أرشيف المدونة

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث
نسف أكاذيب النصارى حول القرآن الكريم

حول قول ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآنَ كله !

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آلِهِ وصحبه ومَن والاه، وبعد:
هذه سلسلة الردود العلمية على شبهات النصارى حول القرآن الكريم.
زعم هؤلاء أن القرآن الكريم ذهب منه الكثير، وهذا يدل على تحريفه !!
واستدلوا بما رواه أبو عبيد، قَالَ:
[ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلَّهُ! قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهْرَ مِنْهُ].(1)
وللرد على هذا الافتراء أقول:
أولا: الرواية صحيحة:
هذه الرواية صحيحة، ولا إشكال مُطلقًا فيها سَنَدًا ولا مَتْنًا.
فأما السند فصحيح متصل بين سعيد بن منصور وبين ابن عمر رضي الله عنهما.
وأما المتن فلا غبار عليه كما سيأتي.
ثانيا: الرواية ذكرها أبو عبيد تحت باب:
بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ”.
إذًا بهذه الرواية وغيرها عَلِمْنَا أَنَّ هناك آياتٍ نَزَلَتْ على النبيِّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ، ثُمَّ نُسِخَتْ وَرَفَعَهَا اللهُ سبحانه، وهذا الحديث يدخل تحت هذا النَّسْخ باتفاق كُلِّ الْعُلَمَـاء بِلَا مخالف.
ولذلك لم يكتبها الصحابة في المصاحف، وأكرر مرة أخرى أنه لا يوجد مُخَالِفٌ في هذه المسألة.
فَإِذَا كان الإمام أبو عبيد روى هذه الرواية تحت هذا: { بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ } ؛ فلا ينبغي أن يخرج علينا جَاهِلٌ مُتَعَالِمٌ وَيَدَّعِي ضَيَاعَ شَيءٍ من القرآن الكريم مُسْتَدِلًّا بهذه الرواية.
وإليك باقي كلام العلماء الذي يوافق أبا عبيد في هذه المسألة.
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَقَدْ أخرج ابن الضريس من حَدِيث بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَيَقُولُ إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ”،  وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ].(2)
قال الحافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السِّيُوطِيُّ:
[ الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ .. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ].(3)
فالحافظ السيوطي ذَكَرَ لنا نوعًا من أنواع النسخ ، وضرب لنا المثال على هذا النوع بهذه الرواية.
قال الْعَلَّامَةُ الْأَلُوسِيُّ:
[ أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنا كما هو موجود بين الدفتين اليوم، نعم أَسْقَطَ الصديق ما لم يتواتر وما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ .. وعليه يُحْمَلُ ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر، والروايات في هذا الباب أكثر من أَنْ تُحْصَى إِلَّا أَنَّهَا محمولة على ما ذكرناه].(4)
أما محقق سنن سعيد بن منصور فقد وَضَّحَ المقصودَ من الرواية، فقال:
[ ” أخذت القرآن كله ” أي: كُلُّ ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وما اسْتَقَرَّ مَتْلُوًّا ، ” ذهب منه قرآن كثير ” أي: سقط منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أُسْقِطَ في الجمعينِ الْـمُجْمَعِ عليهما بَعْدَه لِعَدَمِ استيفائه شروطَ ثُبُوتِ قرآنيته حَسْبَ الْعَرْضَةِ الأخيرة وشروطا أخرى غيرها ].(5)
ثالثًا: ابن عمر كان يؤمن باستحالة تغيير القرآن أو تحريفه:
أليس بحسب فهم النصارى للرواية التي نبحث فيها يكون عبد الله بن عمر مُؤْمِنًا بجواز التغيير والتبديل في القرآن الكريم ؟! فلماذا نجد عبد الله بن عمر يؤمن بخلاف ذلك ؟!
روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين:
[ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثنا أَبُو النُّعْمَانِ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، ثنا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ: أَطَالَ الْحَجَّاجُ الْخُطْبَةَ فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ ، فَقَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: ” لَا يَسْتَطِيعُ ذَاكَ أَنْتَ وَلَا ابْنُ الزُّبَيْرِ { لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } [يونس: 64] فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا إِنْ نَفَعَكَ “،  هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ].(6)
والرواية توضح بجلاء تام أن ابن عمر كان يؤمن أنه لا أحد يستطيع تغيير القرآن وتبديله !!
رابعًا: النبي لم يَتْرُكْ إِلَّا القرآنَ الموجودَ بين أيدينا فقط:
النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بعد وفاته إلا ما بين الدفتين أي ما بَيْنَ الجِلْدَتَيْنِ.
وهذا ما رواه البخاري عن أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم وأحد علماء التابعين:
فقد روى البخاري في صحيحه:
[ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ: فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ].(7)
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ:
[ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ].(8)
قال بَدْرُ الدين الْعَينِيُّ:
[ وَقد ترْجم لهَذَا الْبَاب للرَّدّ على الروافض الَّذين ادّعوا أَن كثيرًا من الْقُرْآن ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ وَأَن التَّنْصِيص على إِمَامَة عَليّ بن أبي طَالب واستحقاقه الْخلَافَة عِنْد مَوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ثَابِتًا فِي الْقُرْآن ، وَأَن الصَّحَابَة كَتَمُوهُ ، وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة وحاشا الصَّحَابَة عَن ذَلِك. قَوْله: (إلاَّ مَا بَين الدفتين) أَي: الْقُرْآن].(9)
خامسًا: القرآن يستحيل أن يضيع منه شيء:
وقد وعد الله أمة نبيه أنه سيحفظ هذا الكتاب الكريم فلا يضيع منه شيء أبدا
{..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ * تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.(10)
فكتاب ربنا تبارك وتعالى باقٍ كما هو، لم يـُحرَّفْ وَلم يُبدِّلْ تحقيقًا وتصديقًا لموعود الله تبارك وتعالى بحفظه.
ولأجل ذلك وضع الله عز وجل في هذا الْكِتَابِ من الدلائل الباهرة ما يجعله مستحيل التحريف والتبديل. بل هو الكتاب الوحيد على وجه الأرض الذي يمكن كِتَابَتُهُ من الذاكرة والحِفْظ.
فلو فرضنا أن كل الكتب والمصاحف ضَاعَتْ وَانْدَثَرَتْ لِسَببٍ ما، فلنْ يستطيعَ أهلُ دِينٍ أو مِلَّةٍ أَو نِحْلَةٍ أَنْ يكتبوا كِتَابهم مرة أخرى إلا المسلمون فقط!!
فليس كتابُنا ككتب غيرنا من اليهود والنصارى.
سادسًا: من فمك أدينك أيها العبد الشرير:

على النصراني صاحب الشبهة أن يحاول حل المشاكل كتابه التي لا حلول لها

تقول نسخة الترجمة الرهبانية اليسوعية:
[إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة, بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية، ولكن عددها كثيرٌ جدا على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها … ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مرّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر. فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مُثْقَلًا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات].(11)
يقول النصراني رياض يوسف داود:
[ كان الكِتَابُ يُنسخ نَسْخَ اليَدِ في بداية العصر المسيحي وكانوا ينسخون بأدوات كتابة بدائية عن نُسَخٍ منسوخةٍ، ولقد أدخل النُسّاخُ الكثيرَ من التبديل والتعديل على النصوص وتراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر مثقلاً بألوان التبديل التي ظهرت في عدد كبير من القراءات، فما إن يصدر كتاب جديد حتى تنشر له نُسْخَاتٌ مشحونة بالأغلاط].(12)

فهل مَنْ كان هذا حال كِتَابُهُ يحق له أَنْ يتطاولَ بلا دَلِيلٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَلَا بُرْهَانٍ عَلَى أَشْرَفِ الْكُتُبِ وَأَحْكَمِهَا وَأَضْبَطِهَا وأوثقها ؟!
وبهذا يتبين لكل عاقل أن القرآن الكريم هو أوثق كتاب على وجه الأرض، وأن الذين يتهمون القرآن الكريم بالتحريف يعرفون أن كتابهم كتاب محرف مبدل، ولكنهم يريد إشغال المسلمين بهذه الشبهات والافتراءات لصرف الأنظار عن تحريف كتابهم الذي يسمونه بالكتاب المقدس!!

مراجع البحث:
(1)  فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ص320 ، ط دار ابن كثير – دمشق – بيروت.
(2)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص253 ، ط دار طيبة ، ت: نظر محمد الفاريابي.
(3)  الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454 ، ط مجمع الملك فهد – السعودية ، ت: مركز الدراسات القرآنية. قوله: الضرب = النوع.
(4)  تفسير روح المعاني للإمام الألوسي ج1 ص25  ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.
(5)  سنن سعيد بن منصور ج2 ص433 ط دار الصميعي – الرياض ، ت: الدكتور سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد.
(6)  المستدرك على الصحيحين للحاكم  ح3360 ، ج2 ص403، ط دار الحرمين – القاهرة.
(7)  صحيح البخاري ص1282 ح5019 ، ط دار بن كثير – بيروت.
(8)  فتح الباري للإمام بن حجر العسقلاني ج11 ص251 ، ط دار طيبة – القاهرة ، ت: محمد نظر الفَاريابي.
(9)  عمدة القاري للإمام بدر الدين العيني ج20 ص52 ، ط دار الكتب العلمية ، ت: عبد الله محمود محمد عمر.
(10)  القرآن الكريم ،سورة فصلت ، الآيتان (41 ، 42) .
(11)  مدخل إلى النقد الكتابي للمهندس رياض يوسف داود ص23 ط دار المشرق –  بيروت.
(12)  الترجمة الرهبانية اليسوعية – مقدمة العهد الجديد ص12 ، 13 ، ط دار المشرق –  بيروت.


تمت بحمد الله
كتبه أبو عمر الباحث
غفر الله له ولوالديه
صباح الأربعاء يوم 15 من جمادى الأول لعام 1439 هجريا
الموافق 10 يناير لعام 1018 ميلاديا

 

قول ابن عمر لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله

قناة مكافح الشبهات – أبو عمر الباحث

نسف أكاذيب النصارى والشيعة الروافض حول القرآن الكريم

معنى قول ابن عمر ” لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله ، قد ذهب منه قرآن كثير”

لتحميل البحث بصيغة pdf اضغط هنا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

وبعد:

هذه سلسلة الرد على شبهات النصارى والشيعة الروافض حول القرآن الكريم.

قالوا أن القرآن الكريم قد ذهب منه الكثير !!

واستدلوا بما رواه أبو عبيد قَالَ:

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: “ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلَّهُ؟ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهْرَ مِنْهُ.(1)

وكان محل استدلالهم بقول ابن عمر : ” قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ “.

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولا: الرواية صحيحة :

هذه الرواية صحيحة لا إشكال مطلقا فيها سنداً ولا متناً.

فأما السند فصحيح متصل بين سعيد بن منصور وبين بن عمر رضي الله عنهما.

وأما المتن فلا غبار عليه.

ثانيا: الرواية ذكرها أبو عبيد تحت باب:

{بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ}

إذا هناك آيات نزلت على المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم رُفعت ونسخها الله سبحانه وتعالى ومن هذه الآيات باتفاق كل المسلمين بلا مخالف هذا الحديث يدخل تحت هذا النسخ.

وأكرر أنه لا يوجد مخالف في هذه المسألة.

إذًا الإمام أبو عبيد وضع هذه الرواية تحت هذا الباب:

{بَابُ مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ}

فلا ينبغي أن يخرج علينا جاهل متعالِم ويدّعي ضياع شيء من القرآن الكريم مستدلاً بهذه الرواية.

وإليك باقي كلام العلماء الذي يوافق أبا عبيد في هذه المسألة.

فالإمام ابن حجر العسقلاني يقول:

وَقَدْ أخرج ابنُ الضريس من حَدِيث ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَيَقُولُ إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.(2)

فيقول السيوطي في الإتقان:

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ .. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ.(3)

ثم ذكر السيوطي هذه الرواية مباشرة!

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ.

وقال العلامة الألوسي:

[ أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنًا كما هو موجود بين الدفتين اليوم ، نعم أسقط الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوتُه .. وعليه يُحْمَل ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال ” لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كله ؟! قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقلْ: قد أخذت منه ما ظهر ، والروايات في هذا الباب أكثر من أن تُحْصَى إلا أنها محمولة على ما ذكرناه ].(4)

وقال محقق سنن سعيد بن منصوروهو يبيّن ويوضح المقصود من الرواية
رغم أنها واضحة لكل عاقل فقال ما مختصره:

(أخذت القرآن كله) أي: كل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مما نسخت تلاوته وما استقر متلوّاً ، (ذهب منه قرآن كثير) أي: سقط منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أسقط في الجمعين المجمع عليهما بعده لعدم استيفائه شروط ثبوت قرآنيته حسب العرضة الأخيرة وشروطا أخرى غيرها.(5)

 

ثالثا: النبي لم يترك إلا القرآنَ الموجود بين أيدينا فقط:

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يترك بعد وفاته إلا ما بين الدَّفَّتَيْنِ، أي ما بَيْنَ الجِلْدَتَيْنِ.

وهذا ما رواه البخاري عن أحد الصحابة وأحد التابعين رضي الله عنهم.

روى البخاري في صحيحه: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ:

دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ؟

قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.

قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ:

فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.(6)

قال ابن حجر العسقلاني:

[ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ ].(7)

قال بدر الدين العيني:

وَقد ترْجم لهَذَا الْبَاب للرَّدّ على الروافض الَّذين ادّعوا أَن كثيرا من الْقُرْآن ذهب لذهاب حَملته وَأَن التَّنْصِيص على إِمَامَة عَليّ بن أبي طَالب واستحقاقه الْخلَافَة عِنْد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ثَابتا فِي الْقُرْآن ، وَأَن الصَّحَابَة كتموه ، وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة وحاشا الصَّحَابَة عَن ذَلِك. قَوْله: (إلاَّ مَا بَين الدفتين) أَي: الْقُرْآن.(8)

رابعا: القرآن يستحيل أن يضيع منه شيء لأن الله تعالى وعد بحفظه

وقد وعد الله أمة الإسلام أنه سيحفظ هذا الكتاب الكريم فلا يضيع منه شيءٌ أبدًا.

{..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.(9)

فكتاب ربنا تبارك وتعالى باقٍ كما هو ، لم يـُحرّف ولم يُبدّل تحقيقًا وتصديقًا لموعود الله تبارك وتعالى بحفظه . 

خامسا: ابن عمر يعتقد استحالة تغيير حرف من القرآن الكريم: 

وبعد بحثٍ سريعٍ وجدتُ أن هذا المعنى قد رواه اثنان من أئمة التابعين عن ابن عمر رضي الله عنهما, نافع مولى ابن عمر وخالد بن سُمَيْر، والسندان إليهما صحيحان.

فقد روى ابن سعد في طبقاته الكبرى عن الأَسْوَدِ بنِ شَيْبَانَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ سُمَيْرٍ، قَالَ:
خَطَبَ الحَجَّاجُ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَرَّفَ كِتَابَ اللهِ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَبْتَ كَذَبْتَ، مَا يَستَطِيعُ ذَلِكَ وَلاَ أَنْتَ مَعَهُ.
قَالَ: اسْكُتْ، فَقَدْ خَرِفْتَ، وَذَهَبَ عَقلُكَ، يُوشِكُ شَيْخٌ أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، فَيَخِرَّ قَدِ انتفَخَتْ خِصْيَتَاهُ، يَطُوفُ بِهِ صِبيَانُ البَقِيْعِ ]. الطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص139 ، ط دار الكتب العلمية – بيروت.

وروى الطبري في تفسيره بسنده عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: ” أَطَالَ الْحَجَّاجُ الْخُطْبَةَ، فَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ فَقَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: لَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ ذَاكَ وَلَا ابْنَ الزُّبَيْرِ {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64] فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا أَنْ تَفْعَلَ. قَالَ أَيُّوبُ: فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ سَكَتَ “. تفسير الطبري ج12 ص226 ، ط دار هجر – الجيزة.

وهذا يدل على أن ابن عمر رضي الله عنهما يعتقد أنه لا يستطيع أَحَدٌ كَائِنًا مَنْ كَانَ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فليس كتابُنا ككتاب غيرنا من اليهود والنصارى.

يقول رياض يوسف داود:

[ كان الكِتَابُ يُنسخ نَسْخَ اليَدِ في بداية العَصْرِ الْمَسِيحِيِّ، وَكَانُوا يَنْسَخُونَ بِأَدَوَاتَ كِتَابَةٍ بِدَائِيَّةٍ عَنْ نُسَخٍ مَنْسُوخَةٍ ، وَلَقَدْ أَدْخَلَ النُسّاخُ الْكَثِيرَ من التبديل والتعديل على النصوص، وتراكم بعضُه على بعضه الآخر ، فكان النص الذي وصل آخر الأمر مثقلًا بألوان التبديل التي ظهرت في عدد كبير من القراءات ، فما إن يصدر كتاب جديد حتى تنشر له نُسْخَاتٌ مشحونة بالأغلاط ].(10)

فهل من كان هذا حال كتابه يتطاول بلا دليل ولا بينة ولا برهان على أشرف الكتب وأحكمها وأضبطها ؟!

مراجع البحـث:

(1)  فضائل القرآن للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ص320 ، ط دار بن كثير دمشق بيروت.

(2)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص253 ، ط دار طيبة ، ت: محمد نظر الفاريابي.

(3)  الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي ج4 ص1454، ط مجمع الملك فهد – السعودية، ت: مركز الدراسات القرآنية.

(4)  تفسير روح المعاني للإمام الألوسي ج1 ص25 ، ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.

(5)  سنن سعيد بن منصور ج2 ص433 ط دار الصميعي – الرياض ، ت: الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد.

(6)  صحيح البخاري ص1282 ح5019 ، ط دار بن كثير – بيروت .

(7)  فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني ج11 ص251 ، ط دار طيبة – القاهرة ، ت: محمد نظر الفَاريابي .

(8)  عمدة القاري للإمام بدر الدين العيني ج20 ص52 ، ط دار الكتب العلمية ، ت: عبد الله محمود محمد.

(9)  القرآن الكريم ،سورة فصلت ، الآيتان (41،42) .

(10) مدخل إلى النقد الكتابي للمهندس رياض يوسف داود ص23 ط دار المشرق – بيروت.

الرد مصورا على هذه الفرية

تم بحمد الله

كتبه أبو عمر الباحث

غفر الله ولوالديه

%d مدونون معجبون بهذه: