام محمد بن سيرين، يقول وَاصِفًا حالَ جابر إِنَّه كان بريئًا مما يقولون.

وهذا يوضح أَنَّ الأباضية زعمت نسبتها إلى جابر بن زيد في زمان التابعين، فَأَسْرَع جابر بتبرئة نفسه من نسبتهم إليه – كما في الرواية الأولى – ، وقام الذين يعرفون جابر بن زيد كمحمد بن سيرين وغيره بنفي هذه الفرية عنه كما في هذه الرواية وغيرها ! 

ثم إن براءة جابر من الأباضية ثابتةٌ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ صحيحٍ منه كما تقدم في البحث الأول، فما وجه إنكار هذه الرواية على عارِم وكأنَّها مما اختلط فيه عارم؟!

بل الصحيح أن هذه الرواية مما لم يختلط فيه عارم!

والمدهش أن الأباضي علي الحجري نقل لنا كلامَ ابنِ حِبَّان عن عَارِم، ولم ينقل لنا – كعادته – إنكار العلماء على ابن حبان في كلامه عن عارم بن الفضل السدوسي!!

وسنرتب الكلامَ في هذا الموضوع إلى عِدَّةِ نِقَاط:

أولا:

هذه الرواية مما حَدَّثَ به عارِمٌ قبل اختلاطه، لأنَّ عَارِمَ بن الفضل لم يُحَدِّثْ بعد اختلاطِهِ إلا حديثا واحدًا، وسيأتي ذكره بعد قليل.

قال الذهبيُّ:

[ محمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي الحافظ عارم .. تَغَيَّرَ قَبْل موته فمـا حَدَّثَ ].([4])

فإذا كان عارِمُ بن الْفَضْلِ لم يُحَدِّثْ بعد اختلاطِهِ فاحْتجاجُ الأباضيِّ باختلاطِ عارِم على ضَعْفِ الرواية ورفضِها ليس له مَحلٌّ من الإعراب هاهنا، لأن الرواية كانت قبل اختلاطه!

ثانيا:

عَارِم لم يظهرْ له حديثٌ واحدٌ منكرٌ بعد اختلاطِهِ، لأنه تَوَقَّفَ عن التحديث كما بَيَّنَّا!

قال الإمامُ الذهبيُّ:

[وقال الدارقطني: تغير بِأَخَرَةٍ، وما ظهر له بعد اختلاطِهِ حَدِيثٌ مُنْكَر ، وهو ثِقَةٌ ! ].([5])

ثم وَبَّخَ الذهبيُّ ابنَ حِبَّانَ توبيخًا شديدًا على قوله في عارم، فقال بعد ذِكْرِ كلامِ الدارقطني:

[ فهذا قولُ حافِظِ العَصْرِ (الدارقطني) الذي لم يَأْتِ بعد النَّسَائِيِّ مثلُه ، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخَسَّافِ المتهور في عارم ، فقال: اختلط في آخر عُمُرِهِ وَتَغَيَّرَ حَتَّى كَانَ لا يَدْرِي ما يُحَدِّثُ بِهِ، فوقع في حديثه المناكيرُ الكثيرة ، فيجب التَّنَكُّبُ عن حديثه فيما رَوَاهُ المتأخرون، فإذا لم يُعْلَمْ هذا مِنْ هَذَا تُرِكَ الْكُلُّ، ولا يُحْتَجُّ بِشَيءٍ منها !

 قال الذهبيُّ:

[ ولم يقدِر ابنُ حِبَّانَ أن يسوقَ له حديثًا منكرًا،  فأين ما زَعَمَ ؟! ].([6])

قلت (أبو عمر) :  

قال الذَّهَبِيُّ في السير: [بَلَى، لَهُ عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيْلِ، عَنْ أَنَسٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بشِقِّ تمرَةٍ”، وَقَدْ كَانَ حَدَّثَ بِهِ مِنْ قَبْلُ عَنِ الحَسَنِ، بَدَلَ أَنَسٍ، مُرْسَلاً، وَهُوَ أَشبَهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ عَفَّانُ وَغَيْرُهُ، عَنْ حَمَّادٍ ].([7])

فأخطأ عارم في رواية الحديث عن أنس، رغم أنه رواه قَبْلًا عن الحسن البصري مُرْسَلًا!

لكنَّ الأباضيَّ لم يذكر لنا هذا الكلامَ لأنه لا يخدم هدفَه ومرادَه، بل ذكر لنا قولَ ابن حبان فقط، ولم يذكر رَدَّ الذهبي عليه!

ونحن لَيس لدينا مشكلةٌ مع كلام ابن حبان – بخصوص رواية براءة جابر من الأباضية – كما سيأتي بيانه أيضًا إن شاء الله!

المضحك أنَّ الأباضيَّ في أَوَّلِ كِتابِهِ ذَكَرَ لنا قولَ شَيخِهِ مفتي الأباضية أحمد الخليلي يقول فيه:

[ وَإِنَّ مَنْ يُمْعِن نظرَه في التراث الأباضي الفكري – متجردًا من العوامل النفسية والمؤثرات الوراثية – يدرك كلَّ الإدراكِ أَنَّ الأباضيةَ أكثر فئات هذه الأمة اعتدالًا، وأسلمها فكرًا، وأقومها طريقًا، وأصحها نظرًا، وأصفاها موردًا ومصدرًا].([8])

قلت: هذا غير واضح في فعل الأباضيِّ الحجري وجميع دعاة الأباضية السابقين واللاحقين!!

فهؤلاء القوم لا يستحون من أنفسهم؟! يدلسون ويقتطعون ويزورون الحقائق، ثم يقولون بمنتهى البساطة إنهم أهلُ اعتدالٍ وسلامةٍ في الفِكْرِ واستقامةٍ في الطريق ونظرٍ وصفاءٍ!!

ثالثًا:

ابنُ سَعْدٍ سَمِعَ من عارِم قبل اخْتِلَاطِهِ:

 يدل على ذلك أن الأئمة صَرَّحُوا أنَّ عارمًا لم يُحَدِّثْ بعد اختلاطِهِ كما ذكرتُ سابقًا، وجَدِيرٌ بالذِّكْرِ أَنْ أُنَوِّهَ أن عارم متوفَّى 224 هجرية، وابنُ سَعْدٍ متوفَّى 230 هجرية. أي بَعْدَ وفاةِ عارم بـ 6 سنين. فهما متقاربانِ في الطبقة، والإمام البخاري الذي سمع من عارم قبل اختِلاطه مُتَوَفَّى عام 256 هجرية، أي بعد وفاة عارم بـ 32 عامًا ! ، فإذا كان البخاريُّ قد مات بعد وفاة عارم بـ 32 عامًا مع ثبوت سَمَاعِهِ من عَارِم قبل اختِلاطِهِ، فمن باب أَوْلَى أَنَّ ابنَ سعد – الذي مات بعد عارم بـ 6 سنين – يكون سماعه من عارم قبل اختلاطه !

قال الحافظ ابن حجر الْعَسْقَلَانيُّ:

[ إِنَّمَـا سَمِعَ مِنْهُ البُخَارِيُّ سنة ثَلَاث عشرَة ، قبل اخْتِلَاطِه بِمدَّة ].([9])

فالإمامُ البخاريُّ رحمه الله سَمِعَ من عارِم قَبْلَ وفاته بـ 11 عَامًا، فالْبُخَارِيُّ – كما قلنا – تُوُفِّيَ عام 256، ومع ذلك كان سماع البخاري منه قبل الاختلاط.

قالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ:

 [ قال أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ: اختَلَطَ عارِم في آخرِ عمرِهِ ، وزالَ عقلُهُ ، فمنْ سَمِعَ منهُ قبلَ الاختلاطِ فَسماعُهُ صحيحٌ، قالَ: وكتبْتُ عنهُ قبلَ الاخْتِلَاطِ سنةَ أربعَ عشرةَ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ فَسَمَاعُهُ جَيِّدٌ ].([10])

والرَّازِيُّ تُوُفِّيَ عام 277، أي بعد وفاة عارِم بـ 53 عامًا، وسَمَـاعُ أبي حاتمٍ الرازيِّ من عارِم كان قبل اختلاطِهِ، فمن باب أولى أن يكون ابنُ سعد – المتوفى عام 230 – سمعه قبل اختلاطه!

قال الحافظ زين الدين العراقي:

 [عارم محمد بن الفضل أبو النعمان اختلط بآخرة، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا عَنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ].([11])

إذًا فمحمد الذُّهْلِيُّ تُوُفِّيَ عام 258، أي بعد وفاة عارِم بـ 34 عامًا، وسَمَـاعُ الذُّهْلِيِّ من عارِم كان قبل اختلاطِهِ، فمن باب أولى أن يكون ابنُ سَعْدٍ المُتَوَفَّى عام 230 قد سمع منه قبل اختلاطه!

الْـخُلَاصَة: أن كِبَارَ الْـحُفَّاظِ الذين تُوُفُّوا بعد وفاة ابن سَعْد بعشرات السنين سَمِعُوا من عَارِمٍ قبل اختلاطِهِ، فمن باب أولى أَنْ يكونَ ابنُ سعد – الذي مات قبلهم بعشرات السنين – قَدْ سَمِعَ مِنْ عَارِمٍ قبل اختلاطِهِ، لأنه تُوُفِّيَ بعد عارم بـ سنواتٍ فقط.

رابعًا:

يدلُّ على صِحَّةِ روايَةِ عَارِم في براءةَ جابر بن زيد من فرقة الأباضية أَنَّ بقية الرواياتِ الصحيحة في نفس هذا المعنى أَكَّدَتْ براءةَ جابر بن زيد من فِرْقَةِ الأباضية، فلو سَلَّمْنَا جَدَلًا باختلاط عَارِم؛ فاختلاطُه لا ينطبق على هذه الرواية، بل هذه الرواية من صحيح حديثه الذي وافقَ فيه الثقاتِ، إِذْ لم يتفرد عارِمٌ بالرواية، فكيف يُحْتَجُّ على ضَعْفِ هذه الروايةِ بِاخْتِلَاطِهِ؟!

خامسًا:

سؤال للأباضية: إذا كان عارِم بن الفَضْلِ مَطْعونًا عليه وضعيفًا كَمَـا يحاول الأباضيُّ عليّ الحَجَرِيُّ أن يُشَوِّشَ عليه؛ فلماذا تستدلون بروايات عارِمٍ في فَضَائِلِ جابر بن زيد في كتبكم؟!

لماذا احتوت كُتُبُكُمْ على رواياتِ عارم التي فيها ثناءُ علماءِ التابعين على جابر بن زيد؟!

يقول الأباضي بدر السعيدي في بحث تخرجه بعنوان: وصل مراسيل الإمام جابر بن زيد في مسند الربيع بن حبيب، المبحث الثالث: عدالته وتوثيقه:

[اشتهر الإمام جابر بن زيد بالعلم والورع والعدل مما جعل الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم يثنون عليه، وكذلك ممن أتى بعدهم، وسأنقل في هذا المبحث بعض ما قيل عنه: قال ابن سعد: أخبرنا عارم بن الفضل قال: ” حدثنا حماد بن زيد عن خالد ابن فضاء عن إياس قال: [أدركتُ البصرةَ ومفتيهم رجل من أهل عمان؛ جابر بن زيد].([12])

وليلاحظ القارئُ الكريم أن هذه الروايات أيضًا من رواية ابن سعد عن عارم!!

كذلك استدلَّ الْأَباضِيُّ إبراهيم بن علي بولرواح صاحبُ موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية، بكثير من روايات عارم بن الفضل في الثناء على جابر بن زيد ومَدْحِهِ، فقال:

قال يحيى بن سعيد القطان: أخبرنا عارِمُ بنُ الفضل قال حدثنا حماد بن زيد عن خالد بن فضاء عن إياس قال : أدركتُ البصرةَ ومفتيهم رجلٌ من أهل عمان جابر بن زيد].([13])

وذكر هذه الرواية نَقْلًا عن الطبقات الكبرى لابن سعد، وليس فيها ذكر يحيى بن سعيد القطان. فقال:

[أَخْبَرَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا حماد بْنُ زَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ فَضَاءٍ عَنْ إِيَاسَ قَالَ: أَدْرَكْتُ الْبَصْرَةَ وَمُفْتِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أهل عُمَانَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ].([14])

فالرواية في الطبقات من رواية عارم بن الفَضْلِ السدوسي أيضًا!

فما هو الضابط عند هؤلاء القوم؟! لماذا استدلوا برواية عارم بن الفَضْلِ إذا كانوا يُضَعِّفُونَهُ؟!

ولماذا ضَعَّفُوا روايته إذا كانوا يوثقونه؟!!  هذا هو اتِّبَاعُ الهوى في أسوء صوره وأقبح مراحله!!

يقول الأَباضيُّ علي الحجري في مقدمة كتابه:

[لهذا فلا بد للجميع أن يحتكموا إلى الحق الذي يعترف بسلطانه كُلُّ مُسْلِمٍ في إثباتِ ما هو ثابتٌ بالدليلِ القاطعِ، وإبطالِ ما هو باطلٌ بالحجة الواضحة البينة].([15])

 فأين الاحتكام إلى الحق الذي يعترف بسلطانه كُلُّ مُسْلِمٍ في تضعيفِكَ لروايةٍ صحيحةٍ ثابتةٍ؟!

وأين استدلالك بما هو ثابتٌ بالدليل القاطع، وأين الحُجَجُ الواضحةُ البينة هنا؟!!!!

ما هذا التزوير والتلبيس والتدليس؟!

ثم كيف تَدَّعُون مَحَبَّتَكُم لجابر بن زيد وأنتم تُكَذِّبُون الصحيحَ الثابتَ من آثَارِهِ وَأَقْوَالِهِ؟!

سادسًا: نذكر شيئًا من أقوال علماء الجرح والتعديل في عارِم بن الفضل:

قال الإمامُ الذهبيُّ:

[ عَارِمٌ مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ السَّدُوْسِيُّ البَصْرِيُّ الحَافِظُ، الثَّبْتُ، الإِمَامُ ].([16])

وقَالَ ابْنُ وَارَةَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ الصَّدُوْقُ المَأْمُوْنُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: إِذَا حَدَّثَكَ عَارمٌ فَاخْتِمْ عَلَيْهِ، عَارمٌ لاَ يتَأَخَّرُ عَنْ عَفَّانَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ يُقَدِّمُ عَارماً عَلَى نَفْسِهِ إِذَا خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ، وَيرجعُ إِلَى مَا يَقُوْلُ عَارمٌ، وَهُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، بَعْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَقَالَ: عَارمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ عَارمٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ ].([17])

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ: فَمَنْ سَمِعَ مِنْ عَارِمٍ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ فَهُوَ أَحَدُ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ].([18])

سابعًا: المتكلم في الرواية هو محمد بن سيرين، ولسنا في حاجة للكلام عن توثيقه، فمجرد ذِكْرِ اسْمِهِ كافٍ عند أهل العلم والفهم، فهو إمام سيد من أئمة وسادات التابعين!

الخلاصة: أَنَّ عَارِمَ بنَ الفَضْل ثِقَةٌ، ولكن اختلطَ في آخر عمره، فلم يُحَدِّثْ، ولم يظهر له حديث منكر إلا ما أشرنا إليه سابقًا. ولو افترضنا أن ابن سعد سمع منه بعد اختلاطه؛ فرواية براءة جابر بن زيد من الأباضية ليست مما اختلط فيه عارم، لأنه وافق غيره من الحفاظ والثقات.

فأقل ما يُوصَف فِعْلُ الأباضي علي الحجري به أنه جناية شرعية وسوأة فكرية وخيانة علمية وجريمة أخلاقية في حق الدين والعلم والتاريخ أَوَّلًا، ثم في حق جابر بن زيد، ثم في حق قُرَّائِهِ مِنَ الْأَبَاضِيَّةِ!!

ولا يفوتني أن أقول إني لم أَجِدْ أَحَدًا من الأباضية رَدَّ عليه وَبَيَّنَ له خطأه إلى الآن، فكأنَّ القَومَ لم يعلموا ماذا يفعل صَاحِبُهُم ولم ينتبهوا لتزويره وتدليسه ، أو أنهم عرفوا واستمرئُوا وسكتوا!

والله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل !

………………

إلى دَيَّانِ يَومِ الدِّينِ نَمْضِي     **     وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُوم

 

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

 

صباح الثلاثاء يوم في الثامن من ربيع الآخر لعام 1439 هجرياً

الموافق 26 من ديسمبر لعام 1017 ميلادياً

 


([1])  صحيح البخاري –  حديث رقم 106.

([2])  صحيح البخاري –  حديث رقم 109.

([3])  فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج1 ص350، ط دار طيبة – الرياض.

([4])  الكاشف لمن له رواية في الكتب الستة ج2 ص210، ط دار القبلة – جدة، مؤسسة علوم القرآن – جدة.

([5])  ميزان الاعتدال في نقد الرجال  ج6 ص298، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([6])  المرجع السابق.

([7])  سير أعلام النبلاء ج10 ص265، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([8])  الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ  الحجري ص5، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([9])  فتح الباري – هدي الساري لابن حجر العسقلاني ج1 ص441، ط دار المعرفة – بيروت.

([10])  فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي ج4 ص375، ط مكتبة السنة – مصر.

([11])  فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي ج4 ص375، ط مكتبة السنة – مصر.

([12])  المؤلف بدر بن خميس بن راشد السعيدي ص11، معهد العلوم الشرعية – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان.

([13])  موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية ج1 ص180، ط مكتبة مسقط – سلطنة عمان.

([14])  الطبقات الكبرى لابن سعد ج7 ص133، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([15])  الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ  الحجري ص19، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([16])  سير أعلام النبلاء (10/ 265).

([17])  سير أعلام النبلاء (10/ 265).

([18])  الضعفاء الكبير للعقيلي (4/ 122)

براءة جابر بن زيد من الأباضية – حلقة (1)

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

براءة جابر بن زيد من الأباضية- حلقة (1)

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومن والاه، وبعد:

فهذه دراسة كتبتُها من واقع ملاحظاتي وقراءتي في مُسْنَدِ الربيع بن الحبيب الفراهيدي الذي تعتبره الإباضيةُ أَهَمَّ كُتُبِ الحَدِيث النبوي !!

وسبب هذه الدراسة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: [ لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ ].([1])

وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ].([2])

وهذا حديث في منتهى الخطورة، إذْ أَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم جعل الْـمُتَقَوِّلَ عليه ما لم يَقُلْهُ في النار، لأنه في الحقيقة كَاذِبٌ على الله، لِأَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، وكلامه وأفعاله وإقراره تشريع للعباد، والكاذِبُ عليه كاذِبٌ على الله في الحقيقة!

قال الإمام ابن حجر الْعَسْقلاني:

[ تَقْوِيلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، وَكَذَا مُقَابِلُهُمَا وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ].([3])

فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخطر الأمور، ولِذَا فَإِنَّ صيانةَ كلامه صلى الله عليه وسلم عن الكذب والوضع من أخص العبادات والقربات إلى الله سبحانه وتعالى.

ولهذا قررتُ عملَ دراسةٍ مختصرةٍ حول هذا الكتاب من خلال رُوَاتِهِ، وما قيل في هؤلاء الرواة ، سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو مَن جاء بعدهم، وما قاله بعضُ هؤلاءِ الرواةِ أنفسهم في الأباضية أو في أَسْلَافِهِم من أهل النهروان بشكلٍ عامٍ.

وأَوَدُّ أن أُوَضِّحَ المنهجَ الذي سأعتمده في ملاحظاتي في نقد هذا الكتاب، فسآتي بكلام مَنْ يخالفنا وَأَرُدُّ عليه كما تَعَوَّدْتُ مع قُرَّاء مدونتي وموقعي ومشاهدي قناتي الكرام.

وسأبدأ الكلام عن هذا الموضوع من الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي رحمه الله.

يقول الأباضي بكير بن سعيد أعوشت:

[ يرجع المذهب الأباضي في نشأته وتأسيسه الى جابر بن زيد الذي أرسى قواعده الفقهية وأصوله. فهو إمامٌ مُتَحَدِّثٌ فَقِيهٌ، وتبحَّر بعمق في الفقه، وأمضى بقية حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله على صِلَةٍ بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك. وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال للناس: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله المشرق والمغرب لوسعهم علمه. وقد أصبح أعظم فقيه في البصرة وله أتباع عديدون كعبد الله بن أَبَاض ومرداس بن حدير وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة].([4])

ولهذا حاول الأباضي علي الحجريُّ مُؤَلِّفُ كِتَابِ ” الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات ” أن يُضَعِّفَ كُلَّ الرواياتِ التي تُوَضِّحُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيد رحمه الله أَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ من الأباضية، وأعمل المؤلفُ فيها مِعْوَلَ الهدم الأعمى ضَارِبًا بالقواعد المنهجية العلمية المعروفة عرضَ الحائط !!

فيقول رَادًّا على الدكتور محمد عبد الفتاح عليان:

.

وبعدما عَرَضْنا كَلَامِهِ كاملًا عن الرواية الأولى نبدأ بحول الله في البحث في كلامه وطريقة استدلاله، وَذِكْرِ ما أغفل ذِكْرَهُ عَمْدًا من نفس كتب علماء الجرح والتعديل التي استدلَّ بها !!

والسؤال الآن: هل يدري القارئ الكريم ما الكلام الذي حذفه الأباضي علي من ترجمة همام؟!

أولا: الكلام عن رواية هَمَّام بن يَحْيَى عن قتادة:

لقد ذكر لنا الأستاذُ الحَجَرِيُّ أَقْوَالًا تَذُمُّ هَمَّامَ بن يحيى، لكنَّه لم يَذْكُرْ لنا أَنَّ الرَّدَّ على هذه الأقوال مَوْجُودٌ في نفس الصفحات بين الفراغات التي وَضَعَ الأستاذ الحجري مَكَانَهَا هذه النقاطَ !! وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ !!

وليس هذا فقط، بل إن الأقوالَ التي حَذَفَهَا الحجريُّ هي القولُ الْـمُعْتَمَدُ عند العلماء والأئمة في الْكَلَامِ عن همام بن يحيى الأزدي!! وسنذكر شيئًا من هذه الأقوالَ، ونبين الحقيقة لِقُرَّائِنَا الْكِرَام!

لكن قبل البدء أقول إِنَّ الأستاذ علي الحجري فعل فِعْلَتَهُ هَذِهِ، لِأَنَّهُ يَعْرِف يَقِينًا أنه لَا أَحَدَ مِن الأباضية المساكين من قُرَّائِهِ سَيُرَاجِع خَلْفَه هذه الأقوال!

قال ابنُ حَجَر الْعَسْقَلَانِيُّ:

[ قال عمر بن شبة عن عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هَمَّامًا في كثير مما كان يحيى ينكره ، فَـكَفَّ يحيى بَعْدُ عنه.

[ قال أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون: كان هَمَّام قويًّا في الحديث.

وقال صالح بن أحمد عن أبيه: همام ثَبْتٌ في كُلِّ المشائخ.

وقال الأثرم عن أحمد: كان عبدالرحمن – بن مهدي – يَرْضَاه.

وقال أبو حاتم عن أحمد: سمعتُ ابن مهدي يقول همام عندي في الصدق مثل ابن أبي عروبة.

وقال ابن محرز عن أحمد: همام ثقة، وهو أثبت من أبان العطار في يحيى ابن أبي كثير.

وقال الدوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يروي عن أبان، ولا يروي عن همام، وهمام عندنا أفضل من أبان.

وقال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: ثقة صالح، وهو أَحَبُّ إليَّ في قتادة من حمَّاد بن سلمة.

وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: همام في قتادة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ.

وقال عثمانُ الدارميُّ عن ابن معين مثله، وزاد قلت: همام أحب إليك في قتادة أو أبان؟ قال ما أقربهما، كلاهما ثقتان.

وقال ابنُ المديني لما ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وسعيد أعلمهم به، وشعبة أعلمهم بما سمع عن قتادة مما لم يسمع، قال: ولم يكن همام عندي بدون القوم فيه، ولم يكنْ لِيَحْيَى فيه رأيٌ، وكان ابنُ مهدي حَسَنَ الرأي فيه.

وقال ابن عَمَّـار: كان يحيى بنُ سعيد لا يعبأ بهمام ويقول: ألا تعجبوا من عبدالرحمن يقول: من فاته شعبة يسمع من همام.

وقال عمرو بن علي: كان يَحْيَى بنُ سعيد لا يُحَدِّثُ عن همام، وكان عبدالرحمن يحدث عنه.

قال: وسمعتُ ابراهيم بن عرعرة قال لِيَحْيَى: ثنا عفان ثنا همام، فقال له: اسكت ويحك.

قال عمرو بن علي: الأثبات من أصحاب قتادة: ابن أبي عروبة وهشام وشعبة وهمام.

وقال ابن المبارك: همام ثبت في قتادة.

وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زُرَيْعٍ يقول: هَمَّام حِفْظُهُ رَدِيءٌ، وكتابه صالح.

وقال ابن سعد: كان ثِقَةً، ربما غَلِطَ في الحديث.

وقال ابنُ أبي حاتم: سُئِلَ أبو زرعة عنه فقال: لا بأس به.

قال: وَسُئِلَ أبي عن همام وأبان مَنْ تُقَدِّمُ منهما؟ قال: همام أَحَبُّ إلي ما حَدَّثَ من كِتَابِهِ، وإذا حَدَّثَ من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط.

قال: وسألتُ أبي عن همام فقال: ثِقَةٌ صَدُوق، في حفظه شيءٍ، وهو أحب إليِّ من حماد بن سلمة وأبان العَطَّار في قتادة.

وقال ابنُ عَدِيٍّ: أخبرني إسحاق بن يوسف أظنه عن عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادةً فلم يعدلْهُ هَمَّام، فنقم عليه.

قال ابنُ عَدِيٍّ: وهمام أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى ابن أبي كثير.

قال محمد بن مَحْبُوب: مات سنةَ ثلاثٍ وستين ومائة، وذكره ابن حِبَّان في الثقات وقال: مات سنة أربعٍ وستين. وقال الميموني عن أحمد عن سريج بن النعمان: قَدِمْتُ البَصْرَةَ سَنَةَ أربع أو خمس وستين، فقيل لي: مات همام منذ جمعة أو جمعتين.

قلت: وقال ابن أبي خيثمة: قال عبدالرحمن بن مهدي: ظَلَمَ يحيى بنُ سَعِيدٍ هَمَّامَ بْنَ يحيى، لم يكن له به عِلْمٌ ولا مُجَالَسَةٌ ].([5])

والمستنبَط من هذا الكلام وخلاصته أَنَّ الكلامَ في هَمَّام ليس له علاقة بروايته عن قتادة، بل هو ثِقَةٌ ثَبْتٌ في روايته عن قتادة، كما شَهِدَ بذلك كِبَارُ الْحُفَّاظِ والأئمة !! وهذا هو الكلام الذي يتعلق برواية براءة جابر بن زيد بن الأباضية، حيث أَنَّ الرواية من طريق همام عن قتادة.

فالذي يخصنا الآن في كلام العلماء والأئمة عن همام هو روايته عن قتادة، وهو ثقة ثَبْتٌ فيها كما تقدم !

فلماذا لم ينقل الأستاذ علي الحجري كلام الأئمة والعلماء في رواية همام عن قتادة ؟!

لذلك أقول إن الطريقة التي يتبعها الأباضيُّ عليّ الحجري وغيرُهُ ممن يحاولون تشويه الحقائق وتزوير الوقائع لم تَعُدْ مُجْدِيَةً في هذا الزمان، إِذْ يستطيعُ أيُّ شَخْصٍ أَنْ يحصل بضغطة زِرٍّ على الكتاب الذي ينقل عنه المدلس، ويكتشف بسهولة ما أخفاه الْـمُدَلِّسُ عن الناس !!

فأما إِنْكَارُ يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان عليه، والذي ذكره الأباضيُّ نقلًا عن ميزان الاعتدال للذهبي ؛ فقد ذكر ابنُ حَجَرٍ في نفس الصفحة أَنَّ يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّانَ تَرَاجَعَ عن ذلك!

[ قال عمر بن شبة عن عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على هَمَّام في كثيرٍ من حديثه، فلما قَدِمَ مُعَاذُ نَظَرْنَا في كُتُبِهِ فوجدناه يُوَافِقُ هَمَّامًا في كثيرٍ مما كان يَحْيَى يُنْكِرُهُ، فَكَفَّ يحيى بَعْدُ عَنْهُ ].

إذًا فيحيى بن سعيد القطان يراجع عن كلامه في همام والقدح فيه !

ولقد ذكرتُ تَرَاجُعَ يحيى بن سعيد القَطَّان عن الكلام في همام بن يحيى هنا لسببين:

الأول: أنَّ الأباضيَّ ذَكَرَ ذلك من ميزان الاعتدال لتضعيف الرواية الأولى. وسيأتيك بيانه من كلام الذهبي  !

الثاني: أَنَّ الأباضيَّ الحجري حينما أراد تضعيفَ روايةٍ أخرى في براءة جابر من الأباضية قال:

[ هذه الرواية لا تقوم بها حُجَّةٌ لأحد على الإباضية، وذلك لورودها من طريق همام بن يحيى بن دينار الأزدي الذي ضَعَّفَ حفظَه يحيى القطانُ وغيرُه من علماء الجرح والتعديل ].([6])

وقد قال الذهبي في السير:

[عُمَرُ بنُ شَبَّةَ: حَدَّثَنَا الفَلاَّسُ، قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِحَدِيْثٍ، فَأَنْكَرَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ، وَقَالَ: لَمْ يَصْنَعِ ابْنُ أَبِي عَرُوْبَةَ شَيْئاً. فَقَالَ عَفَّانُ – وَكَانَ حَاضِراً -: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فَسَكَتَ يَحْيَى، فَعَجِبْنَا مَنْ يَحْيَى، حَيْثُ يُحَدِّثُه ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيْدٍ، فَيُنْكِرُهُ، وَحَيْثُ حَدَّثَهُ عَفَّانُ عَنْ هَمَّامٍ، فَسَكَتَ.

قُلْتُ (الذهبي) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَحْيَى تَغَيَّرَ رَأْيُه بِأَخَرَةٍ فِي هَمَّامٍ، أَوْ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى اتِّفَاقَهُمَا عَلَى حَدِيْثٍ اطْمَأَنَّ].([7])

كما أَنَّ الأباضيَّ علي الحجري لم يذكر لِقُرَّائِهِ أَنَّ الإمامينِ العظيمينِ البخاريَّ ومسلمًا قد رَوَيَا لهمام بن يحيى في صحيحهما، ولم يتكلمْ واحدٌ منهما فِيهِ بِشَيءٍ، وكذلك سائِرُ بقية أصحاب الكتب!

وقال الذهبي في تاريخ الإسلام:

[ أَمَّا هَمَّامٌ فَاحْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ بِلا نِزَاعٍ بَيْنَهُمْ ].([8])

قال ابن حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:

[ همام بن يحيى الْبَصْرِيّ: أحد الْأَثْبَات .. وَقد اعْتَمدهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة، وَالله أعلم ].

وفجأةً صار هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ضَعِيفًا عند الأباضية !!

فحينما أراد الأباضيُّ علي الحجري تضعيفَ أبي هلال الراسبيِّ في روايته لبراءة جابر من الأباضية احتج الأباضي بأنَّ البخاري ذكر أبا هلال الراسبيَّ في كتاب الضعفاء ، لكن الأباضي لم يعتدَّ بتوثيق البخاري لهمام بن يحيى لأن توثيق البخاري لهمام يخالف هواه !

وقد ذَكَرَ ابنُ حَجَرٍ قولَ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيِّ في أَنَّ يحيى بنَ سَعِيدٍ القَطَّان ظَلَمَ همامَ بْنَ يحيى في كلامه عنه وتضعيفه له، وَأَنَّ كلامَه فيه لم يَكُنْ عَنْ عِلْمٍ أَو مجالسة، فقال: [ظَلَمَ يحيى بنُ سَعِيدٍ هَمَّامَ بْنَ يحيى، لم يكن له به عِلْمٌ ولا مجالسة ].

يعني نفس الكتاب – تهذيب التهذيب – الذي استدلَّ منه الحجري للطعن في همام بن يحيى ، يحتوي على براءة همام بن يحيى من كلام يحيى بن سعيد القطان، ومع ذلك لَمْ يَسْتَحِ الأباضي علي الحجريُّ أنْ يحذفه أثناء نقله كلامَ ابنِ حَجَر العسقلاني! 

هذا منهج ميكافيللي بجدارة !!

ويكفي المنصفَ قولُ ابن عَدِيٍّ: [ وهمامٌ أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديثٌ مُنْكَرٌ، وأحاديثُهُ مستقيمةٌ عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير ].([9])

وقول ابنُ عَدِيٍّ – بأنَّ أحاديث يَحْيَى مستقيمة عن قتادة – قَاطِعٌ في محل النزاع، وهو تصحيحٌ لِكُلِّ ما رواه هَمَّامُ بْنُ يحيى عن قتادة، ويدخل في ذلك روايتُهُ حول براءة جابر بن زيد من الإباضية !

المضحك أنَّ الأباضيَّ الحَجري تجاهلَ توثيقَ ابنِ معين لهمام بن يحيى ، مع أنه صَرَّحَ في كتابه بأنَّ يحيى بن معين من كِبَار علماء الجرح والتعديل، فقال: [ يحيى بن معين ، وهو من كبار علماء الجرح والتعديل ].([10])

فحينما احْتَاجَ الأباضيُّ لِقَولِ يَحْيَى بن مَعِين وَصَفَهُ بِأَنَّهُ من كِبَار علماء الجرح والتعديل، وحينمـا رأى أَنَّ قول يحيى بن معين لا يوافق هواه ولا يَخْدُمُ هدفه ولا يُسَايِرُ خطته لم يَذْكُرْهُ البتةَ !!

ويبقى هذا السؤالُ يُؤَرِّقُ الأباضية:

لماذا ترك الأباضيُّ عليُّ الحَجَري كلامَ يَحْيَى بنِ معين – مع وَصْفِهِ له بأنه من كِبَار علماء الجرح والتعديل – ، وكلامُ يحيى بن معين كلامٌ واضحٌ وصريح في توثيق روايات همام بن يحيى عن قتادة بن دعامة ؟!

قد ثبت للقارئِ الكريم أن يحيى بن معين وَثَّقَهُ وقال إنه ثقة في مروياته عن قتادة!

وَلِأَنَّ كَلَامَ العلماء المتكلمين في همام معتبرٌ عندنا، فهو محمولٌ على غير روايته عن قتادة ، إذْ وَثَّقُوهُ في روايته عن قتادة بإطلاق. مع اعتبار تَرَاجُعِ مَنْ تَرَاجَعَ عَنْ كلامِهِ فيه كَـ يحيى القطان!

ثم إِنَّ الذي رَوَى هذه الروايةَ عن همام بن يحيى رَجُلَانِ ثِقَتَانِ، وسماع عفان بن مسلم من همام ليس قَدِيمًـا، بل هو من الحديث الذي لا غُبَارَ عليه، فقد نَقَلَ الأباضيُّ ما نقله ابنُ حَجَر:

[ قال الحسن بن علي الحلواني : سمعت عَفَّانَ يقول: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً فنستغفر الله تعالى .. وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أَصَحُّ ممن سَمِعَ منه قديمًـا ]. أهـ

قلت ( أبو عمر) : بما أن عَفَّانَ نقل عن همام تَرَاجُعَهُ عن حديثه القديم، ونَقَلَ لنا عَفَّانُ قولَه هذا، فروايةُ عفان عن همام هي من آخر حديث همام الخالي من الخطأ بعد مراجعة كتابه !

إِذْ لا يتخيل عاقل أن عفان سيخبرنا بأن همام تراجع عن رواياتٍ أخطأ فيها ، ثم يرويها لنا دون بيان ذلك !

ثم يبقى السؤال: هل رواية براءة جابر بن زيد من الأباضية مما أخطأ فيه همام بن يحيى ؟!

أقول: لا، بل تابعه على هذه البراءةِ كثيرٌ من الحُفَّاظِ الثِّقَاتِ، كما سيأتي بيانُهُ إن شاء الله في حلقات قادمة !

لكن سأكرر قول ابن عدي: [ وهمامٌ أَشْهَرُ وَأَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ له حديثٌ مُنْكَرٌ، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يَحيى بن أبي كثير ].([11])

فكما قلتُ سابقًا إِنَّ هذا الكلامَ قاطِعٌ في محلِّ النزاع، فابنُ عَدِيٍّ صَرَّحَ أنه لا يوجد لِهَمَّـام بن يحيى حديثٌ مُنْكَرٌ وَاحِدٌ، وَيُصَرِّحُ أيضا أَنَّ رواياته عن قتادة مستقيمة !!

وهذا يقتضي تصحيحَ كلِّ ما يرويه همامٌ عن قتادة ، ويشمل ذلك روايةَ براءةِ جابرٍ من الأباضية!

ثانيًا: الكلام عن رواية قتادة عن عَزْرَة:

طعن الأباضيُّ علي الحجري في قتادة بن دعامة السدوسي وحاول إسقاط روايته في براءة جابر من الأباضية بأنه مُدَلِّس من الطبقة الثالثة، وقد رَوَى روايتَه عن عَزْرَةَ بالعنعنة !!

وسأضع روايتينِ يرويهما قتادةُ بالعنعنة، وأرجو من الأباضية أنْ يحكموا عليهما بالضعف !

1. [ .. عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ يَقْنُتُ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ الآخِرِ يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَلَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ ].([12])

2. [ .. عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالتَّوْبَةُ مَدَنِيَّاتٌ، وَالرَّعْدُ مَدَنِيَّةٌ إِلاَّ آيَةً وَاحِدَةً .. ].([13])

فهل هاتانِ الروايتانِ ضعيفتانِ عند الأباضية لِأَنَّ قَتَادَةَ لم يُصَرِّحْ فيهما بالسَّمَـاع ؟!

إذا حَكَمَ الأباضيةُ على هاتينِ الروايتينِ بالضَّعْفِ ؛ فَسَأَقْبَلُ منهم مؤقتًا تضعيفَهم لرواية قتادة في براءة جابر بن زيد من الأباضية ، وإذا صَحَّحَ الأباضيةُ هاتينِ الروايتينِ؛ فما وَجْهُ تَضْعِيفِهِم لرواية براءة جابر بن زيد من الأباضية بعنعنة قتادة ؟!

لن يجرؤ الأباضية أن يضعفوا هاتين الروايتينِ !!

فهاتانِ الروايتانِ نقلتُهُمَـا من كتاب مُسْنَدِ الربيع بن حبيب الذي تقدِّسُهُ الأباضية، وتعتبره أَصَحَّ من صحيحي البخاري ومسلم، ويحكمون بصحة جميع ما جاء فيه من مروايات !!!!

جاء في مقدمة هذا الكتاب قولُ شيخِهِمْ عبد الله بن حميد السالمي:

[ اعلمْ أن هذا المسند الشريف أصحُّ كُتُبِ الحديث روايةً وأعلاها سَنَدًا، وجميعُ رجالِهِ مشهورون بالعِلْم وَالوَرَع والضَّبْطِ والأمانة وَالْعَدَالَة والصِّيَانَة، كلهم أئمةٌ في الدين وقادةٌ للمهتدين، هذا حكم المتصل من أخباره، وأما المنقطع بإرسال أو بلاغ في حكم الصحيح لتثبُّتِ راويه ].([14])

فإذا كان قتادةُ ثِقَةً عند الأباضية ؛ فروايته في براءة جابر بن زيد من الأباضية رواية صحيحة.

وإذا كان قتادةُ عندهم مُدَلِّسًا فليحذفوا رواياته من مسندهم وليحكموا بخطأ شيخهم عبد الله السالمي!

وأمَّا رواية قتادةَ عن عَزْرَةَ عندنا فصحيحة، ولقد روى مسلمٌ لِقَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ في مَوْضِعَينِ:

قال الإمامُ مسلم: [ وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: «فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ].([15])

قال الإمامُ مسلم: [ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ }. [السجدة: 21] قَالَ: «مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، أَوِ الدُّخَانُ» شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ أَوِ الدُّخَانِ ].([16])

والخُلاصة أَنَّ الأستاذ علي الحجري أرادَ تضعيفَ كُلِّ رواياتِ براءةِ جابر بن زيد من الأباضية فقط لأنه أَبَاضِيٌّ، ولأن براءة جابر بن زيد من الأباضية تنسف مذهبهم البدعي نَسْفًا وتهدمه من أَسَاسِهِ، – إذْ أنهم يزعمون أن جابر رحمه الله هو الذي أسس هذا المنهج الغريب -، وليس سبب تضعيفه لهذه الروايات أن عِلْمَ الحديث الشريف يُقِرُّهُ أو يساعده في ذلك كما تبين للقارئ الكريم !!

وأيضًا نقول للأباضية: أعطونا عالِـمًـا من علماء الحديث أعلَّ روايةً لأنها من رواية همام بن يحيى بن دينار البصري عن قتادة !

ثم إن هذه الرواية لَيْسَتْ حَدِيثًا نبويًا لِيَتَعَنَّتَ الأستاذ الحجري فيها بهذه الطريقة الغريبة !

مع تسليمه بِصِحَّةِ مُسْنَدِ الربيع بن حبيب المجهول عند جميع علماء الجرح والتعديل الذين يستدل الحجري بكلامهم، وَكذلك جَهَالَةِ شيخِهِ مسلم بن أبي كريمة، أو تضعيف العلماء له !

فانظرْ أخي القارئ الكريم كيف يتساهَلُ الأباضيةُ في تصديق رواياتٍ منسوبةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في مسند الربيع – مع ضعفها وإرسالها وجهالة رواتها -، وكيف يتعنتون ويدلسون ويبترون كلام العلماء ليرفضوا كلامًا مَقْطُوعًا بثبوته عن رَجُلٍ من التابعين !!

مع أَنَّ العكس هو الصحيح، فالتَّسَاهُل قد يكون في كلامٍ مَنْسُوبٍ لأحد التابعين لِأَنَّ كلامه ليس تَشْرِيعًا، ويكون التشددُ والتدقيق في الكلام المنسوب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم !!

الغريب والعجيب أَنَّ الأستاذ علي الحجري كان يقول في مقدمة كتابه:

[فلابد للجميع أن يحتكموا إلى الحَقِّ الذي يعترف بِسُلْطَانِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ في إِثْبَاتِ ما هو ثَابِتٌ بالدليلِ القاطعِ، وإبطالِ ما هو باطلٌ بالحجة الواضحة البينة ].([17])

قلت: ما صدقتم ولا بررتم !

وإمعانًا في إفحام الأباضي علي الحجري أقول:

قال الإمام ابن أبي حاتم:

[وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أبو داود الطَّيَالسي، عَن هَمَّام ، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَن الشَّعْبي؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي أسامةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّهُ أفاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فلم تَرفَعْ راحِلَتُه يَدًا غَادِيَةً ، حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَة؟. وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ هَمَّام، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني ، عَنِ الفَضْل بْنِ عباس: أنه كان رَديفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المُزدَلِفَة، ولم تَرْفَعْ راحِلَتُه يَدً غادِيَةً، حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ؟

قَالَ أَبِي: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ خطأٌ؛ الشَّعْبيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أُسَامَةَ شَيْئًا فِيمَا أَعْلَمُ ].([18])

وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ هَمَّام، عَنْ قَتادة، عَنْ عَزْرَة، عَنِ الشَّعبي؛ أنَّ الفَضْلَ بْنَ عباس حدَّثه، وأن أسامةَ بْنَ زَيْدٍ حدَّثه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ. هَلْ سَمِعَ الشَّعْبيُّ مِنْهُمَا ؟ فَقَالَ: لا يُحْتَمَلُ، ويَنْبَغي أَنْ يكونَ بينهُما رجلٌ آخَرُ، ولكنْ كَذَا حدَّث بِهِ هَمَّام، فَلا أَدْرِي مَا هَذَا الأَمْرُ؟! ].([19])

فهنا نرى الإمامَ الكبيَر أبا حاتم يُخَطِّئُ الروايتينِ وَيُعِلُّ الأولى بعدم سماع الشعبي من أسامة، فمن باب أولى ألا تكون الثانية صحيحة لأن الحسنَ الْعُرَنِيَّ لم يسمع من عبد الله بن عباس، فكيف يكون قد سمع من أخيه الفضل بن عباس، وهو الذي مات قبل ابن عباس بعشرات السنين!

والشاهد من هذا أَنَّ الإمام أبا حاتم الرازيَّ لم يجرؤ على إِعْلَالِ الرواية بسبب هَمَّام أو قتادة !!

لكنَّ صاحبَنا الأباضيَّ تَجَرَّأَ على فعلها هكذا بمنتهى الْبَسَاطَةِ، بلا ضَابِطٍ ولا رَابِطٍ، منتهكًا القواعد العلمية المنهجية بهذا الشكل الصارخ !!!!

وأنا – عن نفسي – لا أعرف أَحَدًا من الأئمة أَعَلَّ روايةً أتت من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن عزرة على الإطلاق !

فإنَ رواياتِ هَمَّامِ بنِ يحيى عن قتادة، أو روايات قتادة عن عَزْرَةَ موجودةٌ في الصحيحينِ!!

ولم يتكلمْ فيها أَحَدٌ حسبما علمتُ وقرأتُ وبحثتُ ! وإليك شيئًا من هذا:

أولا: رواية همام عن قتادة رواية صحيحة معتبرة بلا خلاف عند العلماء.

1. قال الإمام البخاري: [ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟!، كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ ].([20])

2. قال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ].([21])

ثانيًا: رواية قتادة عن عَزْرَةَ روايةٌ صحيحة معتبرة بِلَا خِلَاف عِنْدَ العلماء.

1. قال الإمام مسلم:

[ وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: «فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ» ].([22])

2. قال الإمام الترمذي:

[ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلاَّسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ. حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ].([23])

فهل يجوز أن يقال: [ الرواية لا تقوم بها حُجَّةٌ، وذلك بسبب همام بن يحيى وقتادة بن دعامة ] ؟!!

قلتُ: ما فعله الأستاذ الأباضي علي الحجري عبارة عن جناية شرعية وسوأة فكرية وخيانة علمية وجريمة أخلاقية في حق الدِّينِ وَالْعِلْم والتَّارِيخ أَوَّلًا، ثُمَّ في حَقِّ جابر بن زيد ثانيًا، ثم في حق قُرَّائِهِ مِنَ الْأَبَاضِيَّةِ المساكين المخدوعين ثَالِثًا !!

فالله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل !

وبناءً على ما سبق أقول إن الرواية الأولى في براءة جابر بن زيد من الأباضية روايةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ، لا يطعن فيها عاقِلٌ فَضْلًا عن عَالِمٍ، فإِنَّ الطَّعْنَ في الرواياتِ الصحيحة بمثل ما فَعَلَه هذا الأباضيُّ من بَتْرِ النصوص وإخفائها ليس من فِعْلِ أهل العِلْم والفَضْلِ والتحقيق والشرف !

………………

فإلى دَيَّانِ يَومِ الدِّينِ نَمْضِي ** وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الخُصُوم

تمت بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله له ولوالديه

صباح الخميس ، الثالث من ربيع الآخر لعام 1439 هجري

الموافق 21 من ديسمبر لعام 1017 ميلادي

مراجع البحث:

([1]) صحيح البخاري – حديث رقم 106.

([2]) صحيح البخاري – حديث رقم 109.

([3]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج1 ص350، ط دار طيبة – الرياض.

([4]) دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص18، ط مكتبة الضامري – السيب – سلطنة عمان.

([5]) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ج6 ص666 ، 669، ط وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة – السعودية.

([6]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات لعليّ الحجري ص55، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([7]) سير أعلام النبلاء للذهبي ج7 ص299، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

([8]) تاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص533، ط دار الغرب الإسلامي- بيروت.

([9]) الكامل في ضعفاء الرجال ج8 ص447، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([10]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ الحجري ص55، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([11]) الكامل في ضعفاء الرجال ج8 ص447، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

([12]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص355 حديث رقم 909، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان. وهو كتاب منحول مختلق !

([13]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص28 حديث رقم 17، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان.

([14]) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ص3 ، ط مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان.

([15]) صحيح مسلم – حديث رقم: 7 – (1493).

([16]) صحيح مسلم – حديث رقم: 42 – (2799).

([17]) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات عليّ الحجري ص19، ط مكتبة الجيل الواعد – مَسْقَط – سلطنة عمان.

([18]) العلل لابن أبي حاتم ج3 ص230 ، ط مطابع الحميضي – الرياض.

([19]) العلل لابن أبي حاتم ج3 ص197 ، ط مطابع الحميضي- الرياض.

([20]) صحيح البخاري – حديث رقم: 321.

([21]) صحيح مسلم – حديث رقم: 93 – (1116).

([22]) صحيح مسلم – حديث رقم: (1493).

([23]) سنن الترمذي ج1 ص210، حديث رقم: 144.

%d مدونون معجبون بهذه: